باب بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ
[ 95 ] ( 55 ) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : قُلْتُ لِسُهَيْلٍ : إِنَّ عَمْرًا حَدَّثَنَا ، عَنْ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِيكَ قَالَ : وَرَجَوْتُ أَنْ يُسْقِطَ عَنِّي رَجُلًا ، قَالَ : فَقَالَ : سَمِعْتُهُ مِنْ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ أَبِي كَانَ صَدِيقًا لَهُ بِالشَّامِ . ثُمَّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ ، قُلْنَا : لِمَنْ ؟ قَالَ : لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ . [ 96 ] وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ .
وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ ، وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، سَمِعَهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَبَا صَالِحٍ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ . [ 97 ] ( 56 ) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، وَأَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ : بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ . [ 98 ] - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ ، سَمِعَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : بَايَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ .
[ 99 ] - حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ سَيَّارٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ : بَايَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، فَلَقَّنَنِي فِيمَا اسْتَطَعْتَ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ . قَالَ يَعْقُوبُ فِي رِوَايَتِهِ : قَالَ : حَدَّثَنَا سَيَّارٌ . ( 23 ) بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ فِيهِ ( عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ ، قُلْنَا : لِمَنْ ؟ قَالَ : لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ) هَذَا حَدِيثٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ وَعَلَيْهِ مَدَارُ الْإِسْلَامِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ شَرْحِهِ .
وَأَمَّا مَا قَالَهُ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ أَحَدُ أَرْبَاعِ الْإِسْلَامِ أَيْ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي تَجْمَعُ أُمُورَ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ كَمَا قَالُوهُ ، بَلِ الْمَدَارُ عَلَى هَذَا وَحْدَهُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ ، وَلَيْسَ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ ، وَلَا لَهُ فِي مُسْلِمٍ عَنْهُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي نِسْبَةِ تَمِيمٍ وَأَنَّهُ دَارِيٌّ أَوْ دَيْرِيٌّ .
وَأَمَّا شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : النَّصِيحَةُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ مَعْنَاهَا حِيَازَةُ الْحَظِّ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ . قَالَ : وَيُقَالُ : هُوَ مِنْ وَجِيزِ الْأَسْمَاءِ ، وَمُخْتَصَرِ الْكَلَامِ ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَلِمَةٌ مُفْرَدَةٌ يُسْتَوْفَى بِهَا الْعِبَارَةُ عَنْ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ . كَمَا قَالُوا فِي الْفَلَاحِ : لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَلِمَةٌ أَجْمَعَ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْهُ .
قَالَ : وَقِيلَ : النَّصِيحَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ نَصَحَ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ إِذَا خَاطَهُ . فَشَبَّهُوا فِعْلَ النَّاصِحِ فِيمَا يَتَحَرَّاهُ مِنْ صَلَاحِ الْمَنْصُوحِ لَهُ بِمَا يَسُدُّهُ مِنْ خَلَلِ الثَّوْبِ . قَالَ : ج٢ / ص٢٢٩وَقِيلَ : إِنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ نَصَحْتَ الْعَسَلَ إِذَا صَفَّيْتَهُ مِنَ الشَّمْعِ ، شَبَّهُوا تَخْلِيصَ الْقَوْلِ مِنَ الْغِشِّ بِتَخْلِيصِ الْعَسَلِ مِنَ الْخَلْطِ .
قَالَ : وَمَعْنَى الْحَدِيثِ : عِمَادُ الدِّينِ وَقِوَامُهُ النَّصِيحَةُ . كَقَوْلِهِ : الْحَجُّ عَرَفَةُ أَيْ عِمَادُهُ وَمُعْظَمُهُ عَرَفَةُ . وَأَمَّا تَفْسِيرُ النَّصِيحَةِ وَأَنْوَاعُهَا فَقَدْ ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِيهَا كَلَامًا نَفِيسًا أَنَا أَضُمُّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ مُخْتَصَرًا .
قَالُوا : أَمَّا النَّصِيحَةُ لِلَّهِ تَعَالَى فَمَعْنَاهَا مُنْصَرِفٌ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ ، وَنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْهُ ، وَتَرْكِ الْإِلْحَادِ فِي صِفَاتِهِ وَوَصْفِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ كُلِّهَا ، وَتَنْزِيهِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ ، وَالْقِيَامِ بِطَاعَتِهِ ، وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ ، وَالْحُبِّ فِيهِ ، وَالْبُغْضِ فِيهِ ، وَمُوَالَاةِ مَنْ أَطَاعَهُ ، وَمُعَادَاةِ مَنْ عَصَاهُ ، وَجِهَادِ مَنْ كَفَرَ بِهِ ، وَالِاعْتِرَافِ بِنِعْمَتِهِ ، وَشُكْرِهِ عَلَيْهَا ، وَالْإِخْلَاصِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ ، وَالدُّعَاءِ إِلَى جَمِيعِ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ ، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا ، وَالتَّلَطُّفِ فِي جَمِيعِ النَّاسِ ، أَوْ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ عَلَيْهَا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ رَحْمَهُ اللَّهُ : وَحَقِيقَةُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْعَبْدِ فِي نُصْحِهِ نَفْسَهُ ، فَاللَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ نُصْحِ النَّاصِحِ . وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِكِتَابِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَالْإِيمَانُ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَتَنْزِيلُهُ ، لَا يُشْبِههُ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْخَلْقِ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ ، ثُمَّ تَعْظِيمُهُ وَتِلَاوَتُهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ، وَتَحْسِينُهَا وَالْخُشُوعُ عِنْدَهَا ، وَإِقَامَةُ حُرُوفِهِ فِي التِّلَاوَةِ ، وَالذَّبُّ عَنْهُ لِتَأْوِيلِ الْمُحَرِّفِينَ وَتَعَرُّضِ الطَّاعِنِينَ ، وَالتَّصْدِيقُ بِمَا فِيهِ ، وَالْوُقُوفُ مَعَ أَحْكَامِهِ ، وَتَفَهُّمُ عُلُومِهِ وَأَمْثَالِهِ ، وَالِاعْتِبَارُ بِمَوَاعِظِهِ ، وَالتَّفَكُّرُ فِي عَجَائِبِهِ ، وَالْعَمَلُ بِمُحْكَمِهِ ، وَالتَّسْلِيمُ لِمُتَشَابِهِهِ ، وَالْبَحْثُ عَنْ عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ ، وَنَشْرُ عُلُومِهِ ، وَالدُّعَاءُ إِلَيْهِ وَإِلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَصِيحَتِهِ .
وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَصْدِيقُهُ عَلَى الرِّسَالَةِ ، وَالْإِيمَانُ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ ، وَطَاعَتُهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، وَنُصْرَتُهُ حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَمُعَادَاةُ مَنْ عَادَاهُ ، وَمُوَالَاةُ مَنْ وَالَاهُ ، وَإِعْظَامُ حَقِّهِ ، وَتَوْقِيرُهُ ، وَإِحْيَاءُ طَرِيقَتِهِ وَسُنَّتِهِ ، وَبَثُّ دَعْوَتِهِ ، وَنَشْرُ شَرِيعَتِهِ ، وَنَفْيُ التُّهْمَةِ عَنْهَا ، وَاسْتِثَارَةُ عُلُومِهَا ، وَالتَّفَقُّهُ فِي مَعَانِيهَا ، وَالدُّعَاءُ إِلَيْهَا ، وَالتَّلَطُّفُ فِي تَعَلُّمِهَا وَتَعْلِيمِهَا ، وَإِعْظَامُهَا ، وَإِجْلَالُهَا ، وَالتَّأَدُّبُ عِنْدَ قِرَاءَتِهَا ، وَالْإِمْسَاكُ عَنِ الْكَلَامِ فِيهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، وَإِجْلَالُ أَهْلِهَا لِانْتِسَابِهِمْ إِلَيْهَا ، وَالتَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِهِ ، وَالتَّأَدُّبُ بِآدَابِهِ ، وَمَحَبَّةُ أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَمُجَانَبَةُ مَنِ ابْتَدَعَ فِي سُنَّتِهِ ، أَوْ تَعَرَّضَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ . وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى الْحَقِّ ، وَطَاعَتُهُمْ فِيهِ ، وَأَمْرُهُمْ بِهِ ، وَتَنْبِيهُهُمْ وَتَذْكِيرُهُمْ بِرِفْقٍ وَلُطْفٍ ، وَإِعْلَامُهُمْ بِمَا غَفَلُوا عَنْهُ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ ، وَتَرْكُ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ ، وَتَأَلُّفُ قُلُوبِ النَّاسِ لِطَاعَتِهِمْ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَمِنَ النَّصِيحَةِ لَهُمُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ ، وَالْجِهَادُ مَعَهُمْ ، وَأَدَاءُ الصَّدَقَاتِ إِلَيْهِمْ ، وَتَرْكُ الْخُرُوجِ بِالسَّيْفِ عَلَيْهِمْ إِذَا ظَهَرَ مِنْهُمْ حَيْفٌ أَوْ سُوءُ عِشْرَةٍ ، وَأَنْ لَا يُغَرُّوا بِالثَّنَاءِ الْكَاذِبِ عَلَيْهِمْ ، وَأَنْ يُدْعَى لَهُمْ بِالصَّلَاحِ .
وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْخُلَفَاءُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَقُومُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْوِلَايَاتِ . وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ . وَحَكَاهُ أَيْضًا الْخَطَّابِيُّ .
ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ يُتَأَوَّلُ ذَلِكَ عَلَى الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ هُمْ عُلَمَاءُ الدِّينِ ، وَأَنَّ مِنْ نَصِيحَتِهِمْ قَبُولُ مَا رَوَوْهُ ، وَتَقْلِيدُهُمْ فِي الْأَحْكَامِ ، وَإِحْسَانُ الظَّنِّ بِهِمْ . وَأَمَّا نَصِيحَةُ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ مَنْ عَدَا وُلَاةِ الْأَمْرِ فَإِرْشَادُهُمْ لِمَصَالِحِهِمْ فِي آخِرَتِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ، وَكَفُّ الْأَذَى عَنْهُمْ فَيُعَلِّمُهُمْ مَا يَجْهَلُونَهُ مِنْ دِينِهِمْ ، وَيُعِينُهُمْ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، وَسَتْرُ عَوْرَاتِهِمْ ، وَسَدُّ خَلَّاتِهِمْ ، وَدَفْعُ الْمَضَارِّ عَنْهُمْ ، وَجَلْبُ ج٢ / ص٢٣٠الْمَنَافِعِ لَهُمْ ، وَأَمْرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَهْيُهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ بِرِفْقٍ وَإِخْلَاصٍ ، وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ ، وَتَوْقِيرُ كَبِيرِهِمْ ، وَرَحْمَةُ صَغِيرِهِمْ ، وَتَخَوُّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَتَرْكُ غِشِّهِمْ وَحَسَدِهِمْ ، وَأَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ ، وَيَكْرَهُ لَهُمْ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْمَكْرُوهِ ، وَالذَّبُّ عَنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، وَحَثُّهُمْ عَلَى التَّخَلُّقِ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنْوَاعِ النَّصِيحَةِ ، وَتَنْشِيطُ هَمِّهِمْ إِلَى الطَّاعَاتِ . وَقَدْ كَانَ فِي السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَنْ تَبْلُغُ بِهِ النَّصِيحَةُ إِلَى الْإِضْرَارِ بِدُنْيَاهُ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . هَذَا آخِرُ مَا تَلَخَّصَ فِي تَفْسِيرِ النَّصِيحَةِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إنَّ النَّصِيحَةَ تُسَمَّى دِينًا وَإِسْلَامًا وَإنَّ الدِّينَ يَقَعُ عَلَى الْعَمَلِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْقَوْلِ .
قَالَ : وَالنَّصِيحَةُ فَرْضٌ يُجْزِي فِيهِ مَنْ قَامَ بِهِ ، وَيَسْقُطُ عَنِ الْبَاقِينَ . قَالَ : وَالنَّصِيحَةُ لَازِمَةٌ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ إِذَا عَلِمَ النَّاصِحُ أَنَّهُ يُقْبَلُ نُصْحُهُ ، وَيُطَاعُ أَمْرُهُ ، وَأَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَكْرُوهَ . فَإِنْ خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ أَذًى فَهُوَ فِي سَعَةٍ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَرِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ( قَالَ : بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَلَقَّنَنِي فِيمَا اسْتَطَعْتَ ) وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لِكَوْنِهِمَا قَرِينَتَيْنِ ، وَهُمَا أَهَمُّ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ ، وَأَظْهَرُهَا . وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّوْمَ وَغَيْرَهُ لِدُخُولِهَا فِي السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ .
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فِيمَا اسْتَطَعْتَ ) مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَالرِّوَايَةُ ( اسْتَطَعْتَ ) بِفَتْحِ التَّاءِ . وَتَلْقِينُهُ مِنْ كَمَالِ شَفَقَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ قَدْ يَعْجِزُ بَعْضِ الْأَحْوَالِ . فَلَوْ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَا اسْتَطَاعَ لَأَخَلَّ بِمَا الْتَزَمَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثِ جَرِيرٍ مَنْقَبَةٌ وَمَكْرُمَةٌ لِجَرِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوَاهَا الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ . اخْتِصَارُهَا : أَنَّ جَرِيرًا أَمَرَ مَوْلَاهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ فَرَسًا فَاشْتَرَى لَهُ فَرَسًا بِثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَجَاءَ بِهِ وَبِصَاحِبِهِ لِيَنْقُدَهُ الثَّمَنَ ، فَقَالَ جَرِيرٌ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ : فَرَسُكَ خَيْرٌ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ .
أَتَبِيعُهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ ؟ قَالَ ذَلِكَ إِلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ . فَقَالَ : فَرَسُكَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ . أَتَبِيعُهُ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ ؟ ثُمَّ لَمْ يَزُلْ يَزِيدُهُ مِائَةً ، فَمِائَةً ، وَصَاحِبُهُ يَرْضَى ، وَجَرِيرٌ يَقُولُ : فَرَسُكَ خَيْرٌ ، إِلَى أَنْ بَلَغَ ثَمَانمِائَةِ دِرْهَمٍ .
فَاشْتَرَاهُ بِهَا . فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنِّي بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَسَانِيدِ الْبَابِ فَفِيهِ أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْمُقَدِّمَةِ الْخِلَافَ فِي أَنَّهُ هَلْ ج٢ / ص٢٣١يُصْرَفُ أَوْ لَا يُصْرَفُ ؟ وَفِي أَنَّ الْبَاءَ مَكْسُورَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَأَنَّ صَاحِبَ الْمَطَالِعِ حَكَى أَيْضًا فَتْحَهَا . وفِيهِ زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَبِالْقَافِ . وفِيهِ سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْجِيمِ .
وَفِيهِ الدَّوْرَقِيُّ بِفَتْحِ الدَّالِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ بَيَانُ هَذِهِ النِّسْبَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُ مُسْلِمٍ : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ جَرِيرٍ ) فَهَذَا إِسْنَادٌ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُرَيْجٌ وَيَعْقُوبُ قَالَا : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ سَيَّارٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَرِيرٍ ) ، ثُمَّ قَالَ مُسْلِمٌ فِي آخِرِهِ : ( قَالَ يَعْقُوبُ فِي رِوَايَتِهِ : حَدَّثَنَا سَيَّارٌ ) فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى لَطِيفَةٍ وَهِيَ أَنَّ هُشَيْمًا مُدَلِّسٌ وَقَدْ قَالَ ( عَنْ ) سَيَّارٍ وَالْمُدَلِّسُ : إِذَا قَالَ : ( عَنْ ) ، لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِلَّا إِنْ ثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى . فَرَوَى مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَدِيثَهُ هَذَا عَنْ شَيْخَيْنِ وَهُمَا سُرَيْجٌ وَيَعْقُوبُ . فَأَمَّا سُرَيْجٌ فَقَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ سَيَّارٍ .
وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَقَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سَيَّارٌ . فَبَيَّنَ مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اخْتِلَافَ عِبَارَةِ الرَّاوِيَيْنِ فِي نَقْلِهِمَا عِبَارَتَهُ ، وَحَصَلَ مِنْهُمَا اتِّصَالُ حَدِيثِهِ ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ . وَهَذَا مِنْ عَظِيمِ إِتْقَانِهِ ، وَدَقِيقِ نَظَرِهِ ، وَحُسْنِ احْتِيَاطِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وَسَيَّارٌ بِتَقْدِيمِ السِّينِ عَلَى الْيَاءِ . وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .