باب إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ رَبَّهُمْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
[297] 181 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عمر بن مَيْسَرَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ صُهَيْبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا ؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ ؟ قَالَ : فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ . [298] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَزَادَ : ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ؟ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( هَلْ تُضَامُونَ ) ، وَرَوَى ( تُضَارُّونَ ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَبِتَخْفِيفِهَا وَالتَّاءُ مَضْمُومَةٌ فِيهِمَا ، وَمَعْنَى الْمُشَدَّدِ : هَلْ تُضَارُّونَ غَيْرَكُمْ فِي حَالَةِ الرُّؤْيَةِ بِزَحْمَةٍ أَوْ مُخَالَفَةٍ فِي الرُّؤْيَةِ أَوْ غَيْرِهَا لِخَفَائِهِ كَمَا تَفْعَلُونَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ ؟ وَمَعْنَى الْمُخَفَّفِ : هَلْ يَلْحَقُكُمْ فِي رُؤْيَتِهِ ضَيْرٌ ؟ وَهُوَ الضَّرَرُ ، وَرُوِيَ أَيْضًا ( تُضَامُونَ ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِهَا ؛ فَمَنْ شَدَّدَهَا فَتَحَ التَّاءَ ، وَمَنْ خَفَّفَهَا ضَمَّ التَّاءَ ، وَمَعْنَى الْمُشَدَّدِ : هَلْ تَتَضَامُّونَ وَتَتَلَطَّفُونَ فِي التَّوَصُّلِ إِلَى رُؤْيَتِهِ ؟ وَمَعْنَى الْمُخَفَّفِ : هَلْ يَلْحَقُكُمْ ضَيْمٌ - وَهُوَ الْمَشَقَّةُ وَالتَّعَبُ - ؟ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَقَالَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ تُضَارُّونَ أَوْ تَضَامُّونَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ ، وَأَشَارَ الْقَاضِي بِهَذَا إِلَى أَنَّ غَيْرَ هَذَا الْقَائِلِ ج٣ / ص٣٩٤يَقُولهُمَا بِضَمِّ التَّاءِ سَوَاءٌ شَدَّدَ أَوْ خَفَّفَ ، وَكُلُّ هَذَا صَحِيحٌ ظَاهِرُ الْمَعْنَى ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : ( لَا تَضَامُّونَ أَوْ لَا تُضَارُّونَ ) عَلَى الشَّكِّ ، وَمَعْنَاهُ : لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْكُمْ وَتَرْتَابُونَ فِيهِ فَيُعَارِضُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي رُؤْيَتِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ ) مَعْنَاهُ : تَشْبِيهُ الرُّؤْيَةِ بِالرُّؤْيَةِ فِي الْوُضُوحِ وَزَوَالِ الشَّكِّ وَالْمَشَقَّةِ وَالِاخْتِلَافِ . قَوْلُهُ : ( الطَّوَاغِيتُ ) هُوَ جَمْعُ طَاغُوتٍ ، قَالَ اللَّيْثُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَالْكِسَائِيُّ وَجَمَاهِيرُ أَهْلِ اللُّغَةِ : الطَّاغُوتُ كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُمْ : الطَّاغُوتُ الشَّيْطَانُ ، وَقِيلَ : هُوَ الْأَصْنَامُ ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ : الطَّاغُوتُ يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا وَيُؤَنَّثُ وَيُذَكَّرُ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ، فَهَذَا فِي الْوَاحِدِ ، وَقَالَ تَعَالَى فِي الْجَمْعِ : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ وَقَالَ فِي الْمُؤَنَّثِ : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا قَالَ الْوَاحِدِيُّ : وَمِثْلُهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْفُلْكُ يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا وَمُذَكَّرًا أَوْ مُؤَنَّثًا ، قَالَ النَّحْوِيُّونَ : وَزْنُهُ ( فَعْلُوتُ ) وَالتَّاءُ زَائِدَةٌ ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ طَغَى ، وَتَقْدِيرُهُ : طَغْوُوتُ ثُمَّ قُلِبَتِ الْوَاوُ أَلِفًا .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : إِنَّمَا بَقُوا فِي زُمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُتَسَتِّرِينَ بِهِمْ فَيَتَسَتَّرُونَ بِهِمْ أَيْضًا فِي الْآخِرَةِ ، وَسَلَكُوا مَسْلَكَهُمْ وَدَخَلُوا فِي جُمْلَتِهِمْ وَتَبِعُوهُمْ وَمَشَوْا فِي نُورِهِمْ ، حَتَّى ضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُوَرٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ، وَذَهَبَ عَنْهُمْ نُورُ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : هَؤُلَاءِ هُمُ الْمَطْرُودُونَ عَنِ الْحَوْضِ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمْ : سُحْقًا سُحْقًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ ، فَيَقُولُونَ : نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا ، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ ، فَيَقُولُونَ : أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتَّبِعُونَهُ ) اعْلَمْ أَنَّ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَآيَاتِ الصِّفَاتِ قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ مَذْهَبُ مُعْظَمِ السَّلَفِ أَوْ كُلِّهِمْ : أَنَّهُ لَا يُتَكَلَّمُ فِي مَعْنَاهَا ، بَلْ يَقُولُونَ : يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِهَا ، وَنَعْتَقِدَ لَهَا مَعْنًى يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ ، مَعَ اعْتِقَادِنَا الْجَازِمِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّجَسُّمِ وَالِانْتِقَالِ وَالتَّحَيُّزِ فِي جِهَةٍ ، وَعَنْ سَائِرِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ مُحَقِّقِيهِمْ وَهُوَ أَسْلَمُ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : وَهُوَ مَذْهَبُ مُعْظَمِ ج٣ / ص٣٩٥الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهَا تُتَأَوَّلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهَا عَلَى حَسَبِ مَوَاقِعهَا ، وَإِنَّمَا يَسُوغُ تَأْوِيلُهَا لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ بِأَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِلِسَانِ الْعَرَبِ وَقَوَاعِدِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ ، ذَا رِيَاضَةٍ فِي الْعِلْمِ ، فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ يُقَالُ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ ) أَنَّ الْإِتْيَانَ عِبَارَةٌ عَنْ رُؤْيَتِهِمْ إِيَّاهُ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ مَنْ غَابَ عَنْ غَيْرِهِ لَا يُمْكِنُهُ رُؤْيَتُهُ إِلَّا بِالْإِتْيَانِ ، فَعَبَّرَ بِالْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ هُنَا عَنِ الرُّؤْيَةِ مَجَازًا ، وَقِيلَ : الْإِتْيَانُ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى سَمَّاهُ إِتْيَانًا ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ ( بيَأْتِيهِمُ اللَّهُ ) أَيْ : يَأْتِيهِمْ بَعْضُ مَلَائِكَةِ اللَّهِ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : هَذَا الْوَجْهُ أَشْبَهُ عِنْدِي بِالْحَدِيثِ ، قَالَ : وَيَكُونُ هَذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَهُمْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي أَنْكَرُوهَا مِنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ الظَّاهِرَةِ عَلَى الْمَلَكِ وَالْمَخْلُوقِ ، قَالَ : أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ : يَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي صُورَةٍ ، أَيْ : يَأْتِيهِمْ بِصُورَةٍ وَيُظْهِرُ لَهُمْ مِنْ صُوَرِ مَلَائِكَتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ الَّتِي لَا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْإِلَهِ لِيَخْتَبِرَهُمْ ، وَهَذَا آخِرُ امْتِحَانِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِذَا قَالَ لَهُمْ هَذَا الْمَلَكُ أَوْ هَذِهِ الصُّورَةُ : ( أَنَا رَبُّكُمْ ) رَأَوْا عَلَيْهِ مِنْ عَلَامَاتِ الْمَخْلُوقِ مَا يُنْكِرُونَهُ وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ رَبَّهُمْ ، وَيَسْتَعِيذُونَ بِاللَّهِ مِنْهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَيَأْتِيَهِمُ اللَّهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ ) فَالْمُرَادُ بِالصُّورَةِ هُنَا الصِّفَةُ ، وَمَعْنَاهُ : فَيَتَجَلَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُمْ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يَعْلَمُونَهَا وَيَعْرِفُونَهُ بِهَا ، وَإِنَّمَا عَرَفُوهُ بِصِفَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَقَدَّمَتْ لَهُمْ رُؤْيَةٌ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ، فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَبُّهُمْ ، فَيَقُولُونَ : أَنْتَ رَبُّنَا ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالصُّورَةِ عَنِ الصِّفَةِ لِمُشَابَهَتِهَا إِيَّاهَا ، وَلِمُجَانَسَةِ الْكَلَامِ ، فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الصُّورَةِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : ( نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ) فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ خَاصَّةً ، وَأَنْكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا ، وَقَالَ : لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مِنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ بِهِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي هُوَ الصَّوَابُ ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ مُصَرِّحٌ بِهِ أَوْ ظَاهِرٌ فِيهِ ، وَإِنَّمَا اسْتَعَاذُوا مِنْهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ كَوْنِهِمْ رَأَوْا سِمَاتِ الْمَخْلُوقِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَيَتَّبِعُونَهُ ) فَمَعْنَاهُ يَتَّبِعُونَ أَمْرَهُ إِيَّاهُمْ بِذَهَابِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ ، أَوْ يَتَّبِعُونَ مَلَائِكَتَهُ الَّذِينَ يَذْهَبُونَ بِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمٍ ) هُوَ بِفَتْحِ الظَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ ، وَمَعْنَاهُ : يُمَدُّ الصِّرَاطُ عَلَيْهَا ، وَفِي هَذَا إِثْبَاتُ الصِّرَاطِ ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ إِثْبَاتُهُ ، وَقَدْ أَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى إِثْبَاتِهِ . وَهُوَ جِسْرٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمٍ يَمُرُّ عَلَيْهِ النَّاسُ كُلُّهُمْ ، فَالْمُؤْمِنُونَ يَنْجُونَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِمْ أَيْ : مَنَازِلِهِمْ ، وَالْآخَرُونَ يَسْقُطُونَ فِيهَا ، أَعَاذَنَا اللَّهُ الْكَرِيمُ مِنْهَا ، وَأَصْحَابُنَا الْمُتَكَلِّمُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ السَّلَفِ يَقُولُونَ : إِنَّ ج٣ / ص٣٩٦الصِّرَاطَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ - كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هُنَا فِي رِوَايَتِهِ الْأُخْرَى الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ ) هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَالزَّايُ آخِرَهُ ، وَمَعْنَاهُ : يَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَمْضِي عَلَيْهِ وَيَقْطَعُهُ يُقَالُ : أَجَزْتُ الْوَادِيَ وَجُزْتُهُ لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : أَجَزْتُهُ قَطَعْتُهُ ، وَجُزْتُهُ مَشَيْتُ فِيهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ ) مَعْنَاهُ لِشِدَّةِ الْأَهْوَالِ ، وَالْمُرَادُ لَا يَتَكَلَّمُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ ، وَإِلَّا فَفِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَوَاطِنُ يَتَكَلَّمُ النَّاسُ فِيهَا ، وَتُجَادِلُ كُلُّ نَفْسٍ عَنْ نَفْسِهَا ، وَيَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَيَتَلَاوَمُونَ وَيُخَاصِمُ التَّابِعُونَ الْمَتْبُوعِينَ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ ) هَذَا مِنْ كَمَالِ شَفَقَتِهِمْ وَرَحْمَتِهِمْ لِلْخَلْقِ ، وَفِيهِ أَنَّ الدَّعَوَاتِ تَكُونُ بِحَسَبِ الْمَوَاطِنِ ، فَيُدْعي فِي كُلِّ مَوْطِنٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ ) أَمَّا ( الْكَلَالِيبُ ) فَجَمْعُ كَلُّوبٍ بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ ، وَهُوَ حَدِيدَةٌ مَعْطُوفَةُ الرَّأْسِ يُعَلَّقُ فِيهَا اللَّحْمُ وَتُرْسَلُ فِي التَّنُّورِ ، قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : هِيَ خَشَبَةٌ فِي رَأْسِهَا عُقَّافَةُ حَدِيدٍ ، وَقَدْ تَكُونُ حَدِيدًا كُلُّهَا وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا : كُلَّابٌ . وَأَمَّا السَّعْدَانُ فَبِفَتْحِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهُوَ نَبْتٌ لَهُ شَوْكَةٌ عَظِيمَةٌ مِثْلُ الْحَسَكِ مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ ) هُوَ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا ، يُقَالُ : خَطِفَ وَخَطَفَ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِهَا ، وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : تَخْطَفُهُمْ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : تَخْطَفُهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ ، وَمِنْهُمُ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى ) أَمَّا الْأَوَّلُ : فَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ رُوِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : ( الْمُؤْمِنُ يَقِي بِعَمَلِهِ ) بِالْمِيمِ وَالنُّونِ وَبَقِيَ بِالْيَاءِ وَالْقَافِ ، وَالثَّانِي : الْمُوثَقُ بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْقَافِ ، وَالثَّالِثُ : الْمُوبَقُ يَعْنِي : بِعَمَلِهِ فَالْمُوبَقُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْقَافِ وَيَعْنَى : بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ وَبَعْدَهَا الْعَيْنُ ثُمَّ النُّونُ . قَالَ الْقَاضِي : هَذَا أَصَحُّهَا ، وَكَذَا قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : هَذَا الثَّالِثُ هُوَ الصَّوَابُ ، قَالَ : وَفِي ( بقِي ) عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ضَبْطَانِ : أَحَدُهُمَا : بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَالثَّانِي : بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ مِنَ الْوِقَايَةِ ، قُلْتُ : وَالْمَوْجُودُ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ بِبِلَادِنَا هُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَمِنْهُمُ الْمُجَازَى ) فَضَبَطْنَاهُ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ مِنَ الْمُجَازَاةِ ، وَهَكَذَا هُوَ فِي أُصُولِ بِلَادِنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي ج٣ / ص٣٩٧عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ضَبْطِهِ خِلَافًا فَقَالَ : رَوَاهُ الْعُذْرِيُّ وَغَيْرُهُ ( الْمُجَازَى ) كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ ( الْمُخَرْدَلُ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ وَاللَّامِ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ فِي الْبُخَارِيِّ ( الْمُجَرْدَلُ ) بِالْجِيمِ .
فَأَمَّا الَّذِي بِالْخَاءِ فَمَعْنَاهُ : الْمُقَطَّعُ أَيْ : بِالْكَلَالِيبِ يُقَالُ : خَرْدَلْتُ اللَّحْمَ أَيْ قَطَّعْتُهُ ، وَقِيلَ : خَرْدَلْتُ بِمَعْنَى صَرَعْتُ ، وَيُقَالُ : بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْضًا ، وَالْجَرْدَلَةُ بِالْجِيمِ : الْإِشْرَافُ عَلَى الْهَلَاكِ وَالسُّقُوطُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( تَأْكُلُ النَّارُ مِنِ ابْنِ آدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ النَّارَ لَا تَأْكُلُ جَمِيعَ أَعْضَاءِ السُّجُودِ السَّبْعَةِ الَّتِي يَسْجُدُ الْإِنْسَانُ عَلَيْهَا ، وَهِيَ : الْجَبْهَةُ وَالْيَدَانِ وَالرُّكْبَتَانِ وَالْقَدَمَانِ ، وَهَكَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ، وَأَنْكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَ : الْمُرَادُ بِأَثَرِ السُّجُودِ الْجَبْهَةُ خَاصَّةً . وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ ، فَإِنْ قِيلَ : قَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا مَرْفُوعًا أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فِيهَا إِلَّا دَارَاتِ الْوُجُوهِ ، فَالْجَوَابُ : أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ مَخْصُوصُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ بِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُمْ مِنَ النَّارِ إِلَّا دَارَاتُ الْوُجُوهِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَيَسْلَمُ جَمِيعُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ مِنْهُمْ عَمَلًا بِعُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَهَذَا الْحَدِيثُ عَامٌّ ، وَذَلِكَ خَاصٌّ ، فَيُعْمَلُ بِالْعَامِّ إِلَّا مَا خَصَّ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا ) هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْحَاءِ ، هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَاتِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ مُتْقِنِي شُيُوخِهِمْ ، قَالَ : وَهُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ ، وَبِهِ ضَبَطَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْهَرَوِيُّ ، وَقَالُوا فِي مَعْنَاهُ : احْتَرَقُوا . قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ : ( فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ ) بِالْمِيمِ وَالنُّونِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ ، وَمَعْنَاهُ : يَنْبُتُونَ بِسَبَبِهِ . وَأَمَّا ( الْحِبَّةُ ) فَبِكَسْرِ الْحَاءِ وَهِيَ بِزْرُ الْبُقُولِ وَالْعُشْبُ تَنْبُتُ فِي الْبَرَارِي وَجَوَانِبِ السُّيُولِ ، وَجَمْعُهَا ( حِبَبٌ ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ .
وَأَمَّا ( حَمِيلُ السَّيْلِ ) فَبِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ، وَهُوَ مَا جَاءَ بِهِ السَّيْلُ مِنْ طِينٍ أَوْ غُثَاءٍ ، وَمَعْنَاهُ : مَحْمُولُ السَّيْلِ ، وَالْمُرَادُ التَّشْبِيهُ فِي سُرْعَةِ النَّبَاتِ وَحُسْنِهِ وَطَرَاوَتِهِ . قَوْلُهُ : ( قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا ) أَمَّا ( قَشَبَنِي ) فَبِقَافٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ مُخَفَّفَةٍ مَفْتُوحَةٍ ، وَمَعْنَاهُ : سَمَّنِي وَآذَانِي وَأَهْلَكَنِي ، كَذَا قَالَهُ الْجَمَاهِيرُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ : غَيَّرَ جِلْدِي وَصُورَتِي . وَأَمَّا ( ذَكَاؤُهَا ) فَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ ، ( وَذَكَاؤُهَا ) بِالْمَدِّ وَهُوَ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، وَمَعْنَاهُ : لَهَبُهَا وَاشْتِعَالُهَا وَشِدَّةُ وَهَجِهَا ، وَالْأَشْهَرُ فِي اللُّغَةِ ذَكَاهَا مَقْصُورٌ ، وَذَكَرَ جَمَاعَاتٌ أَنَّ الْمَدَّ وَالْقَصْرَ لُغَتَانِ ، يُقَالُ : ذَكَتِ النَّارُ تَذْكُو ذَكاء إِذَا اشْتَعَلَتْ ، وَأَذْكَيْتُهَا أَنَا .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ج٣ / ص٣٩٨قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : هَلْ عَسَيْتُمْ هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ ، وَيُقَالُ : بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ ، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ ، قَرَأَ نَافِعٌ بِالْكَسْرِ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ ، وَهُوَ الْأَفْصَحُ الْأَشْهَرُ فِي اللُّغَةِ ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : وَلَا يُنْطَقُ فِي عَسَيْتَ بِمُسْتَقْبَلٍ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ ) أَمَّا ( الْخَيْرُ ) فَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَاتِ وَالْأُصُولِ ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ فِي مُسْلِمٍ رَوَاهُ ( الْحَبْرُ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَمَعْنَاهُ السُّرُورُ ، قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : كِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، قَالَ : وَالثَّانِي أَظْهَرُ ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ : ( وَالسُّرُورُ ) وَالْحَبْرَةُ : الْمَسَرَّةُ .
وَأَمَّا ( انْفَهَقَتْ ) فَبِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْهَاءِ وَالْقَافِ ، وَمَعْنَاهُ : انْفَتَحَتْ وَاتَّسَعَتْ . قَوْلُهُ : ( فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللَّهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : ضَحِكُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ هُوَ رِضَاهُ بِفِعْلِ عَبْدِهِ وَمَحَبَّتِهِ إِيَّاهُ وَإِظْهَارِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ وَإِيجَابِهَا عَلَيْهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَيَسْأَلُ رَبَّهُ وَيَتَمَنَّى ، حَتَّى إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا ) مَعْنَاهُ يَقُولُ لَهُ : تَمَنَّ مِنَ ج٣ / ص٣٩٩الشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ ، وَمِنَ الشَّيْءِ الْآخَرِ يُسَمِّي لَهُ أَجْنَاسَ مَا يَتَمَنَّى ، وَهَذَا مِنْ عَظِيمِ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ ( وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ ) ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْلَمَ أَوَّلًا بِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، ثُمَّ تَكَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى فَزَادَ مَا فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَسْمَعْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ .