باب إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ وَإِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ النَّارِ
[309] - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبِيدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَأَعْرِفُ آخَرُ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْ النَّارِ : رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفًا ، فَيُقَالُ لَهُ : انْطَلِقْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ ، قَالَ : فَيَذْهَبُ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، فَيَجِدُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا الْمَنَازِلَ ، فَيُقَالُ لَهُ : أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ، فَيُقَالُ لَهُ : تَمَنَّ ، فَيَتَمَنَّى ، فَيُقَالُ لَهُ : لَكَ الَّذِي تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةَ أَضْعَافِ الدُّنْيَا ، قَالَ : فَيَقُولُ : أَتَسْخَرُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ ؟ قَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأُخْرَى فِي الْكِتَابِ : ( فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا ج٣ / ص٤١١مَعَهَا ) ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا ؟ فَيَقُولُ : رَضِيتُ رَبِّ ، فَيَقُولُ : لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ : رَضِيتُ رَبِّ ، فَيَقُولُ : هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ ) فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ لَا تُخَالِفَانِ الْأُولَيَيْنِ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْأُولَى مِنْ هَاتَيْنِ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوَّلًا : لَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلُهَا ، ثُمَّ يُزَادُ إِلَى تَمَامِ عَشَرَةِ أَمَثَالِهَا كَمَا بَيَّنَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ ، وَأَمَّا الْأَخِيرَةُ فَالْمُرَادُ بِهَا أَنَّ أَحَدَ مُلُوكِ الدُّنْيَا لَا يَنْتَهِي مُلْكُهُ إِلَى جَمِيعِ الْأَرْضِ ، بَلْ يَمْلِكُ بَعْضًا مِنْهَا ثُمَّ مَنْ يَكْثُرُ الْبَعْضُ الَّذِي يَمْلِكُهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِلُّ بَعْضُهُ ، فَيُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ مِثْلَ أَحَدِ مُلُوكِ الدُّنْيَا خَمْسَ مَرَّاتٍ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ قَدْرَ الدُّنْيَا كُلِّهَا ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : لَكَ عَشَرَةُ أَمْثَالِ هَذَا فَيَعُودُ مَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِلَى مُوَافَقَةِ الرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ . وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
وَهُوَ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( آخِرُ مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً وَيَكْبُو مَرَّةً وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً ) أَمَّا ( يَكْبُو ) فَمَعْنَاهُ : يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ . وَأَمَّا ( تَسْفَعُهُ ) فَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَمَعْنَاهُ : تَضْرِبُ وَجْهَهُ وَتُسَوِّدُهُ وَتُؤَثِّرُ فِيهِ أَثَرًا .
قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ ) ، كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ . وَأَمَّا الثَّالِثَةُ : فَوَقَعَ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ : ( مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا ) ، وَفِي بَعْضِهَا : ( عَلَيْهِ ) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَمَعْنَى : ( عَلَيْهَا ) : أَيْ : نِعْمَةً لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا أَيْ : عَنْهَا . ج٣ / ص٤١٢قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَمَعْنَاهُ : يَقْطَعُ مَسْأَلَتَكَ مِنِّي .
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : ( الصَّرْيُ ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ هُوَ الْقَطْعُ . وَرُوِيَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ : ( مَا يَصْرِيكَ مِنِّي ) ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : هُوَ الصَّوَابُ ، وَأَنْكَرَ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ( مَا يَصْرِينِي مِنْكَ ) ، وَلَيْسَ هُوَ كَمَا قَالَ ، بَلْ كِلَاهُمَا صَحِيحٌ ; فَإِنَّ السَّائِلَ مَتَى انْقَطَعَ مِنَ الْمَسْئُولِ انْقَطَعَ الْمَسْئُولُ مِنْهُ ، وَالْمَعْنَى : أَيُّ شَيْءٍ يُرْضِيكَ وَيَقْطَعُ السُّؤَالَ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( قَالُوا : مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) قَدْ قَدَّمْنَا مَعْنَى الضَّحِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الرِّضَى وَالرَّحْمَةُ وَإِرَادَةُ الْخَيْرِ لِمَنْ يَشَاءُ رَحْمَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .