باب إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ وَإِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ النَّارِ
[314] 190 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا ، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُقَالُ : اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا ، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ فَيُقَالُ : عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا ، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا ، فَيَقُولُ : نَعَمْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ ، فَيُقَالُ لَهُ : فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً فَيَقُولُ : رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَا هُنَا ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ . [315] وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ ، ح ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، ح ، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَسْأَلُ عَنِ الْوُرُودِ فَقَالَ : نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا ، انْظُرْ أَيْ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ ، قَالَ : فَتُدْعَى الْأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا إِلَى آخِرِهِ ) هَكَذَا وَقَعَ هَذَا اللَّفْظُ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَاتَّفَقَ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّهُ تَصْحِيفٌ وَتَغْيِيرٌ وَاخْتِلَاطٌ فِي اللَّفْظِ .
قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي كِتَابِهِ ( الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ ) : هَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ تَخْلِيطٌ مِنْ أَحَدِ النَّاسِخِينَ أَوْ كَيْفَ كَانَ ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : هَذِهِ صُورَةُ الْحَدِيثِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ، وَفِيهِ تَغْيِيرٌ كَثِيرٌ وَتَصْحِيفٌ ، قَالَ : وَصَوَابُهُ : ( نَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى كَوْمٍ ) هَكَذَا رَوَاهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : ( يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى تَلٍّ ، وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ ) وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : فَيَرْقَى هُوَ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُمَّتُهُ عَلَى كَوْمٍ فَوْقَ النَّاسِ ، وَذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : ( يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ ) قَالَ الْقَاضِي : فَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ مَا تَغَيَّرَ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَأَنَّهُ كَانَ أَظْلَمَ هَذَا الْحَرْفُ عَلَى الرَّاوِي أَوْ أُمْحِيَ ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِكَذَا وَكَذَا ، وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ : أَيْ : فَوْقَ النَّاسِ ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ انْظُرْ تَنْبِيهًا ، فَجَمَعَ النَّقَلَةُ الْكُلَّ وَنَسَّقُوهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ مَتْنِ الْحَدِيثِ كَمَا تَرَاهُ ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْقَاضِي : ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ جَاءَ كُلُّهُ مِنْ كَلَامِ جَابِرٍ وقُوفًا عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ شَرْطِ مُسْلِمٍ ؛ إِذْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ وَأَدْخَلَهُ فِي الْمُسْنَدِ ; لِأَنَّهُ رُوِيَ مُسْنَدًا مِنْ غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ ، ج٣ / ص٤١٦فَذَكَرَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ يَرْفَعُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ : يَضْحَكُ " ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : فَيُنْطَلَقُ بِهِمْ ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ فِي الشَّفَاعَةِ وَإِخْرَاجِ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ ، وَذَكَرَ إِسْنَادَهُ وَسَمَاعَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَعْنَى بَعْضِ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ ) فَتَقَدَّمَ بَيَانُهُمَا فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ قَرِيبًا مَعْنَى الضَّحِكِ . وَأَمَّا التَّجَلِّي فَهُوَ الظُّهُورُ وَإِزَالَةُ الْمَانِعِ مِنَ الرُّؤْيَةِ ، وَمَعْنَى ( يَتَجَلَّى : يَضْحَكُ ) أَيْ : يَظْهَرُ وَهُوَ رَاضٍ عَنْهُمْ .
قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ ) رُوِيَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا وَهُمَا صَحِيحَانِ مَعْنَاهُمَا ظَاهِرٌ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ ) هَكَذَا هُوَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ ، وَفِي أَكْثَرِهَا الْمُؤْمِنِينَ ) بِالْيَاءِ . قَوْلُهُ : ( أَوَّلُ زُمْرَةٍ ) أَيْ : جَمَاعَةٍ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَنْبُتُوا نَبَاتَ الشَّيْءِ فِي السَّيْلِ ، وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ ، ثُمَّ يَسْأَلُ حَتَّى تُجْعَلَ لَهُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ بِبِلَادِنَا ( نَبَاتَ الشَّيْءِ ) ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ ، وَعَنْ بَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ : ( نَبَاتَ الدِّمْنِ ) يَعْنِي بِكَسْرِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمَوْجُودَةُ فِي ( الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ ) لِعَبْدِ الْحَقِّ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَشْهُورُ الظَّاهِرُ ، وَهُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَاتِ السَّابِقَةِ : ( نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ) ، وَأَمَّا نَبَاتُ الدِّمْنِ فَمَعْنَاهَا أَيْضًا كَذَلِكَ ، فَإِنَّ الدِّمْنَ الْبَعْرُ ، وَالتَّقْدِيرُ : نَبَاتَ ذِي الدِّمْنِ فِي السَّيْلِ ، أَيْ : كَمَا يَنْبُتُ الشَّيْءُ الْحَاصِلُ فِي الْبَعْرِ وَالْغُثَاءِ الْمَوْجُودِ فِي أَطْرَافِ النَّهَرِ ، وَالْمُرَادُ التَّشْبِيهُ بِهِ فِي السُّرْعَةِ وَالنَّضَارَةِ ، وَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ ( الْمَطَالِعِ ) إِلَى تَصْحِيحِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَلَكِنْ لَمْ يُنَقِّحِ الْكَلَامَ فِي تَحْقِيقِهَا ; بَلْ قَالَ : عِنْدِي أَنَّهَا رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ ، وَمَعْنَاهُ سُرْعَةُ نَبَاتِ الدِّمْنِ مَعَ ضَعْفِ مَا يَنْبُتُ فِيهِ وَحُسْنِ مَنْظَرِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ ) فَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ ج٣ / ص٤١٧الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ ، وَالضَّمِيرُ فِي ( حُرَاقِهِ ) يَعُودُ عَلَى الْمُخْرَجِ مِنَ النَّارِ ، وَعَلَيْهِ يَعُودُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ يَسْأَلُ ، وَمَعْنَى ( حُرَاقِهِ ) أَثَرُ النَّارِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .