حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

باب بَيَانِ تَفَاضُلِ الْإِسْلَامِ وَأَيُّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ

[ 64 ] ( 40 ) - وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ الْمِصْرِيُّ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ : إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ ؟ قَالَ : مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) مَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يُؤْذِ مُسْلِمًا بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ . وَخَصَّ الْيَدَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مُعْظَمَ الْأَفْعَالِ بِهَا .

وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ بِإِضَافَةِ الِاكْتِسَابِ وَالْأَفْعَالِ إِلَيْهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) قَالُوا : مَعْنَاهُ الْمُسْلِمُ الْكَامِلُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ أَصْلِ الْإِسْلَامِ عَنْ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، بَلْ هَذَا كَمَا يُقَالُ : الْعِلْمُ مَا نَفَعَ ، أَوِ الْعَالِمُ زَيْدٌ أَيِ الْكَامِلُ ، أَوِ الْمَحْبُوبُ .

وَكَمَا يُقَالُ : النَّاسُ الْعَرَبُ ، وَالْمَالُ الْإِبِلُ . فَكُلُّهُ عَلَى ج٢ / ص٢٠٨التَّفْضِيلِ لَا لِلْحَصْرِ . وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ قَوْلُهُ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ ؟ قَالَ : " مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ " ثُمَّ إِنَّ كَمَالَ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِ مُتَعَلِّقٌ بِخِصَالٍ أُخَرَ كَثِيرَةً ، وَإِنَّمَا خَصَّ مَا ذَكَرَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحَاجَةِ الْخَاصَّةِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَعْنَى ( تَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ) أَيْ تُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَقِيتَهُ ، عَرَفْتَهُ أَمْ لَمْ تَعْرِفْهُ . وَلَا تَخُصَّ بِهِ مَنْ تَعْرِفُهُ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرُونَ مِنَ النَّاسِ .

ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ بِالْمُسْلِمِينَ فَلَا يُسَلَّمُ ابْتِدَاءً عَلَى كَافِرٍ . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جُمَلٌ مِنَ الْعِلْمِ . فَفِيهَا الْحَثُّ عَلَى إِطْعَامِ الطَّعَامِ وَالْجُودِ وَالِاعْتِنَاءِ بِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَفِّ عَمَّا يُؤْذِيهِمْ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ وَالْإِمْسَاكُ عَنِ احْتِقَارِهِمْ .

وَفِيهَا الْحَثُّ عَلَى تَأَلُّفِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ وَتَوَادُّهِمْ وَاسْتِجْلَابِ مَا يُحَصِّلُ ذَلِكَ . قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَالْأُلْفَةُ إِحْدَى فَرَائِضِ الدِّينِ وَأَرْكَانِ الشَّرِيعَةِ وَنِظَامِ شَمْلِ الْإِسْلَامِ . قَالَ : وَفِيهِ بَذْلُ السَّلَامِ لِمَنْ عَرَفْتَ وَلِمَنْ لَمْ تَعْرِفْ وَإِخْلَاصُ الْعَمَلِ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا مُصَانَعَةً وَلَا مَلَقًا .

وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُ خُلُقِ التَّوَاضُعِ وَإِفْشَاءِ شِعَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَأَمَّا أَسْمَاءُ رِجَالِ الْبَابِ فَقَالَ مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ : ( وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) يَعْنِي ابْنَ الْعَاصِي .

قَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْمِصْرِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - . وَهَذَانِ الْإِسْنَادَانِ كُلُّهُمْ مِصْرِيُّونَ أَئِمَّةٌ جِلَّةٌ وَهَذَا مِنْ عَزِيزِ الْأَسَانِيدِ فِي مُسْلِمٍ بَلْ فِي غَيْرِهِ ; فَإِنَّ اتِّفَاقَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ فِي كَوْنِهِمْ مِصْرِيِّينَ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ ، وَيَزْدَادُ قِلَّةً بِاعْتِبَارِ الْجَلَالَةِ . فَأَمَّا ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ) فَجَلَالَتُهُ وَفِقْهُهُ وَكَثْرَةُ حَدِيثِهِ وَشِدَّةُ وَرَعِهِ وَزَهَادَتُهُ وَإِكْثَارُهُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ فَمَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْصَاؤُهَا ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .

وَأَمَّا ( أَبُو الْخَيْرِ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاسْمُهُ مَرْثَدٌ بِالْمُثَلَّثَةِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَالزَّايِ مَنْسُوبٌ إِلَى يَزَنَ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ . قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنِ يُونُسَ : كَانَ أَبُو الْخَيْرِ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ . وَأَمَّا ( يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ) فَكُنْيَتُهُ أَبُو رَجَاءٍ وَهُوَ تَابِعِيٌّ .

قَالَ ابْنُ يُونُسَ : وَكَانَ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ ، وَكَانَ حَلِيمًا عَاقِلًا ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ الْعِلْمَ بِمِصْرَ وَالْكَلَامَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَقَبْلَ ذَلِكَ كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ بِالْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ وَالتَّرْغِيبِ فِي الْخَيْرِ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : يَزِيدُ سَيِّدُنَا وَعَالِمُنَا . وَاسْمُ أَبِي حَبِيبٍ سُوَيْدٌ .

وَأَمَّا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِمَامَتُهُ وَجَلَالَتُهُ وَصِيَانَتُهُ وَبَرَاعَتُهُ وَشَهَادَةُ أَهْلِ عَصْرِهِ بِسَخَائِهِ وَسِيَادَتِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيلِ حَالَاتِهِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ ، وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ . وَيَكْفِي فِي جَلَالَتِهِ شَهَادَةُ ج٢ / ص٢٠٩الْإِمَامَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ بَكِيرٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ اللَّيْثَ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ . فَهَذَانِ صَاحِبَا مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَدْ شَهِدَا بِمَا شَهِدَا ، وَهُمَا بِالْمَنْزِلَةِ الْمَعْرُوفَةِ مِنَ الْإِتْقَانِ وَالْوَرَعِ ، وَإِجْلَالِ مَالِكٍ ، وَمَعْرِفَتِهِمَا بِأَحْوَالِهِ .

هَذَا كُلُّهُ مَعَ مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ جَلَالَةِ مَالِكٍ وَعِظَمِ فِقْهِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ : كَانَ دَخْلُ اللَّيْثِ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ، مَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ زَكَاةً قَطُّ . وَقَالَ قُتَيْبَةُ : لَمَّا قَدِمَ اللَّيْثُ أَهْدَى لَهُ مَالِكٌ مِنْ طَرَفِ الْمَدِينَةِ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ اللَّيْثُ أَلْفَ دِينَارٍ .

وَكَانَ اللَّيْثُ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ . وَأَمَّا ( مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ ) فَقَالَ ابْنُ يُونُسَ : هُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ فِي الْحَدِيثِ وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَخْبَارِ الْبَلَدِ وَفِقْهِهِ ، وَكَانَ إِذَا شَهِدَ فِي كِتَابِ دَارٍ عَلِمَ أَهْلُ الْبَلَدِ أَنَّهَا طَيِّبَةُ الْأَصْلِ . وَذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ فَقَالَ : مَا أَخْطَأَ فِي حَدِيثٍ ، وَلَوْ كَتَبَ عَنْ مَالِكٍ لَأَثْبَتُّهُ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ .

وَأَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ) فَعِلْمُهُ وَوَرَعُهُ وَزُهْدُهُ وَحِفْظُهُ وَإِتْقَانُهُ وَكَثْرَةُ حَدِيثِهِ وَاعْتِمَادُ أَهْلِ مِصْرَ عَلَيْهِ وَإِخْبَارُهُمْ بِأَنَّ حَدِيثَ أَهْلِ مِصْرَ وَمَا وَالَاهَا يَدُورُ عَلَيْهِ فَكُلُّهُ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ أَئِمَّةِ هَذَا الْفَنِّ .

وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ إِلَى أَحَدٍ وَعَنْوَنَهُ بِالْفِقْهِ إِلَّا إِلَى ابْنِ وَهْبٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . وَأَمَّا ( عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ) فَهُوَ مُفْتِي أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَنِهِ وَقَارِئِهِمْ . قَالَ أَبُو زُرْعَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْحِفْظِ فِي زَمَنِهِ .

وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : كَانَ أَحْفَظَ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ ، وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ دُرَّةُ الْغَوَّاصِ . وَقَالَ : هُوَ مُرْتَفِعُ الشَّأْنِ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْتُ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسَبْعِينَ شَيْخًا فَمَا رَأَيْتُ أَحْفَظَ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث