باب غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ
[ 183 ] ( 115 ) - حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدُّؤَلِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي الْغَيْثِ ، مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ح . وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَهَذَا حَدِيثُهُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ ، عَنْ ثَوْرٍ ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا ، فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا وَرِقًا ، غَنِمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثِّيَابَ ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الْوَادِي ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدٌ لَهُ وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُذَامَ ، يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ ، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِي قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحُلُّ رَحْلَهُ فَرُمِيَ بِسَهْمٍ فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ ، فَقُلْنَا : هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَلَّا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، إِنَّ الشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا أَخَذَهَا مِنْ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ . قَالَ : فَفَزِعَ النَّاسُ ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ .
وَقَوْلُهُ : ( ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ الدِّيلِيُّ ) هُوَ هُنَا بِكَسْرِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ الْمَوْجُودَةِ بِبِلَادِنَا ، وَفِي بَعْضِهَا ( الدُّؤَلِيُّ ) بِضَمِّ الدَّالِ وَبِالْهَمْزَةِ بَعْدَهَا الَّتِي تُكْتَبُ صُورَتُهَا وَاوًا . وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ ضَبَطَهُ هُنَا عَنْ أَبِي بَحْرٍ ( دُوَلِيٌّ ) بِضَمِّ الدَّالِ وَبِوَاوٍ سَاكِنَةٍ . قَالَ : وَضَبَطْنَاهُ عَنْ غَيْرِهِ بِكَسْرِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ .
قَالَ : وَكَذَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَالْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ ، وَغَيْرُهُمَا . قُلْتُ : وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ أَنَّ ثَوْرًا هَذَا مِنْ رَهْطِ أَبِي الْأَسْوَدِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا فِي أَبِي الْأَسْوَدِ . وَقَوْلُهُ : ( عَنْ سَالِمٍ أَبِي الْغَيْثِ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ ) هَذَا صَحِيحٌ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ أَبَا الْغَيْثِ هَذَا يُسَمَّى سَالِمًا .
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ ( التَّمْهِيدُ ) لَا يُوقَفُ عَلَى اسْمِهِ صَحِيحًا فَلَيْسَ بِمُعَارِضٍ لِهَذَا الْإِثْبَاتِ الصَّحِيحِ . وَاسْمُ ابْنِ مُطِيعٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْقُرَشِيِّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ ) أَمَّا الْبُرْدَةُ بِضَمِّ الْبَاءِ فَكِسَاءٌ مُخَطَّطٌ وَهِيَ الشَّمْلَةُ وَالنَّمِرَةُ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ كِسَاءٌ أَسْوَدُ فِيهِ صُوَرٌ وَجَمْعُهَا بُرَدٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَأَمَّا الْعَبَاءَةُ فَمَعْرُوفَةٌ وَهِيَ مَمْدُودَةٌ وَيُقَالُ فِيهَا أَيْضًا ( عَبَايَةٌ ) بِالْيَاءِ ، قَالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ وَغَيْرُهُ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فِي بُرْدَةٍ ) أَيْ مِنْ أَجْلِهَا وَبِسَبَبِهَا .
وَأَمَّا ( الْغُلُولُ ) فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هُوَ الْخِيَانَةُ فِي الْغَنِيمَةِ خَاصَّةً ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هِيَ الْخِيَانَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَيُقَالُ مِنْهُ غَلَّ يَغُلُّ بِضَمِّ الْغَيْنِ . وَقَوْلُهُ : ( رَجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ ) هُوَ بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتُ سَاكِنَةٌ ثُمَّ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ . قَوْلُهُ ( يَحُلُّ رَحْلُهُ ) هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مَرْكَبُ الرَّجُلِ عَلَى الْبَعِيرِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ أَيْ مَوْتُهُ ، وَجَمْعُهُ حُتُوفٌ . وَمَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَيْ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ وَلَا ضَرْبٍ . قَوْلُهُ : ( فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ ) كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ج٢ / ص٢٩٨وَهُوَ صَحِيحٌ وَفِيهِ حَذْفُ الْمَفْعُولِ أَيْ أَصَبْتُ هَذَا .
وَالشِّرَاكُ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ السَّيْرُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي يَكُونُ فِي النَّعْلِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّ الشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا ) وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ ) تَنْبِيهٌ عَلَى الْمُعَاقَبَةِ عَلَيْهِمَا ، وَقَدْ تَكُونُ الْمُعَاقَبَةُ بِهِمَا أَنْفُسُهُمَا فَيُعَذَّبُ بِهِمَا وَهُمَا مِنْ نَارٍ ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا سَبَبٌ لِعَذَابِ النَّارِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَمَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدٌ لَهُ ) فَاسْمُهُ ( مِدْعَمٌ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ كَذَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْمُوَطَّأِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَقِيلَ : إِنَّهُ غَيْرُ ( مِدْعَمٍ ) ، قَالَ : وَوَرَدَ فِي حَدِيثٍ مِثْلِ هَذَا اسْمُهُ كَرْكِرَةُ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي . وَ ( كَرْكِرَةُ ) بِفَتْحِ الْكَافِ الْأُولَى وَكَسْرِهَا وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَمَكْسُورَةٌ فِيهِمَا .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا أَحْكَامُ الْحَدِيثِينَ فَمِنْهَا غِلَظُ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ حَتَّى الشِّرَاكُ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْغُلُولَ يَمْنَعُ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ غَلَّ إِذَا قُتِلَ ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَدْخُلِ الْجَنَّةَ أَحَدٌ مِمَّنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمِنْهَا جَوَازُ الْحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ غَلَّ شَيْئًا مِنَ الْغَنِيمَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ ، وَأَنَّهُ إِذَا رَدَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ، وَلَا يُحْرَقُ مَتَاعُهُ سَوَاءٌ رَدَّهُ أَوْ لَمْ يَرُدَّهُ فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُحَرِّقْ مَتَاعَ صَاحِبِ الشَّمْلَةِ وَصَاحِبِ الشِّرَاكِ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَفَعَلَهُ ، وَلَوْ فَعَلَهُ لَنُقِلَ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ " مَنْ غَلَّ فَأحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ " ، وَفِي رِوَايَةٍ : " وَاضْرِبُوا عُنُقَهُ " - فَضَعِيفٌ بَيَّنَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ ضَعْفَهُ .
قَالَ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ مَنْسُوخًا . وَيَكُونُ هَذَا حِينَ كَانَتِ الْعُقُوبَاتِ فِي الْأَمْوَالِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .