حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

باب الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ قَطْعًا

[ 54 ] ( 33 ) - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ - قَالَ : حَدَّثَنَا ثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عِتْبَانَ ، فَقُلْتُ : حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ . قَالَ : أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ ، فَبَعَثْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى . قَالَ : فَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِهِ فَدَخَلَ ، وَهُوَ يُصَلِّي فِي مَنْزِلِي وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ وَكُبْرَهُ إِلَى مَالِكِ بْنِ دُخْشُمٍ ، قَالُوا : وَدُّوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ ، وَوَدُّوا أَنَّهُ أَصَابَهُ شَرٌّ .

فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ وَقَالَ : أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالُوا : إِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ وَمَا هُوَ فِي قَلْبِهِ . قَالَ : لَا يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَيَدْخُلَ النَّارَ أَوْ تَطْعَمَهُ . قَالَ أَنَسٌ : فَأَعْجَبَنِي هَذَا الْحَدِيثُ ، فَقُلْتُ لِابْنِي : اكْتُبْهُ ، فَكَتَبَهُ .

[ 55 ] حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ عَمِيَ ، فَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : تَعَالَ فَخُطَّ لِي مَسْجِدًا . فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاءَ قَوْمُهُ ، وَنُعِتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ : مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ . ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ .

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ غَيْرُ مَصْرُوفٍ لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ . قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ " الْعَيْنِ " فَرُّوخُ اسْمُ ابْنٍ لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ أَبُو الْعَجَمِ . وَكَذَا نَقَلَ صَاحِبُ " الْمَطَالِعِ " وَغَيْرُهُ أَنَّ فَرُّوخَ ابْنٌ لِإِبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُ أَبُو الْعَجَمِ ، وَقَدْ نَصَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي ثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ عِتْبَانِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عِتْبَانَ ، فَقُلْتُ : حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ ) هَذَا اللَّفْظُ شَبِيهٌ بِمَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ : عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ وَاضِحًا ، وَتَقْرِيرُ هَذَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ عِتْبَانَ بِحَدِيثٍ قَالَ فِيهِ مَحْمُودٌ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عِتْبَانَ . وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ لَطِيفَتَانِ مِنْ لَطَائِفِهِ ، إِحْدَاهُمَا : أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثَةٌ صَحَابِيُّونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ، وَهُمْ : أَنَسٌ ، وَمَحْمُودٌ ، وَعِتْبَانُ .

وَالثَّانِيَةُ : أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ ; فَإِنَّ أَنَسًا أَكْبَرُ مِنْ مَحْمُودٍ سِنًّا وَعِلْمًا وَمَرْتَبَةً ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . وَقَدْ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : ( عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ ) ، وَهَذَا لَا يُخَالِفُ الْأَوَّلَ ; فَإِنَّ أَنَسًا سَمِعَهُ أَوَّلًا مِنْ مَحْمُودٍ ، عَنْ عِتْبَانَ ، ثُمَّ اجْتَمَعَ أَنَسٌ بِعِتْبَانَ فَسَمِعَهُ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَ ( عِتْبَانُ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا تَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقُ سَاكِنَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ .

وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَسْرِ الْعَيْنِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ الْجُمْهُورُ سِوَاهُ . وَقَالَ صَاحِبُ " الْمَطَالِعِ " : وَقَدْ ضَبَطْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَهْلٍ بِالضَّمِّ أَيْضًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ ) وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( عَمِيَ ) ، يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِبَعْضِ الشَّيْءِ الْعَمَى ، وَهُوَ ذَهَابُ الْبَصَرِ جَمِيعُهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ ضَعْفَ الْبَصَرِ وَذَهَابَ مُعْظَمِهِ ، وَسَمَّاهُ عَمًى فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لِقُرْبِهِ مِنْهُ وَمُشَارَكَتِهِ إِيَّاهُ فِي فَوَاتِ بَعْضِ مَا كَانَ حَاصِلًا فِي حَالِ السَّلَامَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ج١ / ص١٩٦قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ وَكُبْرَهُ إِلَى مَالِكِ بْنِ دُخْشُمٍ ) أَمَّا ( عُظْمَ ) فَهُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الظَّاءِ ؛ أَيْ مُعْظَمَهُ . وَأَمَّا ( كُبْرَهُ ) فَبِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِهَا ؛ لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَذَكَرهُمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ ، لَكِنْهُمْ رَجَّحُوا الضَّمَّ .

وَقُرِئَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ بِكَسْرِ الْكَافِ وَضَمِّهَا ؛ الْكَسْرُ قِرَاءَةُ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ ، وَالضَّمُّ فِي الشَّوَاذِّ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ الْمُفَسِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ : قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالْكَسْرِ ، وَقِرَاءَةُ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ وَيَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيِّ بِالضَّمِّ . قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ : هُوَ خَطَأٌ .

قَالَ الْكِسَائِيُّ : هُمَا لُغَتَانِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ( أَسْنَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ وَكُبْرَهُ ) أَنَّهُمْ تَحَدَّثُوا وَذَكَرُوا شَأْنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَفْعَالَهُمُ الْقَبِيحَةَ وَمَا يَلْقَوْنَ مِنْهُمْ ، وَنَسَبُوا مُعْظَمَ ذَلِكَ إِلَى مَالِكٍ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( ابْنُ دُخْشُمٍ ) فَهُوَ بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا مِيمٌ ، هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأَوْلَى ، وَضَبَطْنَاهُ فِي الثَّانِيَةِ بِزِيَادَةِ يَاءٍ بَعْدَ الْخَاءِ عَلَى التَّصْغِيرِ . وَهَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ ، وَفِي بَعْضِهَا فِي الثَّانِيَةِ مُكَبَّرٌ أَيْضًا . ثُمَّ إِنَّهُ فِي الْأُولَى بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ .

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : رُوِّينَاهُ دُخْشُمٌ مُكَبَّرًا وَدُخَيْشِمٌ مُصَغَّرًا . قَالَ : وَرُوِّينَاهُ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ بِالنُّونِ بَدَلَ الْمِيمِ مُكَبَّرًا وَمُصَغَّرًا . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ : وَيُقَالُ أَيْضًا : ابْنُ الدِّخْشِ ؛ بِكَسْرِ الدَّالِ وَالشِّينِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ بْنَ دُخْشُمٍ هَذَا مِنَ الْأَنْصَارِ ، ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اخْتِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي شُهُودِهِ الْعَقَبَةَ ، قَالَ : وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ . قَالَ : وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ النِّفَاقُ ، فَقَدْ ظَهَرَ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِهِ مَا يَمْنَعُ مِنِ اتِّهَامِهِ .

هَذَا كَلَامُ أَبِي عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ . قُلْتُ : وَقَدْ نَصَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى إِيمَانِهِ بَاطِنًا وَبَرَاءَتِهِ مِنَ النِّفَاقِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَلَا تَرَاهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى ؟ فَهَذِهِ شَهَادَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ بِأَنَّهُ قَالَهَا مُصَدِّقًا بِهَا مُعْتَقِدًا صِدْقَهَا مُتَقَرِّبًا بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَشَهِدَ لَهُ فِي شَهَادَتِهِ لِأَهْلِ بَدْرٍ بِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشَكَّ فِي صِدْقِ إِيمَانِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ رَدٌّ عَلَى غُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يَكْفِي فِي الْإِيمَانِ النُّطْقُ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ ، فَإِنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَدْمَغُهُمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( وَدُّوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ ، وَوَدُّوا أَنَّهُ أَصَابَهُ شَرٌّ ) وَهَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ ( شَرٌّ ) ، وَفِي ج١ / ص١٩٧بَعْضِهَا ( بِشَرٍّ ) ؛ بِزِيَادَةِ الْبَاءِ الْجَارَّةِ ، وَفِي بَعْضِهَا ( شَيْءٌ ) ، وَكُلُّهُ صَحِيحٌ . وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَمَنِّي هَلَاكِ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالشِّقَاقِ وَوُقُوعِ الْمَكْرُوهِ بِهِمْ . قَوْلُهُ : ( فَخُطَّ لِي مَسْجِدًا ) ؛ أَيْ : أَعْلِمْ لِي عَلَى مَوْضِعٍ لِأَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا ، أَيْ مَوْضِعًا أَجْعَلُ صَلَاتِي فِيهِ مُتَبَرِّكًا بِآثَارِكَ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْعِلْمِ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْهَا ؛ فَفِيهِ جَوَازُ التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ ، وَفِيهِ زِيَارَةُ الْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ وَالْكُبَرَاءِ أَتْبَاعِهِمْ وَتَبْرِيكِهِمْ إِيَّاهُمْ ، وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِدْعَاءِ الْمَفْضُولِ لِلْفَاضِلِ لِمَصْلَحَةٍ تَعْرِضُ ، وَفِيهِ جَوَازُ الْجَمَاعَةِ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ ، وَفِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي نَوَافِلِ النَّهَارِ رَكْعَتَانِ كَاللَّيْلِ ، وَفِيهِ جَوَازُ الْكَلَامِ وَالتَّحَدُّثِ بِحَضْرَةِ الْمُصَلِّينَ مَا لَمْ يَشْغَلْهُمْ وَيُدْخِلْ عَلَيْهِمْ لَبْسٌ فِي صَلَاتِهِمْ أَوْ نَحْوِهِ ، وَفِيهِ جَوَازُ إِمَامَةِ الزَّائِرِ الْمَزُورِ بِرِضَاهُ ، وَفِيهِ ذِكْرُ مَنْ يُتَّهَمُ بِرِيبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا لِلْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ لِيُتَحَرَّزَ مِنْهُ . وَفِيهِ جَوَازُ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ لِقَوْلِ أَنَسٍ لِابْنِهِ : اكْتُبْهُ ، بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ كَتْبِ الْحَدِيثِ ، وَجَاءَ الْإِذْنُ فِيهِ فَقِيلَ : كَانَ النَّهْيُ لِمَنْ خِيفَ اتِّكَالُهُ عَلَى الْكِتَابِ وَتَفْرِيطُهُ فِي الْحِفْظِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ ، وَالْإِذْنُ لِمَنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْحِفْظِ .

وَقِيلَ : كَانَ النَّهْيُ أَوَّلًا لَمَّا خِيفَ اخْتِلَاطُهُ بِالْقُرْآنِ ، وَالْإِذْنُ بَعْدَهُ لَمَّا أُمِنَ مِنْ ذَلِكَ . وَكَانَ بَيْنَ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ خِلَافٌ فِي جَوَازِ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ ، ثُمَّ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِهَا وَاسْتِحْبَابِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ الْبُدَاءَةُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ ; فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ هَذَا بَدَأَ أَوَّلَ قُدُومِهِ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ أَكَلَ .

وَفِي حَدِيثِ زِيَارَتِهِ لِأُمِّ سُلَيْمٍ بَدَأَ بِالْأَكْلِ ثُمَّ صَلَّى ؛ لِأَنَّ الْمُهِمَّ فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ هُوَ الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ دَعَاهُ لَهَا ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ دَعَتْهُ لِلطَّعَامِ ، فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَدِيثِينَ بَدَأَ بِمَا دُعِيَ إِلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِتْبَاعِ الْإِمَامِ وَالْعَالِمِ أَصْحَابَهُ لِزِيَارَةٍ أَوْ ضِيَافَةٍ أَوْ نَحْوِهَا ، وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ وَمَا حَذَفْنَاهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَالنِّعْمَةُ وَالْفَضْلُ وَالْمِنَّةُ ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ . ج١ / ص١٩٨

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث