باب النَّهْيِ عَنْ الِاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ
[97] 283 - وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ وَأَبُو الطَّاهِرِ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى ؛ جَمِيعًا عَنْ ابْنِ وَهْبٍ ، قَالَ هَارُونُ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ : أَنَّ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ فَقَالَ : كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا . ( 29 ) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الِاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ فِيهِ ( أَبُو السَّائِبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ . فَقَالَ : كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا ) ، أَمَّا ( أَبُو السَّائِبِ ) فَلَا يُعْرَفُ اسْمُهُ .
وَأَمَّا أَحْكَامُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ : يُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ ج٣ / ص٥٢٤كَثِيرًا ، وَكَذَا يُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ فِي الْعَيْنِ الْجَارِيَةِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْبُوَيْطِيِّ : أَكْرَهُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي الْبِئْرِ مَعِينَةٍ كَانَتْ أَوْ دَائِمَةٍ ، وَفِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ الَّذِي لَا يَجْرِي . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَسَوَاءٌ قَلِيلُ الرَّاكِدِ وَكَثِيرُهُ أَكْرَهُ الِاغْتِسَالَ فِيهِ .
هَذَا نَصُّهُ . وَكَذَا صَرَّحَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ بِمَعْنَاهُ . وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ لَا التَّحْرِيمِ .
وَإِذَا اغْتَسَلَ فِيهِ الْجَنَابَةَ ، فَهَلْ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا ، وَلَوِ اغْتَسَلَ فِيهِ جَمَاعَاتٌ فِي أَوْقَاتٍ مُتَكَرِّرَاتٍ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاءُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، فَإِنِ انْغَمَسَ فِيهِ الْجُنُبُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ثُمَّ لَمَّا صَارَ تَحْتَ الْمَاءِ نَوَى ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُ ، وَصَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا ، وَإِنْ نَزَلَ فِيهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ مَثَلًا ثُمَّ نَوَى قَبْلَ انْغِمَاسِ بَاقِيهِ صَارَ الْمَاءُ فِي الْحَالِ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ ، وَارْتَفَعَتِ الْجَنَابَةُ عَنْ ذَلِكَ لِقَدْرِ الْمُنْغَمِسِ بِلَا خِلَافٍ ، وَارْتَفَعَتْ أَيْضًا عَنِ الْقَدْرِ الْبَاقِي إِذَا تَمَّمَ انْغِمَاسَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ الْمَنْصُوصِ الْمَشْهُورِ ; لِأَنَّ الْمَاءَ إِنَّمَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَطَهِّرِ إِذَا انْفَصَلَ عَنْهُ . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخِضْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا - وَهُوَ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَإِسْكَانِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ - : لَا يَرْتَفِعُ عَنْ بَاقِيهِ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، وَهَذَا إِذَا تَمَّمَ الِانْغِمَاسَ مِنْ غَيْرِ انْفِصَالِهِ ، فَلَوِ انْفَصَلَ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ مَا يَغْسِلهُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ ، وَلَوِ انْغَمَسَ رَجُلَانِ تَحْتَ الْمَاءِ النَّاقِصِ عَنْ قُلَّتَيْنِ إِنْ تَصَوَّرَا ثُمَّ نَوَيَا دَفْعَةً وَاحِدَةً ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُمَا وَصَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا ، فَإِنْ نَوَى أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ ارْتَفَعَتْ جَنَابَةُ النَّاوِي وَصَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَفِيقِهِ ; فَلَا تَرْتَفِعُ جَنَابَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ . وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ : أَنَّهَا تَرْتَفِعْ ; وَإِنْ نَزَلَا فِيهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِمَا فَنَوَيَا ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُمَا عَنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ ، وَصَارَ مُسْتَعْمَلًا فَلَا تَرْتَفِعْ عَنْ بَاقِيهِمَا إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الشَّاذِّ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .