حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

باب الْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَائِعِ الدِّينِ

[ 24 ] - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ . وَقَالَ الْآخَرَانِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ : كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْأَلُهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ ، فَقَالَ : إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ الْوَفْدُ ؟ أَوْ : مَنْ الْقَوْمُ ؟ قَالُوا : رَبِيعَةُ .

قَالَ : مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ - أَوْ بِالْوَفْدِ - غَيْرَ خَزَايَا وَلَا النَّدَامَى . قَالَ : فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ ، وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرِ الْحَرَامِ ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ . قَالَ : فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ .

قَالَ : أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ ، وَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنْ الْمَغْنَمِ . وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ .

قَالَ شُعْبَةُ : وَرُبَّمَا قَالَ : النَّقِيرِ . قَالَ شُعْبَةُ : وَرُبَّمَا قَالَ : الْمُقَيَّرِ . وَقَالَ : احْفَظُوهُ ، وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ : مَنْ وَرَاءَكُمْ . وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ : الْمُقَيَّرِ . [ 25 ] وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي .

( ح ) ، وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي ؛ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَحْوَ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، وَقَالَ : أَنْهَاكُمْ عَمَّا يُنْبَذُ فِي الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ . وَزَادَ ابْنُ مُعَاذٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَشَجِّ أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ : إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ : الْحِلْمُ ، وَالْأَنَاةُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ .

وَقَالَ الْآخَرُونَ : ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ) هَذَا مِنِ احْتِيَاطِ مُسْلِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَإِنَّ غُنْدَرًا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَلَكِنْ أَبُو بَكْرٍ ذَكَرَهُ بِلَقَبِهِ وَالْآخَرَانِ بِاسْمِهِ ، وَنَسَبهِ وَقَالَ : أَبُو بَكْرٍ عَنْهُ عَنْ شُعْبَةَ . قَالَ الْآخَرَانِ عَنْهُ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، فَحَصَلَتْ مُخَالَفَةٌ بَيْنهمَا وَبَيْنَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ ، فَلِهَذَا نَبَّهَ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ دَالَ غُنْدَرٍ مَفْتُوحَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَأَنَّ الْجَوْهَرِيَّ حَكَى ضَمَّهَا أَيْضًا ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ سَبَبِ تَلْقِيبِهِ بِغُنْدَرٍ .

قَوْلُهُ : ( كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ ) كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ، وَتَقْدِيرُهُ : بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ ، فَحَذَفَ لَفْظَةَ بَيْنَهُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ : بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ ؛ كَمَا جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ بِحَذْفِ " يَدَيْ " ، فَتَكُونُ " يَدَيْ " عِبَارَةً عَنِ الْجُمْلَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ أَيْ : قَدَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا مَعْنَى التَّرْجَمَةِ فَهُوَ التَّعْبِيرُ عَنْ لُغَةٍ بِلُغَةٍ ، ثُمَّ قِيلَ : إِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِالْفَارِسِيَّةِ ، فَكَانَ يُتَرْجِمُ لِابْنِ عَبَّاسٍ عَمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِهَا . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَعِنْدِي أَنَّهُ كَانَ يُبَلِّغُ كَلَامَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ النَّاسِ ؛ إِمَّا لِزِحَامٍ مَنَعَ مِنْ سَمَاعِهِ فَأَسْمَعَهُمْ ، وَإِمَّا لِاخْتِصَارٍ مَنَعَ مِنْ فَهْمِهِ فَأَفْهَمَهُمْ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ .

قَالَ : وَإِطْلَاقُهُ لَفْظَ النَّاسِ يُشْعِرُ بِهَذَا . قَالَ : وَلَيْسَتِ التَّرْجَمَةُ مَخْصُوصَةً بِتَفْسِيرِ لُغَةٍ بِلُغَةٍ أُخْرَى ، فَقَدْ أَطْلَقُوا عَلَى قَوْلِهِمْ بَابُ كَذَا اسْمَ التَّرْجَمَةِ لِكَوْنِهِ يُعَبِّرُ عَمَّا يَذْكُرُهُ بَعْدَهُ ؛ هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُفْهِمُهُمْ عَنْهُ وَيُفْهِمُهُ عَنْهُمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْأَلهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ ) أَمَّا ( الْجَرُّ ) فَبِفَتْحِ الْجِيمِ ، وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ الْوَاحِدَةُ جَرَّةٌ ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى جِرَارٍ وَهُوَ هَذَا الْفَخَّارُ الْمَعْرُوفُ .

وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِفْتَاءِ الْمَرْأَةِ الرِّجَالَ الْأَجَانِبَ وَسَمَاعِهَا صَوْتَهُمْ وَسَمَاعِهِمْ صَوْتَهَا لِلْحَاجَةِ . وَفِي قَوْلِهِ : ( إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ . إِلَخْ ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ ، بَلْ حُكْمُهُ بَاقٍ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ الْخِلَافِ فِيهِ .

ج١ / ص١٥٤قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ ) مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ ، اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ وَأَكْثَرَتْ مِنْهُ تُرِيدُ بِهِ الْبِرَّ وَحُسْنَ اللِّقَاءِ ، وَمَعْنَاهُ : صَادَفْتُ رَحْبًا وَسَعَةً . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( غَيْرَ خَزَايَا وَلَا النَّدَامَى ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ : ( النَّدَامَى ) ؛ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ ، وَ ( خَزَايَا ) بِحَذْفِهِمَا . وَرُوِيَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِيهِمَا ، وَرُوِيَ بِإِسْقَاطِهِمَا فِيهِمَا ، وَالرِّوَايَةُ فِيهِ ( غَيْرَ ) ؛ بِنَصْبِ الرَّاءِ عَلَى الْحَالِ .

وَأَشَارَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ إِلَى أَنَّهُ يُرْوَى أَيْضًا بِكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى الصِّفَةِ لِلْقَوْمِ ، وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : " مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ الَّذِينَ جَاؤوا غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى " ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَمَّا ( الْخَزَايَا ) فَجَمْعُ خَزْيَانَ ؛ كَحَيْرَانَ وَحَيَارَى ، وَسَكْرَانَ وَسَكَارَى .

وَالْخَزْيَانُ الْمُسْتَحِي ، وَقِيلَ : الذَّلِيلُ الْمُهَانُ . وَأَمَّا ( النَّدَامَى ) فَقِيلَ : إِنَّهُ جَمْعُ نَدْمَانَ بِمَعْنَى نَادِمٍ ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي نَادِمٍ حَكَاهَا الْقَزَّازُ صَاحِبُ " جَامِعِ اللُّغَةِ " وَالْجَوْهَرِيُّ فِي " صِحَاحِهِ " ، وَعَلَى هَذَا هُوَ عَلَى بَابِهِ ، وَقِيلَ : جَمْعُ نَادِمٍ إِتْبَاعًا لِلْخَزَايَا ، وَكَانَ الْأَصْلُ نَادِمِينَ فَأُتْبِعَ لِخَزَايَا تَحْسِينًا لِلْكَلَامِ ، وَهَذَا الْإِتْبَاعُ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَهُوَ مِنْ فَصِيحِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ ، أَتْبَعَ مَأْزُورَاتٍ لِمَأْجُورَاتٍ ، وَلَوْ أَفْرَدَ وَلَمْ يَضُمَّ إِلَيْهِ مَأْجُورَاتٍ لَقَالَ : مَوْزُورَاتٍ ؛ كذا قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَجَمَاعَاتٌ . قَالُوا : وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ : إِني لَآتِيهِ بِالْغَدَايَا وَالْعَشَايَا ؛ جَمَعُوا الْغَدَاةَ عَلَى غَدَايَا إِتْبَاعًا لِعَشَايَا ، وَلَوْ أُفْرِدَتْ لَمْ يَجُزْ إِلَّا غَدَوَاتٌ .

وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ تَأَخُّرٌ عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَا عِنَادٌ وَلَا أَصَابَكُمْ إِسَارٌ وَلَا سَبَاءٌ وَلَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا تَسْتَحْيُونَ بِسَبَبِهِ أَوْ تَذِلُّونَ أَوْ تُهَانُونَ أَوْ تَنْدَمُونَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ ) الشُّقَّةُ بِضَمِّ الشِّينِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، أَشْهَرُهُمَا وَأَفْصَحُهُمَا الضَّمُّ ، وَهِيَ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ : وَقَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِكَسْرِ الشِّينِ ، وَهِيَ لُغَةُ قَيْسٍ .

وَالشُّقَّةُ السَّفَرُ الْبَعِيدُ ؛ كَذَا قَالَهُ ابْنُ سِكِّيتٍ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَقُطْرُبٌ وَغَيْرُهُمْ . قِيلَ : سُمِّيَتْ شُقَّةً لِأَنَّهَا تَشُقُّ عَلَى الْإِنْسَانِ . وَقِيلَ : هِيَ الْمَسَافَةُ .

وَقِيلَ : الْغَايَةُ الَّتِي يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ إِلَيْهَا . فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُمْ " بَعِيدَةً " مُبَالَغَةً فِي بُعْدِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلِهِمْ : ( فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ ) هُوَ بِتَنْوِينِ ( أَمْرٍ ) ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : هُوَ الْبَيِّنُ الْوَاضِحُ الَّذِي يَنْفَصِلُ بِهِ الْمُرَادُ وَلَا يُشْكِلُ .

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ : مَنْ وَرَاءَكُمْ ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ، وَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ؛ الْأُوَلُ بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَالثَّانِي بِفَتْحِهَا ، وَهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ . ج١ / ص١٥٥قَوْلُهُ : ( وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ بَيْنَهُمَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرْحِ الْمُقَدِّمَةِ .

قَوْلُهُ : ( قَالَا جَمِيعًا ) فَلَفْظَةُ ( جَمِيعًا ) مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْحَالِ ، وَمَعْنَاهُ : اتَّفَقَا وَاجْتَمَعَا عَلَى التَّحْدِيثِ بِمَا يَذْكُرهُ ، إِمَّا مُجْتَمِعَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَإِمَّا فِي وَقْتَيْنِ ، وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَشَجِّ أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ : إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ : الْحِلْمُ ، وَالْأَنَاةُ ) أَمَّا ( الْأَشَجُّ ) فَاسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ عَائِذٍ - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - الْعَصَرِيُّ ؛ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْأَكْثَرُونَ أَوِ الْكَثِيرُونَ . وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : اسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ زِيَادِ بْنِ عَصَرِ بْنِ عَوْفٍ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ عَامِرٍ .

وَقِيلَ : الْمُنْذِرُ بْنُ عُبَيْدٍ . وَقِيلَ : اسْمُهُ عَائِذُ بْنُ الْمُنْذِرِ . وَقِيلَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفٍ .

وَأَمَّا ( الْحِلْمُ ) فَهُوَ الْعَقْلُ ، وَأَمَّا ( الْأَنَاةُ ) فَهِيَ التَّثْبِيتُ وَتَرْكُ الْعَجَلَةِ ، وَهِيَ مَقْصُورَةٌ . وَسَبَبُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ لَهُ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْوَفْدِ أَنَّهُمْ لَمَّا وَصَلُوا الْمَدِينَةَ بَادَرُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَقَامَ الْأَشَجُّ عِنْدَ رِحَالِهِمْ فَجَمَعَهَا وَعَقَلَ نَاقَتَهُ وَلَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَرَّبَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ ، ثُمَّ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تُبَايِعُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَقَوْمِكُمْ ؟ فَقَالَ الْقَوْمُ : نَعَمْ . فَقَالَ الْأَشَجُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّكَ لَمْ تُزَاوِلِ الرَّجُلَ عَنْ شَيْءٍ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ دِينِهِ ، نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْفُسِنَا وَنُرْسِلُ مَنْ يَدْعُوهُمْ ، فَمَنِ اتَّبَعَنَا كَانَ مِنَّا ، وَمَنْ أَبَى قَاتَلْنَاهُ .

قَالَ : " صَدَقْتَ ، إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ . الْحَدِيثَ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : فَالْأَنَاةُ تَرَبُّصُهُ حَتَّى نَظَرَ فِي مَصَالِحِهِ وَلَمْ يَعْجَلْ ، وَالْحِلْمُ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ الدَّالُّ عَلَى صِحَّةِ عَقْلِهِ وَجَوْدَةِ نَظَرِهِ لِلْعَوَاقِبِ .

قُلْتُ : وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا جَاءَ فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَشَجِّ : " إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ . " الْحَدِيثَ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَانَا فِيَّ أَمْ حَدَثَا ؟ قَالَ : " بَلْ قَدِيمٌ " . قَالَ : قُلْتُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث