حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

باب معنى قول الله عز وجل ولقد رآه نزلة أخرى

[293] 179 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ، حِجَابُهُ النُّورُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ : النَّارُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، وَلَمْ يَقُلْ حَدَّثَنَا . [294] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ خَلْقِهِ ، وَقَالَ : حِجَابُهُ النُّورُ . [295] - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْبَعٍ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ ، يَرْفَعُ الْقِسْطَ وَيَخْفِضُهُ ، وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ ، وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ .

قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ، حِجَابُهُ النُّورُ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( النَّارُ ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ) أَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ ، فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَنَامُ وَأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ النَّوْمُ ; فَإِنَّ النَّوْمَ انْغِمَارٌ وَغَلَبَةٌ عَلَى الْعَقْلِ يُسْقِطُ الْإِحْسَاسَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّهِ جَلَّ وَعَزَّ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ ) فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قَالَ الْهَرَوِيُّ : قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : الْقِسْطُ الْمِيزَانُ ، وَسُمِّيَ قِسْطًا ; لِأَنَّ الْقِسْطَ : الْعَدْلُ ، وَبِالْمِيزَانِ يَقَعُ الْعَدْلُ ، قَالَ : وَالْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْفِضُ الْمِيزَانَ وَيَرْفَعُهُ بِمَا يُوزَنُ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ الْمُرْتَفِعَةِ ، وَيُوزَنُ مِنْ أَرْزَاقِهِمُ النَّازِلَةِ ، وَهَذَا تَمْثِيلٌ لِمَا يُقَدَّرُ تَنْزِيلُهُ ، فَشُبِّهَ بِوَزْنِ الْمِيزَانِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْقِسْطِ الرِّزْقُ الَّذِي هُوَ قِسْطُ كُلِّ مَخْلُوقٍ يَخْفِضُهُ فَيُقَتِّرُهُ ، وَيَرْفَعُهُ فَيُوَسِّعُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : ( عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ ) فَمَعْنَى الْأَوَّلِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَمَعْنَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ الَّذِي بَعْدَهُ ; فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ الْحَفَظَةَ يَصْعَدُونَ بِأَعْمَالِ اللَّيْلِ بَعْدَ انْقِضَائِهِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، وَيَصْعَدُونَ بِأَعْمَالِ النَّهَارِ بَعْدَ انْقِضَائِهِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ) فَالسُّبُحَاتُ بِضَمِّ السِّينِ وَالْبَاءِ وَرَفْعِ التَّاءِ فِي آخِرِهِ ، وَهِيَ جَمْعُ سُبْحَةٍ .

قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَالْهَرَوِيُّ وَجَمِيعُ الشَّارِحِينَ لِلْحَدِيثِ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ : مَعْنَى ( سُبُحَاتُ وَجْهِهِ ) نُورُهُ وَجَلَالُهُ وَبَهَاؤُهُ ، وَأَمَّا الْحِجَابُ فَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ وَالسَّتْرُ ، وَحَقِيقَةُ الْحِجَابِ إِنَّمَا تَكُونُ لِلْأَجْسَامِ الْمَحْدُودَةِ ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِسْمِ وَالْحَدِّ ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَانِعُ مِنْ رُؤْيَتِهِ ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَانِعُ نُورًا أَوْ نَارًا ؛ لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ مِنَ الْإِدْرَاكِ فِي الْعَادَةِ لِشُعَاعِهِمَا ، وَالْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الذَّاتُ ، وَالْمُرَادُ بِمَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ ؛ لِأَنَّ بَصَرَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ ، وَلَفْظَةُ ( مِنْ ) لِبَيَانِ الْجِنْسِ لَا لِلتَّبْعِيضِ ، وَالتَّقْدِيرُ لَوْ أَزَالَ الْمَانِعَ مِنْ رُؤْيَتِهِ وَهُوَ الْحِجَابُ الْمُسَمَّى نُورًا أَوْ نَارًا ، وَتَجَلَّى لِخَلْقِهِ لَأَحْرَقَ جَلَالُ ذَاتِهِ جَمِيعَ مَخْلُوقَاتِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ج٣ / ص٣٩١قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ) ثُمَّ قَالَ : ( وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ : عَنِ الْأَعْمَشِ وَلَمْ يَقُلْ : حَدَّثَنَا ) هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ بَصْرِيٌّ كُوفِيٌّ ، وَاسْمُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَهُوَ أَبُو شَيْبَةَ ، وَاسْمُ أَبِي كُرَيْبٍ : مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ : مُحَمَّدُ بْنُ خَارِمٍ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالْأَعْمَشُ : سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَأَبُو مُوسَى : عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ قَيْسٍ ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ تَقَدَّمَ بَيَانُهُمْ ، وَلَكِنْ طَالَ الْعَهْدُ بِهِمْ ، فَأَرَدْتُ تَجْدِيدَهُ لِمَنْ لَا يَحْفَظْهُمْ .

وَأَمَّا أَبُو عُبَيْدَةُ : فَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَاسْمُهُ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ لَطِيفَتَانِ مِنْ لَطَائِفِ عِلْمِ الْإِسْنَادِ إِحْدَاهُمَا : أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ كَمَا ذَكَرْتُهُ ، وَالثَّانِيَةُ : أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَةً تَابِعِيِّينَ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ : الْأَعْمَشُ وَعَمْرٌو وَأَبُو عُبَيْدَةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ : عَنِ الْأَعْمَشِ وَلَمْ يَقُلْ : حَدَّثَنَا ) فَهُوَ مِنَ احْتِيَاطِ مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَوَرَعِهِ وَإِتْقَانِهِ ، وَهُوَ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ وَأَبِي بَكْرٍ فَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ فِي رِوَايَتِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ; فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ عِبَارَتُهُمَا فِي كَيْفِيَّةِ رِوَايَةِ شَيْخِهِمَا أَبِي مُعَاوِيَةَ بَيَّنَهَا مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَحَصَلَ فِيهِ فَائِدَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : أَنَّ ( حَدَّثَنَا ) لِلِاتِّصَالِ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ ، وَفِي ( عَنْ ) خِلَافٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهَا ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ مِنْ طَوَائِفِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا أَيْضًا لِلِاتِّصَالِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِلُهَا مُدَلِّسًا ، فَبَيَّنَ مُسْلِمٌ ذَلِكَ ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى إِحْدَى الْعِبَارَتَيْنِ كَانَ فِيهِ خَلَلٌ ؛ فَإِنَّهُ إِنِ اقْتَصَرَ عَلَى ( عَنْ ) كَانَ مُفَوِّتًا لِقُوَّةِ ( حَدَّثَنَا ) وَرَاوِيًا بِالْمَعْنَى ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى ( حَدَّثَنَا ) كَانَ زَائِدًا فِي رِوَايَةِ أَحَدِهِمَا رَاوِيًا بِالْمَعْنَى ، وَكُلُّ هَذَا مِمَّا يُجْتَنَبُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ3 أحاديث
موقع حَـدِيث