باب الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ
[81] - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ - حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ قَالَ : أَمَعَكَ مَاءٌ ؟ فَأَتَيْتُهُ بِمِطْهَرَةٍ ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ ، ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ ، فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ، وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْتُ ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ وَقَدْ قَامُوا فِي الصَّلَاةِ يُصَلِّي بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُمْتُ ، فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا . قَوْلُهُ : ( وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ) قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ : قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ : هَكَذَا يَقُولُ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ بَزِيعٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَخَالَفَهُ النَّاسُ فَقَالُوا فِيهِ : ( حَمْزَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ) بَدَلَ ( عُرْوَةَ ) ، وَأَمَّا أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ ج٣ / ص٥١١فَنَسَبَ الْوَهَمَ فِيهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ لَا إِلَى مُسْلِمٍ . هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْغَسَّانِيِّ .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : حَمْزَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَإِنَّمَا عُرْوَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ ، وَحَمْزَةُ وَعُرْوَةُ ابْنَانِ لِلْمُغِيرَةِ ، وَالْحَدِيثُ مَرْوِيٌّ عَنْهُمَا جَمِيعًا ، لَكِنَّ رِوَايَةَ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُزَنِيِّ ، إِنَّمَا هِيَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَعَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ غَيْرُ مُسَمًّى ، وَلَا يَقُولُ بَكْرٌ : عُرْوَةُ ، وَمَنْ قَالَ : عُرْوَةُ عَنْهُ فَقَدْ وَهِمَ ، وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ عَنْ بَكْرٍ ; فَرَوَاهُ مُعْتَمِرٌ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ عَنْهُ ، عَنْ بَكْرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ التَّيْمِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا مُسْلِمٌ ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ : عَنْ بَكْرٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَهُوَ وَهَمٌ . هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( فَأَتَيْتُهُ بِمِطْهَرَةِ ) قَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ فِيهَا لُغَتَيْنِ : فَتْحَ الْمِيمِ وَكَسْرَهَا ، وَأَنَّهَا الْإِنَاءُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ السِّينِ ، أَيْ : يَكْشِفُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ ) هَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ مَسْحَ بَعْضِ الرَّأْسِ يَكْفِي ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْجَمِيعُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْجَمِيعُ لَمَا اكْتَفَى بِالْعِمَامَةِ عَنِ الْبَاقِي ؛ فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ ، كَمَا لَوْ مَسَحَ عَلَى خُفٍّ وَاحِدٍ وَغَسَلَ الرِّجْلَ الْأُخْرَى ، وَأَمَّا التَّتْمِيمُ بِالْعِمَامَةِ فَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِتَكُونَ الطَّهَارَةُ عَلَى جَمِيعِ الرَّأْسِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لُبْسُ الْعِمَامَةِ عَلَى طُهْرٍ ، أَوْ عَلَى حَدَثٍ ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ قَلَنْسُوَةٌ وَلَمْ يَنْزِعْهَا مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُتِمَّ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ كَالْعِمَامَةِ ، وإلا اقْتَصَرَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَلَمْ يَمْسَحْ شَيْئًا مِنَ الرَّأْسِ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ عندنا بِلَا خِلَافٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - . وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إِلَى جَوَازِ الِاقْتِصَارِ ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَ ( النَّاصِيَةُ ) هِيَ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ . قَوْلُهُ : ( فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ ، وَقَدْ قَامُوا فِي الصَّلَاةِ يُصَلِّي بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَقَدْ رَكَعَ رَكْعَةً بِهِمْ ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُمْتُ ، فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا ) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ : مِنْهَا جَوَازُ اقْتِدَاءِ الْفَاضِلِ بِالْمَفْضُولِ ، وَجَوَازُ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَ بَعْضِ أُمَّتِهِ ، وَمِنْهَا : أَنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ؛ فَإِنَّهُمْ فَعَلُوهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ ، وَلَمْ يَنْتَظِرُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَمِنْهَا : أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا تَأَخَّرَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ ج٣ / ص٥١٢اسْتُحِبَّ لِلْجَمَاعَةِ أَنْ يُقَدِّمُوا أَحَدَهُمْ ، فَيُصَلِّي بِهِمْ إِذَا وَثِقُوا بِحُسْنِ خُلُقِ الْإِمَامِ ، وَأَنَّهُ لَا يَتَأَذَّى مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ ، فَأَمَّا لَمْ يَأْمَنُوا أَذَاهُ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فُرَادَى ، ثُمَّ إِنْ أَدْرَكُوا الْجَمَاعَةَ بَعْدَ ذلك اسْتُحِبَّ لَهُمْ إِعَادَتُهَا مَعَهُمْ . وَمِنْهَا : أَنَّ مَنْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ أَتَى بِمَا أَدْرَكَ ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ أَتَى بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْهُ ، بِخِلَافِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ ، فَإِنَّهَا تَسْقُطُ عَنِ الْمَسْبُوقِ إِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا ، وَمِنْهَا : اتِّبَاعُ الْمَسْبُوقِ لِلْإِمَامِ فِي فِعْلِهِ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَجُلُوسِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَوْضِعَ فِعْلِهِ لِلْمَأْمُومِ ، وَمِنْهَا : أَنَّ الْمَسْبُوقَ إِنَّمَا يُفَارِقُ الْإِمَامَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا بَقَاءُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي صَلَاتِهِ ، وَتَأَخُّرُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لِيَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي قَضِيَّةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ قَدْ رَكَعَ رَكْعَةً ، فَتَرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّقَدُّمَ لِئَلَّا يَخْتَلَّ تَرْتِيبُ صَلَاةِ الْقَوْمِ ، بِخِلَافِ قَضِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا ) فَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ، وَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ بِفَتْحِ السِّينِ وَالْبَاءِ وَالْقَافِ وَبَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقُ سَاكِنَةٌ ، أَيْ : وُجِدَتْ قَبْلَ حُضُورِنَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .