باب اسْتِحْبَابِ اسْتِعْمَالِ الْمُغْتَسِلَةِ مِنْ الْحَيْضِ فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فِي مَوْضِعِ الدَّمِ
[ 60 ] 332 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ عَمْرٌو : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَأَلَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ تَغْتَسِلُ مِنْ حَيْضَتِهَا ؟ قَالَ : فَذَكَرَتْ أَنَّهُ عَلَّمَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرُ بِهَا . قَالَتْ : كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا ؟ قَالَ : تَطَهَّرِي بِهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَاسْتَتَرَ وَأَشَارَ لَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِهِ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : وَاجْتَذَبْتُهَا إِلَيَّ وَعَرَفْتُ مَا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ : فَقُلْتُ : تَتَبَّعِي بِهَا آثَارَ الدَّمِ .
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ أَغْتَسِلُ عِنْدَ الطُّهْرِ ؟ فَقَالَ : خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِي بِهَا . ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ . 13 - بَاب اسْتِحْبَابِ اسْتِعْمَالِ الْمُغْتَسِلَةِ مِنْ الْحَيْضِ فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فِي مَوْضِعِ الدَّمِ قَدْ قَدَّمْنَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ صِفَةَ غُسْلِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ سَوَاءٌ ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى ، وَالْمُرَادُ فِي هَذَا الْبَابِ بَيَانُ أَنَّ السُّنَّةَ فِي حَقِّ الْمُغْتَسِلَةِ مِنَ الْحَيْضِ أَنْ تَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ مِسْكٍ فَتَجْعَلَهُ فِي قُطْنَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَتُدْخِلَهَا فِي فَرْجِهَا بَعْدَ اغْتِسَالِهَا ، وَيُسْتَحَبُّ هَذَا لِلنُّفَسَاءِ أَيْضًا لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْحَائِضِ .
وَذَكَرَ الْمَحَامِلِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابهِ ( الْمُقْنِعُ ) أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُغْتَسِلَةِ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ أَنْ تُطَيِّبَ جَمِيعَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي أَصَابَهَا الدَّمُ مِنْ بَدَنِهَا ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ تَعْمِيمِ مَوَاضِعِ الدَّمِ مِنَ الْبَدَنِ غَرِيبٌ لَا أَعْرِفُهُ لِغَيْرِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحِكْمَةِ فِي اسْتِعْمَالِ الْمِسْكِ ، فَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الَّذِي قَالَهُ الْجَمَاهِيرُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِاسْتِعْمَالِ الْمِسْكِ تَطْيِيبُ الْمَحَلِّ ، وَدَفْعُ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ . وَحَكَى أَقْضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا : أَحَدُهُمَا هَذَا ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ كَوْنُهُ أَسْرَعَ إِلَى عُلُوقِ الْوَلَدِ قَالَ : فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَفَقَدَتِ الْمِسْكَ اسْتَعْمَلَتْ مَا يَخْلُفُهُ فِي طِيبِ الرَّائِحَةِ ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي اسْتَعْمَلَتْ مَا قَامَ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْقُسْطِ وَالْأَظْفَارِ وَشِبْهِهِمَا .
قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ اسْتِعْمَالِهِ . فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ : تَسْتَعْمِلُهُ بَعْدَ الْغُسْلِ ، وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي قَالَ : قَبْلَهُ . هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ .
وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ قَبْلَ الْغُسْلِ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَيَكْفِي فِي ج٤ / ص١٤إِبْطَالِهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ فِي الْكِتَابِ فِي قَوْلِـهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَّهَّرُ بِهَا وَهَذَا نَصٌّ فِي اسْتِعْمَالِ الْفِرْصَةَ بَعْدَ الْغُسْلِ ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُرَادَ الْإِسْرَاعُ فِي الْعُلُوقِ فَضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُخَصُّ بِهِ ذَاتُ الزَّوْجِ الْحَاضِرِ الَّذِي يُتَوَقَّعُ جِمَاعُهُ فِي الْحَالِ ، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَصِرْ إِلَيْهِ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ ، وَإِطْلَاقُ الْأَحَادِيثِ يَرُدُّ عَلَى مَنِ الْتَزَمَهُ ، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ تَطَيُّبُ الْمَحَلِّ ، وَإِزَالَةُ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ مُغْتَسِلَةٍ مِنَ الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ ، سَوَاءٌ ذَاتَ الزَّوْجِ وَغَيْرَهَا ، وَتَسْتَعْمِلُهُ بَعْدَ الْغُسْلِ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مِسْكًا فَتَسْتَعْمِلُ أَيَّ طِيبٍ وَجَدَتْ ، فَإِنْ لِمْ تَجِدْ طِيبًا اسْتُحِبَّ لَهَا اسْتِعْمَالُ طِينٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يُزِيلُ الْكَرَاهَةَ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ شَيْئًا مِنْ هَذَا فَالْمَاءُ كَافٍ لَهَا ، لَكِنْ إِنْ تَرَكَتِ التَّطَيُّبَ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ كُرِهَ لَهَا ، وَإِنْ لَمْ تَتَمَكَّنْ فَلَا كَرَاهَةَ فِي حَقِّهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا ( الْفِرْصَةُ ) فَهِيَ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ .
وَ ( الْمِسْكُ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَهُوَ الطِّيبُ الْمَعْرُوفُ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الَّذِي رَوَاهُ ، وَقَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ ، وَعَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ أَهْلِ الْعُلُومِ . وَقِيلَ : ( مَسْكٌ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ ، وَهُوَ الْجِلْدُ ، أَيْ قِطْعَةُ جِلْدٍ فِيهِ شَعْرٌ . ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ فَتْحَ الْمِيمِ هِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ قُتَيْبَةَ : إِنَّمَا هُوَ قُرْضَةٌ مِنْ مَسْكٍ بِقَافٍ مَضْمُومَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَمَسْكٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ قِطْعَةٌ مِنْ جِلْدٍ .
وَهَذَا كُلُّهُ ضَعِيفٌ ، وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى الْمَذْكُورَةُ فِي الْكِتَابِ ( فِرْصَةٌ مُمَسَّكَةٌ ) وَهِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ قِطْعَةٌ مِنْ قُطْنٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ خِرْقَةٍ مُطَيَّبَةٍ بِالْمِسْكِ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( تَطَّهَّرِي بِهَا ، سُبْحَانَ اللَّهِ ) قَدْ قَدَّمْنَا ( أَنَّ سُبْحَانَ اللَّهِ ) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَأَمْثَالِهِ يُرَادُ بِهَا التَّعَجُّبُ ، وَكَذَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَمَعْنَى التَّعَجُّبِ هُنَا كَيْفَ يَخْفَى مِثْلُ هَذَا الظَّاهِرِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ فِي فَهْمِهِ إِلَى فِكْرٍ؟ وَفِي هَذَا : جَوَازُ التَّسْبِيحِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ مِنَ الشَّيْءِ وَاسْتِعْظَامِهِ ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ عِنْدَ التَّثَبُّتِ عَلَى الشَّيْءِ ، وَالتَّذَكُّرِ بِهِ .
وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ اسْتِعْمَالِ الْكِنَايَاتِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَوْرَاتِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَرَّاتٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ ) قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ : يَعْنِي بِهِ الْفَرْجَ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنِ الْمَحَامِلِيِّ أَنَّهُ قَالَ : تُطَيِّبُ كُلَّ مَوْضِعٍ أَصَابَهُ الدَّمُ مِنْ بَدَنِهَا ، وَفِي ظَاهِرِ الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لَهُ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حَبَّانُ حَدَّثَنَا وُهَيْبُ ) هُوَ ( حَبَّانُ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ ( حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ ) .