حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

بَابُ صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِالْحَدِيثِ الْمُعَنْعَنِ

) بَابُ صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِالْحَدِيثِ الْمُعَنْعَنِ إِذَا أَمْكَنَ لِقَاءُ الْمُعَنْعِنِينَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُدَلِّسٌ حَاصِلُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ مُسْلِمًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - ادَّعَى إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّ الْمُعَنْعَنَ - وَهُوَ الَّذِي فِيهِ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ - مَحْمُولٌ عَلَى الِاتِّصَالِ وَالسَّمَاعِ إِذَا أَمْكَنَ لِقَاءُ مَنْ أُضِيفَتِ الْعَنْعَنَةُ إِلَيْهِمْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ؛ يَعْنِي مَعَ بَرَاءَتِهِمْ مِنَ التَّدْلِيسِ . وَنَقَلَ مُسْلِمٌ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ عَصْرِهِ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِهَا ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الِاتِّصَالِ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُمَا الْتَقَيَا فِي عُمُرِهِمَا مَرَّةً فَأَكْثَرَ ، وَلَا يَكْفِي إِمْكَانُ تَلَاقِيهِمَا . قَالَ مُسْلِمٌ : وَهَذَا قَوْلٌ سَاقِطٌ مُخْتَرَعٌ مُسْتَحْدَثٌ لَمْ يُسْبَقْ قَائِلُهُ إِلَيْهِ ، وَلَا مُسَاعِدَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ الْقَوْلَ بِهِ بِدْعَةٌ بَاطِلَةٌ .

وَأَطْنَبَ مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الشَّنَاعَةِ عَلَى قَائِلِهِ ، وَاحْتَجَّ مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِكَلَامٍ مُخْتَصَرُهُ أَنَّ الْمُعَنْعَنَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاتِّصَالِ إِذَا ثَبَتَ التَّلَاقِي مَعَ احْتِمَالِ الْإِرْسَالِ ، وَكَذَا إِذَا أَمْكَنَ التَّلَاقِي . وَهَذَا الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ قَدْ أَنْكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ ، وَقَالُوا : هَذَا الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ ضَعِيفٌ ، وَالَّذِي رَدَّهُ هُوَ الْمُخْتَارُ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ هَذَا الْفَنِّ : عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا . وَقَدْ زَادَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى هَذَا ; فَاشْتَرَطَ الْقَابِسِيُّ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَدْرَكَهُ إِدْرَاكًا بَيِّنًا ، وَزَادَ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ فَاشْتَرَطَ طُولَ الصُّحْبَةِ بَيْنَهُمَا ، وَزَادَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِي الْمُقْرِي فَاشْتَرَطَ مَعْرِفَتَهُ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ .

وَدَلِيلُ هَذَا الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَالْبُخَارِيُّ وَمُوَافِقُوهُمَا أَنَّ الْمُعَنْعَنَ عِنْدَ ثُبُوتِ التَّلَاقِي إِنَّمَا حُمِلَ عَلَى الِاتِّصَالِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُدَلِّسٍ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى السَّمَاعِ ، ثُمَّ الِاسْتِقْرَاءُ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ عَادَتَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُطْلِقُونَ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَا سَمِعُوهُ ، إِلَّا الْمُدَلِّسَ ، وَلِهَذَا رَدَدْنَا رِوَايَةَ الْمُدَلِّسِ . فَإِذَا ثَبَتَ التَّلَاقِي غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ الِاتِّصَالُ ، وَالْبَابُ مَبْنِيٌّ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ فَاكْتَفَيْنَا بِهِ . وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودًا فِيمَا إِذَا أَمْكَنَ التَّلَاقِي وَلَمْ يَثْبُتْ ; فَإِنَّهُ لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ الِاتِّصَالُ فَلَا يَجُوزُ الْحَمْلُ عَلَى الِاتِّصَالِ ، وَيَصِيرُ كَالْمَجْهُولِ ; فَإِنَّ رِوَايَتَهُ مَرْدُودَةٌ لَا لِلْقَطْعِ بِكَذِبِهِ أَوْ ضَعْفِهِ ، بَلْ لِلشَّكِّ فِي حَالِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هَذَا حُكْمُ الْمُعَنْعَنِ مِنْ غَيْرِ الْمُدَلِّسِ . وَأَمَّا الْمُدَلِّسُ فَتَقَدَّمَ بَيَانُ حُكْمِهِ فِي الْفُصُولِ السَّابِقَةِ ، هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْأُصُولِ أَنَّ الْمُعَنْعَنَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاتِّصَالِ بِشَرْطِهِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهِ . وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِالْمُعَنْعَنِ مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ مَرْدُودٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ .

وَدَلِيلُهُمْ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ حُصُولِ غَلَبَةِ الظَّنِّ مَعَ الِاسْتِقْرَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . هَذَا حُكْمُ الْمُعَنْعَنِ . أَمَّا إِذَا قَالَ : حَدَّثَنِي فُلَانٌ أَنَّ فُلَانًا قَالَ ، كَقَوْلِهِ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ كَذَا ، أَوْ حَدَّثَ بِكَذَا ، أَوْ نَحْوَهُ .

فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ أَنَّ كَعَنْ ، فَيُحْمَلُ عَلَى الِاتِّصَالِ بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَيَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ ، وَأَبُو بَكْرٍ البرديجي : لَا تُحْمَلُ أَنَّ عَلَى الِاتِّصَالِ ، وَإِنْ كَانَتْ عَنْ لِلِاتِّصَالِ . وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَكَذَا : قَالَ ، وَحَدَّثَ ، وَذَكَرَ ، وَشِبْهُهَا ; فَكُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاتِّصَالِ وَالسَّمَاعِ .

قَوْلُهُ : ( لَوْ ضَرَبْنَا عَنْ حِكَايَتِهِ ) كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ : ( ضَرَبْنَا ) ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَتْ لُغَةً قَلِيلَةً . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : يُقَالُ : ضَرَبْتُ عَنِ الْأَمْرِ وَأَضْرَبْتُ عَنْهُ ؛ بِمَعْنَى كَفَفْتُ وَأَعْرَضْتُ . وَالْمَشْهُورُ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ : وَأَضْرَبْتُ ؛ بِالْأَلِفِ .

وَقَوْلُهُ : ( لَكَانَ رَأْيًا مَتِينًا ) ؛ أَيْ قَوِيًّا . وَقَوْلُهُ : ( وَإِخْمَالِ ذِكْرِ قَائِلِهِ ) ؛ أَيْ : إِسْقَاطُهُ . وَالْخَامِلُ السَّاقِطُ ، وَهُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ .

وَقَوْلُهُ : ( أَجْدَى عَلَى الْأَنَامِ ) هُوَ بِالْجِيمِ ، وَالْأَنَامُ بِالنُّونِ ، وَمَعْنَاهُ : أَنْفَعُ لِلنَّاسِ ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَالصَّحِيحُ . وَوَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ : أَجْدَى عَنِ الْآثَامِ ؛ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ فَالْوَجْهُ هُوَ الْأَوَّلُ . وَيُقَالُ فِي الْأَنَامِ أَيْضًا : الأنيم ؛ حَكَاهُ الزُّبَيْدِيُّ وَالْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُمَا .

قَوْلُهُ : ( وَسُوءِ رَوِيَّتِهِ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ ؛ أَيْ : فِكْرِهِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا قَدِ اجْتَمَعَا ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ، وَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ الصَّحِيحَةِ الْمُعْتَمَدَةِ ( حَتَّى ) ؛ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ ثُمَّ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ( حِينَ ) ؛ بِالْيَاءِ ثُمَّ بِالنُّونِ ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ .

قَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( فَيُقَالُ لِمُخْتَرِعِ هَذَا الْقَوْلِ : قَدْ أَعْطَيْتَ فِي جُمْلَةِ قَوْلِكَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ حُجَّةٌ يَلْزَمُ بِهِ الْعَمَلُ ) هَذَا الَّذِي قَالَهُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَنْبِيهٌ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا مُعْظَمُ أَحْكَامِ الشَّرْعِ ، وَهُوَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ; فَيَنْبَغِي الِاهْتِمَامُ بِهَا وَالِاعْتِنَاءُ بِتَحْقِيقِهَا ، وَقَدْ أَطْنَبَ الْعُلَمَاءُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي الِاحْتِجَاجِ لَهَا وَإِيضَاحِهَا ، وَأَفْرَدَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ بِالتَّصْنِيفِ ، وَاعْتَنَى بِهَا أَئِمَّةُ الْمُحَدِّثِينَ وَأُصُولِ الْفِقْهِ ، وَأَوَّلُ مَنْ بَلَغَنَا تَصْنِيفُهُ فِيهَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَدْ تَقَرَّرَتْ أَدِلَّتُهَا النَّقْلِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَنَذْكُرُ هُنَا طَرَفًا فِي بَيَانِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْمَذَاهِبِ فِيهِ مُخْتَصَرًا . قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْخَبَرُ ضَرْبَانِ ؛ مُتَوَاتِرٌ ، وَآحَادٌ . فَالْمُتَوَاتِرُ : مَا نَقَلَهُ عَدَدٌ لَا يُمْكِنُ مُوَاطَأَتُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَنْ مِثْلِهِمْ وَيَسْتَوِي طَرَفَاهُ وَالْوَسَطُ ، وَيُخْبِرُونَ عَنْ حِسِّيٍّ لَا مَظْنُونٍ وَيَحْصُلُ الْعِلْمُ بِقَوْلِهِمْ .

ثُمَّ الْمُخْتَارُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُضْبَطُ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُخْبِرِينَ الْإِسْلَامُ وَلَا الْعَدَالَةُ . وَفِيهِ مَذَاهِبُ أُخْرَى ضَعِيفَةٌ ، وَتَفْرِيعَاتٌ مَعْرُوفَةٌ مُسْتَقْصَاةٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ . وَأَمَّا خَبَرُ الْوَاحِدِ : فَهُوَ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ شُرُوطُ الْمُتَوَاتِرِ سَوَاءٌ كَانَ الرَّاوِي لَهُ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ .

وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِهِ ; فَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَأَصْحَابِ الْأُصُولِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ حُجَّةٌ مِنْ حُجَجِ الشَّرْعِ يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهَا ، وَيُفِيدُ الظَّنَّ وَلَا يُفِيدُ الْعِلْمَ ، وَأَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِهِ عَرَفْنَاهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ . وَذَهَبَتِ الْقَدَرِيَّةُ وَالرَّافِضَةُ وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : مَنَعَ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ دَلِيلُ الْعَقْلِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : مَنَعَ دَلِيلُ الشَّرْعِ .

وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ مِنْ جِهَةِ دَلِيلِ الْعَقْلِ ، وَقَالَ الجبائي مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ : لَا يَجِبُ الْعَمَلُ إِلَّا بِمَا رَوَاهُ اثْنَانِ عَنِ اثْنَيْنِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : لَا يَجِبُ الْعَمَلُ إِلَّا بِمَا رَوَاهُ أَرْبَعَةٌ عَنْ أَرْبَعَةٍ . وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ دُونَ الْبَاطِنِ .

وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ إِلَى أَنَّ الْآحَادَ الَّتِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَوْ الجهة صَحِيحِ مُسْلِمٍ تُفِيدُ الْعِلْمَ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْآحَادِ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا الْقَوْلَ وَإِبْطَالَهُ فِي الْفُصُولِ ، وَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ كُلُّهَا سِوَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ بَاطِلَةٌ ، وَإِبْطَالُ مَنْ قَالَ : لَا حُجَّةَ فِيهِ - ظَاهِرٌ ; فَلَمْ تَزَلْ كُتُبُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآحَادُ رُسُلِهِ يُعْمَلُ بِهَا ، وَيُلْزِمُهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَمَلَ بِذَلِكَ ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ . وَلَمْ تَزَلِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى امْتِثَالِ خَبَرِ الْوَاحِدِ إِذَا أَخْبَرَهُمْ بِسُنَّةٍ ، وَقَضَائِهِمْ بِهِ ، وَرُجُوعِهِمْ إِلَيْهِ فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا ، وَنَقْضِهِمْ بِهِ مَا حَكَمُوا بِهِ خِلَافَهُ ، وَطَلَبِهِمْ خَبَرَ الْوَاحِدِ عِنْدَ عَدَمِ الْحُجَّةِ مِمَّنْ هُوَ عِنْدَهُ وَاحْتِجَاجِهِمْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ ، وَانْقِيَادِ الْمُخَالِفِ لِذَلِكَ . وَهَذَا كُلُّهُ مَعْرُوفٌ لَا شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ، وَالْعَقْلُ لَا يُحِيلُ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَقَدْ جَاءَ الشَّرْعُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ .

وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُوجِبُ الْعِلْمَ ، فَهُوَ مُكَابِرٌ لِلْحَس . وَكَيْفَ يَحْصُلُ الْعِلْمُ وَاحْتِمَالُ الْغَلَطِ وَالْوَهْمِ وَالْكَذِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مُتَطَرِّقٌ إِلَيْهِ ؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ حِكَايَةً عَنْ مُخَالِفِهِ : ( وَالْمُرْسَلُ فِي أَصْلِ قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ) هَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذَاهِبِ الْمُحَدِّثِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ الِاحْتِجَاجِ بِالْمُرْسَلِ .

وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُولِ السَّابِقَةِ بَيَانَ أَحْكَامِ الْمُرْسَلِ وَاضِحَةً ، وَبَمعنَاهَا بَسْطًا شَافِيًا ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ مُخْتَصَرًا وَجِيزًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَإِنْ عَزَبَ عَنِّي مَعْرِفَةُ ذَلِكَ أَوْقَفْتُ الْخَبَرَ ) يُقَالُ : عَزَبَ الشَّيْءُ عَنِّي - بِفَتْحِ الزَّايِ - يَعْزِبُ ويعزُب ؛ بِكَسْرِ الزَّايِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ ، وَالضَّمُّ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ ، وَمَعْنَاهُ : ذَهَبَ . وَقَوْلُهُ : ( أَوْقَفْتُ الْخَبَرَ ) كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ( أَوْقَفْتُ ) وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ، وَالْفَصِيحُ الْمَشْهُورُ ( وَقَفْتُ ) ؛ بِغَيْرِ أَلِفٍ .

قَوْلُهُ : ( فِي ذِكْرِ هِشَامٍ لَمَّا أَحَبَّ أَنْ يَرْوِيَهَا مُرْسَلًا ) ضَبَطْنَاهُ ( لَمَّا ) ؛ بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ ، وَ ( مُرْسَلًا ) بِفَتْحِ السِّينِ ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ ( لَمَّا ) وَكَسْرُ سِينِ ( مُرْسَلًا ) . قَوْلُهُ : ( وَيَنْشَطُ أَحْيَانًا ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالشِّينِ ؛ أَيْ : يَخِفُّ فِي أَوْقَاتٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : كُنْتُ أُطَيِّبَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمحِلِّهِ وَلِحُرْمِهِ ) يُقَالُ : ( حُرْمِهِ ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ ، وَمَعْنَاهُ : لِإِحْرَامِهِ .

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَيَّدْنَاهُ عَنْ شُيُوخِنَا بِالْوَجْهَيْنِ . قَالَ : وَبِالضَّمِّ قَيَّدَهُ الْخَطَّابِيُّ والهروي ، وَخَطَّأَ الْخَطَّابِيُّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ فِي كَسْرِهِ . وَقَيَّدَهُ ثَابِتٌ بِالْكَسْرِ ، وَحكى عَنِ الْمُحَدِّثِينَ الضَّمُّ وَخَطَّأَهُمْ فِيهِ ، وَقَالَ : صَوَابُهُ الْكَسْرُ ، كَمَا قَالَ : لِحِلِّهِ .

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ التَّطَيُّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَكَثِيرِينَ اسْتِحْبَابُهُ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي آخَرِينَ كَرَاهِيَتُهُ ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ ) فِيهِ جُمَلٌ مِنَ الْعِلْمِ ؛ مِنْهَا : أَنَّ أَعْضَاءَ الْحَائِضِ طَاهِرَةٌ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَلَا يَصِحُّ مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ نَجَاسَةِ يَدِهَا .

وَفِيهِ جَوَازُ تَرْجِيلِ الْمُعْتَكِفِ شَعْرَهُ ، وَنَظَرُهُ إِلَى امْرَأَتِهِ ، وَلَمْسُهَا شَيْئًا مِنْهُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ مِنْهُ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ ، وَأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ . وَلَا يَظْهَرُ فِيهِ دَلَالَةٌ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ لَا شَكَّ فِي كَوْنِ هَذَا هُوَ الْمَحْبُوبَ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا .

فَأَمَّا الِاشْتِرَاطُ وَالتَّحْرِيمُ فِي حَقِّهَا فَلَيْسَ فِيهِ ، لَكِنَّ لِذَلِكَ دَلَائِلُ أُخَرُ مُقَرَّرَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ . وَاحْتَجَّ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِهِ عَلَى أَنَّ قَلِيلَ الْمُلَامَسَةِ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَرُدَّ بِهِ عَلَى الشَّافِعِيِّ . وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ مِنْهُ عَجَبٌ ، وَأَيُّ دَلَالَةٍ فِيهِ لِهَذَا ؟ وَأَيْنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَسَ بَشَرَةَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَكَانَ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ صَلَّى بِهَا ؟ فَقَدْ لَا يَكُونُ مُتَوَضِّئًا ، وَلَوْ كَانَ فَمَا فِيهِ أَنَّهُ مَا جَدَّدَ طَهَارَةً ، وَلِأَنَّ الْمَلْمُوسَ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَلِأَنَّ لَمْسَ الشَّعْرِ لَا يَنْقُضُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، كَذَا نَصَّ فِي كُتُبِهِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مِنْ مَسِّهَا الشَّعْرَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( وَرَوَى الزُّهْرِيُّ وَصَالِحُ بْنُ أَبِي حَسَّانٍ ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ بِبِلَادِنَا ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ مُعْظَمِ الْأُصُولِ بِبِلَادِهِمْ . وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ أَنَّهُ وَجَدَ فِي نُسْخَةِ الرَّازِيِّ أَحَدَ رُوَاتِهِمْ صَالِحَ بْنَ كَيْسَانَ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ : وَهُوَ وَهْمٌ ، وَالصَّوَابُ : صَالِحُ بْنُ أَبِي حَسَّانٍ .

وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَسَّانٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ . قُلْتُ : قَالَ التِّرْمِذِيُّ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ : صَالِحُ بْنُ أَبِي حَسَّانٍ ثِقَةٌ . وَكَذَا وَثَّقَهُ غَيْرُهُ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا لِأَنَّهُ رُبَّمَا اشْتَبَهَ بِصَالِحِ بْنِ حَسَّانٍ أَبِي الْحَرْثِ الْبَصْرِيِّ الْمَدِينِيِّ ، وَيُقَالُ : الْأَنْصَارِيُّ ، وَهُوَ فِي طَبَقَةِ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَسَّانٍ هَذَا ; فَإِنَّهُمَا يَرْوِيَانِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَيَرْوِي عَنْهُمَا جَمِيعًا ابْنُ ذِئْبٍ .

وَلَكِنَّ صَالِحَ بْنَ حَسَّانٍ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ ، وَأَقْوَالُهُمْ فِي ضَعْفِهِ مَشْهُورَةٌ . وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي الْكِفَايَةِ : أَجْمَعَ نُقَّادُ الْحَدِيثِ عَلَى تَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِصَالِحِ بْنِ حَسَّانٍ هَذَا لِسُوءِ حِفْظِهِ وَقِلَّةِ ضَبْطِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ فِي الْقِبْلَةِ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَخْبَرَتْهُ ) هَذِهِ الرِّوَايَةُ اجْتَمَعَ فِيهَا أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ؛ أَوَّلُهُمْ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ ، وَهَذَا مِنْ أَطْرَفِ الطُّرَفِ وَأَغْرَبِ لَطَائِفِ الْإِسْنَادِ .

وَلِهَذَا نَظَائِرُ قَلِيلَةٌ فِي الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ سَيَمُرُّ بِكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا . وَقَدْ جَمَعْتُ جُمْلَةً مِنْهَا فِي أَوَّلِ شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا . وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ لَطِيفَةٌ أُخْرَى ؛ وَهُوَ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ ، فَإِنَّ أَبَا سَلَمَةَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ أَصَاغِرِهِمْ سِنًّا وَطَبَقَةً وَإِنْ كَانَ مِنْ كِبَارِهِمْ عِلْمًا وَقَدْرًا وَدِينًا وَوَرَعًا وَزُهْدًا وَغَيْرَ ذَلِكَ .

وَاسْمُ أَبِي سَلَمَةَ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ . وَقِيلَ : اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ . وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ : لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ .

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : كُنْيَتُهُ هِيَ اسْمُهُ . حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ فِيهِ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَأَبُو سَلَمَةَ هَذَا مِنْ أَجَلِّ التَّابِعِينَ وَمِنْ أَفْقَهِهِمْ ، وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ فِيهِمْ .

وَأَمَّا ( يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ) فَتَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، كُنْيَتُهُ أَبُو نَصْرٍ ، رَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، وَسَمِعَ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ ، وَكَانَ جَلِيلَ الْقَدْرِ . وَاسْمُ أَبِي كَثِيرٍ صَالِحٌ ، وَقِيلَ : سَيَّارٌ . وَقِيلَ : نَشِيطٌ .

وَقِيلَ : دِينَارٌ . قَوْلُهُ : ( لَزِمَهُ تَرْكُ الِاحْتِجَاجِ فِي قِيَادِ قَوْلِهِ ) هُوَ بِقَافٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ يَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتُ ؛ أَيْ مُقْتَضَاهُ . قَوْلُهُ : ( إِذَا كَانَ مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ ) قَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ التَّدْلِيسِ فِي الْفُصُولِ السَّابِقَةِ ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِعَادَتِهِ .

قَوْلُهُ : ( فَمَا ابْتُغِيَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُدَلِّسٍ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ : ( فَمَا ابْتُغِيَ ) ؛ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ . وَفِي بَعْضِهَا : ( ابْتَغَى ) ؛ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْغَيْنِ . وَفِي بَعْضِ الْأُصُولِ الْمُحَقَّقَةِ : ( فَمَنِ ابْتَغَى ) ؛ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ وَجْهٌ .

قَوْلُهُ : ( فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ - وَقَدْ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ رَوَى عَنْ حُذَيْفَةَ وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَعَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثًا يُسْنِدُهُ ) أَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ فَهُوَ حَدِيثُ نَفَقَةِ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ ، وَقَدْ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا . وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ حُذَيْفَةَ فَقَوْلُهُ : أَخْبَرَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا هُوَ كَائِنٌ ، الْحَدِيثُ خْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَأَمَّا ( أَبُو مَسْعُودٍ ) فَاسْمُهُ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْبَدْرِيِّ ، قَالَ الْجُمْهُورُ : سَكَنَ بَدْرًا وَلَمْ يَشْهَدْهَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْحَكَمُ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ التَّابِعِيُّونَ ، وَالْبُخَارِيُّ : شَهِدَهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَعَنْ كُلِّ وَاحِدٍ ) فَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ . ( وَعَنْ ) بِالْوَاوِ ، وَالْوَجْهُ حَذْفُهَا فَإِنَّهَا تُغَيِّرُ الْمَعْنَى .

قَوْلُهُ : ( وَهِيَ فِي زَعْمِ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ وَاهِيَةٌ ) هُوَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا ؛ ثَلَاثُ لُغَاتٍ مَشْهُورَةٍ . وَلَوْ قَالَ ( ضَعِيفَةً ) بَدَلَ ( وَاهِيَةٌ ) لَكَانَ أَحْسَنَ ; فَإِنَّ هَذَا الْقَائِلَ لَا يَدَّعِي أَنَّهَا وَاهِيَةٌ شَدِيدَةُ الضَّعْفِ مُتَنَاهِيَةٌ فِيهِ كَمَا هُوَ مَعْنَى ( وَاهِيَةٍ ) ، بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى أَنَّهَا ضَعِيفَةٌ لَا تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَأَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ - وَهُمَا مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ ، وَصَحِبَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْبَدْرِيِّينَ هَلُمَّ جَرًّا ، وَنَقَلَا عَنْهُمَا الْأَخْبَارَ حَتَّى نَزَلَا إِلَى مِثْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَذَوِيهِمَا - قَدْ أَسْنَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثًا ) أَمَّا ( أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ ) فَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلٍّ ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ .

وَأَمَّا ( أَبُو رَافِعٍ ) فَاسْمُهُ نُفَيْعٌ الْمَدَنِيُّ ، قَالَ ثَابِتٌ : لَمَّا أُعْتِقَ أَبُو رَافِعٍ بَكَى ، فَقِيلَ لَهُ : مَا يُبْكِيكَ ؟ فَقَالَ : كَانَ لِي أَجْرَانِ فَذَهَبَ أَحَدُهُمَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ ) فَمَعْنَاهُ : كَانَا رَجُلَيْنِ قَبْلَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْجَاهِلِيَّةُ مَا قَبْلَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ جَهَالَاتِهِمْ . وَقَوْلُهُ : ( مِنَ الْبَدْرِيِّينَ هَلُمَّ جَرًّا ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ اسْتِعْمَالٍ ( هَلُمَّ جَرًّا ) ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِيمَا اتَّصَلَ إِلَى زَمَانِ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مُسْلِمٌ : فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ .

وَقَوْلُهُ : ( جَرًّا ) مَنُونٌ . قَالَ صَاحِبِ الْمَطَالِعِ : قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : مَعْنَى ( هَلُمَّ جَرًّا ) : سِيرُوا وَتَمَهَّلُوا فِي سَيْرِكُمْ وَتَثَبَّتُوا ، وَهُوَ مِنَ الْجَرِّ وَهُوَ تَرْكُ النَّعَمِ فِي سَيْرِهَا ، فَيُسْتَعْمَلُ فِيمَا دُووِمَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْمَالِ . قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : فَانْتَصَبَ ( جَرًّا ) عَلَى الْمَصْدَرِ ؛ أَيْ : جَرُّوا جَرًّا ، أَوْ عَلَى الْحَالِ أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ .

وَقَوْلُهُ : ( وَذَوِيهِمَا ) فِيهِ إِضَافَةُ ذِي إِلَى غَيْرِ الْأَجْنَاسِ ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا مُضَافَةً إِلَى الْأَجْنَاسِ ؛ كَذِي مَالٍ . وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ إِضَافَةُ أَحْرُفٍ مِنْهَا إِلَى الْمُفْرَدَاتِ ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ : وَتَصِلُ ذَا رَحِمِكَ ، وَكَقَوْلِهِمْ : ذُو يَزَنَ ، وَذُو نُوَاسٍ ، وَأَشْبَاهُهَا . قَالُوا : هَذَا كُلُّهُ مُقَدَّرٌ فِيهِ الِانْفِصَالُ ; فَتَقْدِيرُ ذِي رَحِمِكَ : الَّذِي لَهُ مَعَكَ رَحِمٌ .

وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ أُبَيٍّ فَقَوْلُهُ : كَانَ رَجُلٌ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَبْعَدَ بَيْتًا مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ الْحَدِيثَ . وَفِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْطَاكَ اللَّهُ مَا احْتَسَبْتَ خرَّجَهُ مُسْلِمٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ عَنْهُ فَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْآخَرِ ، فَسَافَرَ عَامًا ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا .

رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمْ ، وَرَوَاهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمَسَانِيدِ . قَوْلُهُ : ( وَأَسْنَدَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ وَأَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَبَرَيْنِ ) أَمَّا ( أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ ) فَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ إِيَاسٍ ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . وَأَمَّا ( سَخْبَرَةُ ) فَبِسِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ .

وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ اللَّذَانِ رَوَاهُمَا الشَّيْبَانِيُّ فَأَحَدُهُمَا حَدِيثُ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّهُ أَبْدَعَ بِي . وَالْآخَرُ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ ، فَقَالَ : لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُمِائَةٍ ؛ أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ . وَأَسْنَدَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ حَدِيثَ : الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ .

وَأَمَّا حَدِيثَا أَبِي مَعْمَرٍ فَأَحَدُهُمَا : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ ؛ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَالْآخَرُ : لَا تَجْزِي صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ صُلْبَهُ فِيهَا فِي الرُّكُوعِ ؛ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَأَسْنَدَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثًا ) هُوَ قَوْلُهَا : لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ : غَرِيبٌ وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ ، لأبكينه بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَاسْمُ أُمِّ سَلَمَةَ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَاسْمُهُ حُذَيْفَةُ ، وَقِيلَ : سُهَيْلُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّةُ ، تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةَ ثَلَاثٍ ، وَقِيلَ : اسْمُهَا رَمْلَةُ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ .

قَوْلُهُ : ( وَأَسْنَدَ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ثَلَاثَةَ أَخْبَارٍ ) هِيَ حَدِيثُ : إِنَّ الْإِيمَانَ هَهُنَا ، وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ . وَحَدِيثُ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَكْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ . وَحَدِيثُ : لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ .

أَخْرَجَهَا كُلَّهَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَاسْمُ أَبِي حَازِمٍ عَبْدُ عَوْفٍ ، وَقِيلَ : عَوْفُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ الْبَجَلِيُّ صَحَابِيٌّ . قَوْلُهُ : ( وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثًا ) هُوَ قَوْلُهُ : أَمَرَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ : اصْنَعِي طَعَامًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ اسْمُ أَبِي لَيْلَى وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ وَبَيَانُ ابْنِهِ وَابْنِ ابْنِهِ .

قَوْلُهُ : ( وَأَسْنَدَ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثَيْنِ ، وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثًا ) أَمَّا حَدِيثَاهُ عَنْ عِمْرَانَ فَأَحَدُهُمَا فِي إِسْلَامِ حُصَيْنٍ وَالِدِ عِمْرَانَ ، وَفِيهِ قَوْلُهُ : كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَيْرًا لِقَوْمِكَ مِنْكَ . رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابِهِ عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بِإِسْنَادَيْهِمَا الصَّحِيحَيْنِ . وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ : لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ .

وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ فَهُوَ : إِذَا الْمُسْلِمَانِ حَمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَخِيهِ السِّلَاحَ فَهُمَا عَلَى جُرْفِ جَهَنَّمَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ . وَاسْمُ أَبِي بَكْرَةَ : نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ - بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامُ - الثَّقَفِيُّ ، كُنِيَ بِأَبِي بَكْرَةَ لِأَنَّهُ تَدَلَّى مِنْ حِصْنِ الطَّائِفِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَكْرَةَ . وَكَانَ أَبُو بَكْرَةَ مِمَّنِ اعْتَزَلَ يَوْمَ الْجَمَلِ فَلَمْ يُقَاتِلْ مَعَ أَحَدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ .

وَأَمَّا ( رِبْعِيُّ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ( وَحِرَاشٍ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَتَقَدَّمَ بَيَانُهُمَا . قَوْلُهُ : ( وَأَسْنَدَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثًا ) أَمَّا حَدِيثُهُ فَهُوَ حَدِيثُ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ هَكَذَا مِنْ رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ . وَأَمَّا ( أَبُو شُرَيْحٍ ) فَاسْمُهُ : خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو ، وَقِيلَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَقِيلَ : عَمْرُو بْنُ خُوَيْلِدٍ ، وَقِيلَ : هَانِئُ بْنُ عَمْرٍو ، وَقِيلَ : كَعْبٌ .

وَيُقَالُ فِيهِ : أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ وَالْعَدَوِيِّ وَالْكَعْبِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَأَسْنَدَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَـ مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ مِنَ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا . وَالثَّانِي : إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا ؛ أَخْرَجَهُمَا مَعًا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .

وَالثَّالِثُ : إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ صَرَفَ اللَّهُ وَجْهَهُ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَأَمَّا ( أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ) فَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ ، مَنْسُوبٌ إِلَى خُدْرَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْحَرْثِ بْنِ الْخَزْرَجِ . تُوُفِّيَ أَبُو سَعِيدٍ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ ، وَقِيلَ : سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ .

وَأَمَّا ( أَبُو عَيَّاشٍ ) وَالِدُ النُّعْمَانِ فَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، وَاسْمُهُ زَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ ، وَقِيلَ : زَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ ، وَقِيلَ : عُبَيْدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَقِيلَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ . قَوْلُهُ : ( وَأَسْنَدَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثًا ) هُوَ حَدِيثُ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ . وَأَمَّا ( تَمِيمٌ الدَّارِيُّ ) فَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِمٍ ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ ؛ فَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى وَابْنِ بُكَيْرٍ وَغَيْرِهِمَا : ( الدِّيرِيُّ ) ؛ بِالْيَاءِ .

وَفِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَكْثَرِهِمُ : ( الدَّارِيُّ ) ؛ بِالْأَلِفِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّهُ إِلَى مَا نُسِبَ ; فَقَالَ الْجُمْهُورُ : إِلَى جَدٍّ مِنْ أَجْدَادِهِ ، وَهُوَ الدَّارُ بْنُ هَانِئٍ ، فَإِنَّهُ تَمِيمُ بْنُ أَوْسِ بْنِ خَارِجَةَ بْنِ سُورِ - بِضَمِّ السِّينِ - ابْنِ جَذِيمَةَ - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - ابْنِ ذِرَاعِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الدَّارِ بْنِ هَانِئِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ نِمَارَةَ بْنِ لَخْمٍ ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ عَدِيٍّ . وَأَمَّا مَنْ قَالَ : الدَّيْرِيُّ ، فَهُوَ نِسْبَةٌ إِلَى دَيْرٍ كَانَ تَمِيمٌ فِيهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا .

هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الْحَسَنِ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي النِّسْبَتَيْنِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الدَّارِيُّ - بِالْأَلِفِ - إِلَى دَارَيْنِ ؛ وَهُوَ مَكَانٌ عِنْدَ الْبَحْرَيْنِ ، وَهُوَ مَحَطُّ السُّفُنِ ، كَانَ يُجْلَبُ إِلَيْهِ الْعِطْرُ مِنَ الْهِنْدِ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْعَطَّارِ : دَارِيٌّ . وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ بِالْيَاءِ نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةٍ أَيْضًا ، وَهُوَ بَعِيدٌ شَاذٌّ ، حَكَاهُ وَالَّذِي قَبْلَهُ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ ، قَالَ : وَصَوَّبَ بَعْضُهُمُ الدَّيْرِيَّ .

قُلْتُ : وَكِلَاهُمَا صَوَابٌ ، فَنُسِبَ إِلَى الْقَبِيلَةِ بِالْأَلِفِ وَإِلَى الدَّيْرِ بِالْيَاءِ ; لِاجْتِمَاعِ الْوَصْفَيْنِ فِيهِ . قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْمُوَطَّأِ دَارِيٌّ ، وَلَا يدري دَيْرِيٌّ إِلَّا تَمِيمٌ ، وَكُنْيَة تَمِيمٍ أَبُو رُقَيَّةَ ، أَسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ ، وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الشَّامِ فَنَزَلَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَقَدْ رَوَى عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِصَّةَ الْجَسَّاسَةِ ، وَهَذِهِ مَنْقَبَةٌ شَرِيفَةٌ لِتَمِيمٍ ، وَيَدْخُلُ فِي رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( وَأَسْنَدَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثًا ) هُوَ حَدِيثُ الْمُحَاقَلَةِ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . قَوْلُهُ : ( وَأَسْنَدَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَادِيثَ ) مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ : أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُنْفَرِدًا بِهِ عَنِ الْبُخَارِيِّ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي آخِرِ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ : لَيْسَ لِحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ .

قَالَ : وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ شَيْءٌ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْحُمَيْدِيُّ صَحِيحٌ ، وَرُبَّمَا اشْتَبَهَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ هَذَا بِحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ الرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ، وَقَدْ رَوَيَا لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً ; فَقَدْ يَقِفُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُمَا فَيُنْكِرُ قَوْلَ الْحُمَيْدِيِّ تَوَهُّمًا مِنْهُ أَنَّ حُمَيْدًا هَذَا هُوَ ذَاكَ وَهُوَ خَطَأٌ صَرِيحٌ وَجَهْلٌ قَبِيحٌ ، وَلَيْسَ لِلْحِمْيَرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا فِي الْكُتُبِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ تَمَامُ أُصُولِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسَةِ - أَعْنِي : سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيَّ ، وَالنَّسَائِيَّ - غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( كَلَامًا خَلْفًا ) بِإِسْكَانِ اللَّامِ ، وَهُوَ السَّاقِطُ الْفَاسِدُ .

قَوْلُهُ : ( وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ ) هُوَ بِضَمِّ التَّاءِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ ؛ أَيْ الِاتِّكَالُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالنِّعْمَةُ وَالْفَضْلُ وَالْمِنَّةُ ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ .

ورد في أحاديث5 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ5 أحاديث
موقع حَـدِيث