باب تَسْمِيَةِ الْعَبْدِ الْآبِقِ كَافِرًا
[ 122 ] ( 68 ) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَرِيرٍ ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ . قَالَ مَنْصُورٌ : قَدْ وَاللَّهِ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَاهُنَا بِالْبَصْرَةِ . [ 123 ] ( 69 ) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ .
[ 124 ] ( 70 ) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : كَانَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ . ج٢ / ص٢٤٤( 31 ) بَاب تَسْمِيَةِ الْعَبْدِ الْآبِقِ كَافِرًا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ ) وَفِي الْأُخْرَى : ( إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ ) أَمَّا تَسْمِيَتُهُ كَافِرًا فَفِيهِ الْأَوْجُهُ الَّتِي فِي الْبَابِ قَبْلِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَمَعْنَاهُ لَا ذِمَّةَ لَهُ .
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو - رَحِمَهُ اللَّهُ - : الذِّمَّةُ هُنَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الذِّمَّةُ الْمُفَسَّرَةُ بِالذِّمَامِ وَهِيَ الْحُرْمَةُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ ضَمَانَهُ وَأَمَانَتَهُ وَرِعَايَتَهُ ، وَمَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْآبِقَ كَانَ مَصُونًا عَنْ عُقُوبَةِ السَّيِّدِ لَهُ وَحَبْسِهِ فَزَالَ ذَلِكَ بِإِبَاقِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ ) فَقَدْ أَوَّلَهُ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ وَتَابَعَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ لِلْإِبَاقِ فَيَكْفُرُ وَلَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ وَلَا غَيْرُهَا . وَنَبَّهَ بِالصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهَا .
وَأَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو هَذَا وَقَالَ : بَلْ ذَلِكَ جَارٍ فِي غَيْرِ الْمُسْتَحِلِّ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْقَبُولِ عَدَمُ الصِّحَّةِ ; فَصَلَاةُ الْآبِقِ صَحِيحَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ . فَعَدَمُ قَبُولِهَا لِهَذَا الْحَدِيثِ وَذَلِكَ لِاقْتِرَانِهَا بِمَعْصِيَةٍ ، وَأَمَّا صِحَّتُهَا فَلِوُجُودِ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا الْمُسْتَلْزِمَةِ صِحَّتِهَا ، وَلَا تَنَاقُضَ فِي ذَلِكَ . وَيَظْهَرُ أَثَرُ عَدَمِ الْقَبُولِ فِي سُقُوطِ الثَّوَابِ ، وَأَثَرِ الصِّحَّةِ فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ ، وَفِي أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عُقُوبَةَ تَارِكِ الصَّلَاةِ .
هَذَا آخِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرٍو - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِي حُسْنِهِ . وَقَدْ قَالَ جَمَاهِيرُ أَصْحَابِنَا : إِنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ صَحِيحَةٌ لَا ثَوَابَ فِيهَا . وَرَأَيْتُ فِي فَتَاوَى أَبِي نَصْرِ بْنِ الصَّبَّاغِ مِنْ أَصْحَابِنَا الَّتِي نَقَلَهَا عَنْهُ ابْنُ أَخِيهِ الْقَاضِي أَبُو مَنْصُورٍ قَالَ : الْمَحْفُوظُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا بِالْعِرَاقِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ بِهِ صَحِيحَةٌ يَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ ، وَلَا ثَوَابَ فِيهَا .
قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ : وَرَأَيْتُ أَصْحَابَنَا بِخُرَاسَانَ اخْتَلَفُوا ; فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ . قَالَ : وَذَكَرَ شَيْخُنَا فِي الْكَامِلِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ وَيَحْصُلُ الثَّوَابُ عَلَى الْفِعْلِ ، فَيَكُونُ مُثَابًا عَلَى فِعْلِهِ عَاصِيًا بِالْمُقَامِ فِي الْمَغْصُوبِ ، فَإِذَا لَمْ نَمْنَعْ مِنْ صِحَّتِهَا لَمْ نَمْنَعْ مِنْ حُصُولِ الثَّوَابِ . قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ : وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ عَلَى طَرِيقِ مَنْ صَحَّحَهَا .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ج٢ / ص٢٤٥وَيُقَالُ : أَبَقَ الْعَبْدُ وَأَبِقَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، الْفَتْحُ أَفْصَحُ ، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ قَالَ مَنْصُورٌ : قَدْ وَاللَّهِ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَاهُنَا بِالْبَصْرَةِ ) : فَمَعْنَاهُ أَنَّ مَنْصُورًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَرِيرٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ مَنْصُورٌ بَعْدَ رِوَايَتِهِ إِيَّاهُ مَوْقُوفًا : وَاللَّهِ إِنَّهُ مَرْفُوعٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاعْلَمُوهُ أَيُّهَا الْخَوَاصُّ الْحَاضِرُونَ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُصَرِّحَ بِرَفْعِهِ فِي لَفْظِ رِوَايَتِي فَيَشِيعُ عَنِّي فِي الْبَصْرَةِ الَّتِي هِيَ مَمْلُوءَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِتَخْلِيدِ أَهْلِ الْمَعَاصِي فِي النَّارِ ، وَالْخَوَارِجُ يَزِيدُونَ عَلَى التَّخْلِيدِ فَيَحْكُمُونَ بِكُفْرِهِ ، وَلَهُمْ شُبْهَةٌ فِي التَّعَلُّقِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا تَأْوِيلَهُ وَبُطْلَانَ مَذَاهِبِهِمْ بِالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَةِ الْوَاضِحَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا ( مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) هَذَا فَهُوَ الْأَشَلُّ الْغُدَانِيُّ الْبَصْرِيُّ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ . وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ . وَفِي الرُّوَاةِ خَمْسَةٌ يُقَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا أَحَدُهُمْ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .