باب مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا دَخَلَ النَّارَ
[ 151 ] ( 93 ) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُوجِبَتَانِ ؟ فَقَالَ : مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ . [ 152 ] - وَحَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْيدِ اللَّهِ ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ . قَالَ أَبُو أَيُّوبَ : قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ : ، عَنْ جَابِرٍ .
وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَخْبَرَنَا مُعَاذٌ ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ . . بِمِثْلِهِ . [ 153 ] ( 94 ) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، وَابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ ، عَنْ الْمَغرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُحَدِّثُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَبَشَّرَنِي : أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ .
[ 154 ] - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَائِمٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدْ اسْتَيْقَظَ ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ : مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ، قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ، ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ : عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ . قَالَ : فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَقُولُ : وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ . ( وَعَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُوجِبَتَانِ ؟ ج٢ / ص٢٧١فَقَالَ : مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ ) .
وعَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ . قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ .
وعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ أَنْ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ نَائِمٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ : مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ . قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ، قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ( ثَلَاثًا ) ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ : عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ . قَالَ : فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَقُولُ : وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ .
أَمَّا الْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ فَكُلُّهُ كُوفِيُّونَ ; مُحَمَّدُ بْنُ نُمَيْرٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَمَنْ بَيْنَهُمَا . وَقَوْلُهُ : ( قَالَ وَكِيعٌ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) هَذَا وَمَا أَشْبَهَه مِنَ الدَّقَائِقِ الَّتِي يُنَبِّهُ عَلَيْهَا مُسْلِمٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دَلَائِلُ قَاطِعَةٌ عَلَى شِدَّةِ تَحَرِّيهِ وَإِتْقَانِهِ ، وَضَبْطِهِ وَعِرْفَانِهِ ، وَغَزَارَةِ عِلْمِهِ وَحِذْقِهِ وَبَرَاعَتِهِ فِي الْغَوْصِ عَلَى الْمَعَانِي وَدَقَائِقِ عِلْمِ الْإِسْنَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وَالدَّقِيقَةُ فِي هَذَا أَنَّ ابْنَ نُمَيْرٍ قَالَ رِوَايَةً عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا مُتَّصِلٌ لَا شَكَّ فِيهِ .
وَقَالَ وَكِيعٌ رِوَايَةً عَنْهُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ : هَلْ يُحْمَلُ عَلَى الِاتِّصَالِ أَمْ عَلَى الِانْقِطَاعِ ؟ فَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ عَلَى الِاتِّصَالِ كَسَمِعْتُ . وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى الِاتِّصَالِ إِلَّا بِدَلِيلٍ عَلَيْهِ ، فَإِذَا قِيلَ بِهَذَا الْمَذْهَبِ كَانَ مُرْسَلَ صَحَابِيٍّ ، وَفِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ خِلَافٌ . فَالْجَمَاهِيرُ قَالُوا : يُحْتَجُّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُحْتَجَّ بِمُرْسَلٍ غَيْرِهِ .
وَذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِنِيِّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إِلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ . فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رُوِيَ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا . وَفِي الِاحْتِجَاجِ بِمَا رُوِيَ مُرْسَلًا وَمُتَّصِلًا خِلَافٌ مَعْرُوفٌ .
قِيلَ : الْحُكْمُ لِلْمُرْسَلِ ; وَقِيلَ : لِلْأَحْفَظِ رِوَايَةً ، وَقِيلَ : لِلْأَكْثَرِ . وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تُقَدَّمَ رِوَايَةُ الْوَصْلِ فَاحْتَاطَ مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَذَكَرَ اللَّفْظَيْنِ لِهَذِهِ الْفَائِدَةِ ، وَلِئَلَّا يَكُونَ رَاوِيًا بِالْمَعْنَى فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِاللَّفْظِ أَوْلَى . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا ( أَبُو سُفْيَانَ ) الرَّاوِي عَنْ جَابِرٍ فَاسْمُهُ طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ . وَ ( أَبُو الزُّبَيْرِ ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ تَدْرُسَ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو أَيُّوبَ : قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ) فَمُرَادُهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ وَحَجَّاجًا اخْتَلَفَا فِي عِبَارَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ : عَنْ جَابِرٍ .
وَقَالَ حَجَّاجٌ : حَدَّثَنَا جَابِرٌ . فَأَمَّا حَدَّثَنَا فَصَرِيحَةٌ فِي ج٢ / ص٢٧٢الِاتِّصَالِ ، وَأَمَّا ( عَنْ ) فَمُخْتَلَفٌ فِيهَا . فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لِلِاتِّصَالِ كَحَدَّثَنَا .
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ : هِيَ لِلِانْقِطَاعِ وَيَجِيءُ فِيهَا مَا قَدَّمْنَاهُ إِلَّا أَنَّ هَذَا عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ يَكُونُ مُرْسَلَ تَابِعِيٍّ . وَأَمَّا ( قُرَّةُ ) فَهُوَ ابْنُ خَالِدٍ . وَأَمَّا ( الْمَعْرُورُ ) فَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِرَاءٍ مُهْمَلَةٍ مُكَرَّرَةٍ .
وَمِنْ طُرَفِ أَحْوَالِهِ أَنَّ الْأَعْمَشَ قَالَ : رَأَيْتُ الْمَعْرُورَ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ أَسْوَدَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ . وَأَمَّا ( أَبُو ذَرٍّ ) فَتَقَدَّمَ أَنَّ اسْمَهُ جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ . وَقِيلَ غَيْرُهُ .
وَفِي الْإِسْنَادِ ( أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ تَقَدَّمَ . وَأَمَّا ( ابْنُ بُرَيْدَةَ ) فَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَلِبُرَيْدَةَ ابْنَانِ سُلَيْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَهُمَا ثِقَتَانِ وُلِدَا فِي بَطْنٍ ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا أَوَّلَ كِتَابِ الْإِيمَانِ . وَابْنُ بُرَيْدَةَ هَذَا وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ وَأَبُو الْأَسْوَدِ ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ .
( وَيَعْمَرُ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا تَقَدَّمَ أَيْضًا . وَ ( أَبُو الْأَسْوَدِ ) اسْمُهُ ظَالِمُ بْنُ عَمْرٍو هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ . وَقِيلَ : اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ ظَالِمٍ ، وَقِيلَ : عُثْمَانُ بْنُ عَمْرٍو ، وَقِيلَ : عَمْرُو بْنُ سُفْيَانَ ، وَقِيلَ : عُوَيْمِرُ بْنُ ظُوَيْلِمٍ .
وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي النَّحْوِ وَوَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ . وَأَمَّا ( الدِّيلِيُّ ) فَكَذَا وَقَعَ هُنَا بِكَسْرِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ فَذَكَرَ القاضي ج٢ / ص٢٧٣عِيَاضٌ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقُولُونَ فِيهِ وَفِي كُلِّ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى هَذَا الْبَطْنِ الَّذِي فِي كِنَانَةَ ( دِيلِيٌّ ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَأَنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ فِيهِ الدُّؤَلِيُّ بِضَمِّ الدَّالِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ .
وَبَعْضُهُمْ يَكْسِرُهَا وَأَنْكَرَهَا النُّحَاةُ . هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي . وَقَدْ ضَبَطَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَبْطًا حَسَنًا وَهُوَ مَعْنَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ .
قَالَ الشَّيْخُ : هُوَ الدِّيلِيُّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : ( الدُّؤَلِيُّ ) عَلَى مِثَالِ الْجُهَنِيِّ وَهُوَ نِسْبَةٌ إِلَى ( الدُّئِلِ ) بِدَالِ مَضْمُومَةٍ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ حَيٌّ مِنْ كِنَانَةَ وَفَتَحُوا الْهَمْزَةَ فِي النَّسَبِ كَمَا قَالُوا فِي النَّسَبِ إِلَى نَمِرٍ : نَمَرِيٌّ بِفَتْحِ الْمِيمِ . قَالَ : وَهَذَا قَدْ حَكَاهُ السِّيرَافِيُّ عَنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ قَالَ : ووَجَدْتُ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْقَالِيِّ وَهُوَ بِالْقَافِ فِي كِتَابِ ( الْبَارِعِ ) أَنَّهُ حَكَى ذَلِكَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ ، وَسِيبَوَيْهِ ، وَابْنِ السِّكِّيتِ ، وَالْأَخْفَشِ ، وَأَبِي حَاتِمٍ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَأَنَّهُ حَكَى عَنِ الْأَصْمَعِيِّ ، عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِيهِ : ( أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّئِلِيُّ ) بِضَمِّ الدَّالِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْأَصْلِ . وَحَكَاهُ أَيْضًا عَنْ يُونُسَ وَغَيْرِهِ عَنِ الْعَرَبِ يَدَعُونَهُ فِي النَّسَبِ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ شَاذٌّ فِي الْقِيَاسِ .
وَذَكَرَ السِّيرَافِيُّ عَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ( أَبُو الْأَسْوَدِ الدِّيلِيُّ ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ الْكِسَائِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ ، وَعَنْ صَاحِبِ كِتَابِ الْعَيْنِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ حُبَيْبَ بِفَتْحِ الْبَاءِ غَيْرُ مَصْرُوفٍ ، لِأَنَّهَا أُمُّهُ ، كَانُوا يَقُولُوا فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ كِنَانَةَ : الدِّيلُ بِإِسْكَانِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ ، وَيَجْعَلُونَهُ مِثْلَ ( الدِّيلِ ) الَّذِي هُوَ فِي عَبْدِ الْقَيْسِ . وَأَمَّا ( الدُّولُ ) بِضَمِّ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ فَحَيٌّ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
هَذَا آخِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرٍو - رَحِمَهُ اللَّهُ - . وَأَمَّا قَوْلُهُ ( مَا الْمُوجِبَتَانِ ؟ ) فَمَعْنَاهُ الْخَصْلَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْجَنَّةِ ، وَالْخَصْلَةُ الْمُوجِبَةُ لِلنَّارِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ ) فَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا وَكَسَرِهَا .
قَوْلُهُ : ( وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ ) هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَكَسْرِهَا . ذَكَرَ هَذَا كُلَّهَ الْجَوْهَرِيُّ ، وَغَيْرُهُ . وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ ( الرَّغَامِ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ التُّرَابُ .
فَمَعْنَى ( أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَهُ ) أَيْ أَلْصَقَهُ بِالرَّغَامِ ، وَأَذَلَّهُ فَمَعْنَى قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ ) أَيْ عَلَى ذُلٍّ مِنْهُ لِوُقُوعِهِ مُخَالِفًا لِمَا يُرِيدُ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ عَلَى كَرَاهَةٍ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا قَالَهُ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ لِاسْتِبْعَادِهِ الْعَفْوَ عَنِ الزَّانِي السَّارِقِ الْمُنْتَهِكِ لِلْحُرْمَةِ ، وَاسْتِعْظَامِهِ ذَلِكَ ، وَتَصَوُّرُ أَبِي ذَرٍّ بِصُورَةِ الْكَارِهِ الْمُمَانِعِ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَانِعًا وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ لِشِدَّةِ نَفْرَتِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَهْلِهَا .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ ، وَقُلْتُ أَنَا : وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي أُصُولِنَا مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ . وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ .
وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رِوَايَتِهِ لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ . وَوُجِدَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَكْسُ هَذَا . ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ .
قُلْتُ أَنَا : وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ . وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي كِتَابِهِ ( الْمُخَرَّجُ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ ) ، وَقَدْ صَحَّ اللَّفْظَانِ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ .
فَأَمَّا اقْتِصَارُ ابن ج٢ / ص٢٧٤مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى رَفْعِ إِحْدَى اللَّفْظَتَيْنِ وَضَمِّهِ الْأُخْرَى إِلَيْهَا مِنْ كَلَامِ نَفْسِهِ فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ : سَبَبُهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا إِحْدَاهُمَا وَضَمَّ إِلَيْهَا الْأُخْرَى لِمَا عَلِمَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْيِهِ ، أَوْ أَخَذَهُ مِنْ مُقْتَضَى مَا سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ فِيهِ نَقْصٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ اللَّفْظَتَيْنِ قَدْ صح رَفَعَهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، فَالْجَيِّدُ أَنْ يُقَالَ : سَمِعَ ابْنُ مَسْعُودٍ اللَّفْظَتَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَكِنَّهُ فِي وَقْتٍ حَفِظَ إِحْدَاهُمَا وَتَيَقَّنَهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَمْ يَحْفَظِ الْأُخْرَى فَرَفَعَ الْمَحْفُوظَةَ وَضَمَّ الْأُخْرَى إِلَيْهَا . وَفِي وَقْتٍ آخَرَ حَفِظَ الْأُخْرَى وَلَمْ يَحْفَظِ الْأُولَى مَرْفُوعَةً ، فَرَفَعَ الْمَحْفُوظَةَ وَضَمَّ الْأُخْرَى إِلَيْهَا . فَهَذَا جَمْعٌ ظَاهِرٌ بَيْنَ رِوَايَتَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَفِيهِ مُوَافَقَةٌ لِرِوَايَةِ غَيْرِهِ فِي رَفْعِ اللَّفْظَتَيْنِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا حُكْمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِدُخُولِ النَّارِ وَمَنْ مَاتَ غَيْرَ مُشْرِكٍ بِدُخُولِهِ الْجَنَّةَ فَقَدْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ . فَأَمَّا دُخُولُ الْمُشْرِكِ النَّارَ فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ فَيَدْخُلُهَا وَيَخْلُدُ فِيهَا وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْكِتَابِيِّ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَبَيْنَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَسَائِرِ الْكَفَرَةِ .
وَلَا فَرْقَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ بَيْنَ الْكَافِرِ عِنَادًا وَغَيْرِهِ ، وَلَا بَيْنَ مَنْ خَالَفَ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ مَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهَا . ثُمَّ حُكِمَ بِكُفْرِهِ بِجَحْدِهِ مَا يَكْفُرُ بِجَحْدِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَأَمَّا دُخُولُ مَنْ مَاتَ غَيْرَ مُشْرِكٍ الْجَنَّةَ فَهُوَ مَقْطُوعٌ لَهُ بِهِ لَكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ كَبِيرَةٍ مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ أَوَّلًا ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبَ كَبِيرَةٍ مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا فَهُوَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ ، فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ دَخَلَ أَوَّلًا وَإِلَّا عُذِّبَ ، ثُمَّ أُخْرِجَ مِنَ النَّارِ ، وَخُلِّدَ فِي الْجَنَّةِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ) فَهُوَ حُجَّةٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السَّنَةِ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَبَائِرِ لَا يُقْطَعُ لَهُمْ بِالنَّارِ ، وَأَنَّهُمْ إِنْ دَخَلُوهَا أُخْرِجُوا مِنْهَا وَخُتِمَ لَهُمْ بِالْخُلُودِ فِي الْجَنَّةِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ مَبْسُوطًا .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .