بَاب بَيَانُ أَنَّ الْجِمَاعَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ الْمَنِيُّ وَبَيَانُ نَسْخِهِ وَأَنَّ الْغُسْلَ يَجِبُ بِالْجِمَاعِ
[ 87 ] 348 - وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ ح ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالُوا : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَمَطَرٌ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ . وَفِي حَدِيثِ مَطَرٍ : وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ . قَالَ زُهَيْرٌ مِنْ بَيْنِهِمْ : بَيْنَ أَشْعُبِهَا الْأَرْبَعِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ح ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ : ثُمَّ اجْتَهَدَ ، وَلَمْ يَقُلْ : وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ . قَوْلُهُ : ( أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ ) هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، وَيَجُوزُ صَرْفُهُ وَتَرْكُ صَرْفِهِ . وَالْمِسْمَعِيُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِي ، وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ ، لَكِنِّي أُنَبِّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى مِثْلِهِ لِطُولِ الْعَهْدِ بِهِ ، كَمَا شَرَطْتُهُ فِي الْخُطْبَةِ .
ج٤ / ص٣٣قَوْلُهُ : ( أَبُو رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) اسْمُ أَبِي رَافِعٍ : ( نُفَيْعٌ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا ) وَفِي رِوَايَةِ ( أَشْعُبِهَا ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالشُّعَبِ الْأَرْبَعِ ، فَقِيلَ : هِيَ الْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ ، وَقِيلَ : الرِّجْلَانِ وَالْفَخِذَانِ ، وَقِيلَ : الرِّجْلَانِ وَالشَّفْرَانِ ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الْمُرَادَ شُعَبُ الْفَرْجِ الْأَرْبَعُ ، وَالشُّعَبُ النَّوَاحِي وَاحِدَتُهَا شُعْبَةٌ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : ( أَشْعُبِهَا ) ، فَهُوَ جَمْعُ شُعَبٍ . وَمَعْنَى ( جَهَدَهَا ) حَفَرَهَا كَذَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ غَيْرُهُ : بَلَغَ مَشَقَّتَهَا ، يُقَالُ : جَهِدْتُهُ وَأَجْهَدْتُهُ بَلَغْتُ مَشَقَّتَهُ .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ جَهَدَهَا بِمَعْنَى بَلَغَ جَهْدَهُ فِي الْعَمَلِ فِيهَا ، وَالْجَهْدُ الطَّاقَةُ ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْحَرَكَةِ وَتَمَكُّنِ صُورَةِ الْعَمَلِ ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : حَفَرَهَا أَيْ كَدَّهَا بِحَرَكَتِهِ . وَإِلَّا فَأَيُّ مَشَقَّةٍ بَلَغَ بِهَا فِي ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ إِيجَابَ الْغُسْلِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نُزُولِ الْمَنِيِّ بَلْ مَتَى غَابَتِ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ الْيَوْمَ ، وَقَدْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، ثُمَّ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَوْ غَيَّبَ الْحَشَفَةَ فِي دُبُرِ امْرَأَةٍ ، أَوْ دُبُرِ رَجُلٍ ، أَوْ فَرْجِ بَهِيمَةٍ ، أَوْ دُبُرِهَا ، وَجَبَ الْغُسْلُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْلَجُ فِيهِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا ، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ عَنْ قَصْدٍ أَمْ عَنْ نِسْيَانٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُخْتَارًا أَوْ مُكْرَهًا ، أَوِ اسْتَدْخَلَتِ الْمَرْأَةُ ذَكَرَهُ وَهُوَ نَائِمٌ ، وَسَوَاءٌ انْتَشَرَ الذَّكَرُ أَمْ لَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَخْتُونًا أَمْ أَغْلَفَ ، فَيَجِبُ الْغُسْلُ فِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْفَاعِلُ أَوِ الْمَفْعُولُ بِهِ صَبِيًّا أَوْ صَبِيَّةً فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ وَجَبَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا ، وَلَكِنْ يُقَالُ : صَارَ جُنُبًا فَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا وَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْغُسْلِ كَمَا يَأْمُرَهُ بِالْوُضُوءِ ، فَإِنْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى بَلَغَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ، وَإِنْ اغْتَسَلَ فِي الصِّبَى ، ثُمَّ بَلَغَ لَمْ يَلْزَمْهُ إِعَادَةُ الْغُسْلِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالِاعْتِبَارُ فِي الْجِمَاعِ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ مِنْ صَحِيحِ الذَّكَرِ بِالِاتِّفَاقِ ، فَإِذَا غَيَّبَهَا بِكَمَالِهَا تَعَلَّقَتْ بِهِ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَغْيِيبُ جَمِيعِ ج٤ / ص٣٤الذَّكَرِ بِالِاتِّفَاقِ .
وَلَوْ غَيَّبَ بَعْضَ الْحَشَفَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَحْكَامِ بِالِاتِّفَاقِ إِلَّا وَجْهًا شَاذًّا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ جَمِيعِهَا ، وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ مُنْكَرٌ مَتْرُوكٌ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الذَّكَرُ مَقْطُوعًا فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ دُونَ الْحَشَفَةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَحْكَامِ ، وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي قَدْرَ الْحَشَفَةِ فَحَسْبُ تَعَلَّقَتِ الْأَحْكَامُ بِتَغْيِيبِهِ بِكَمَالِهِ ، وَإِنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الْحَشَفَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا أَنَّ الْأَحْكَامَ تَتَعَلَّقُ بِقَدْرِ الْحَشَفَةِ مِنْهُ ، وَالثَّانِي لَا يَتَعَلَّقُ شَيْءٌ مِنَ الْأَحْكَامِ إِلَّا بِتَغْيِيبِ جَمِيعِ الْبَاقِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَوْ لَفَّ عَلَى ذَكَرِهِ خِرْقَةً وَأَوْلَجَهُ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا مِنْهَا وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ ، وَالثَّانِي لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ أَوْلَجَ فِي خِرْقَةٍ ، وَالثَّالِثُ إِنْ كَانَتِ الْخِرْقَةُ غَلِيظَةً تَمْنَعُ وُصُولَ اللَّذَّةِ وَالرُّطُوبَةِ لَمْ يَجِبِ الْغُسْلُ .
وَإِلَّا وَجَبَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَوِ اسْتَدْخَلَتِ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ بَهِيمَةٍ وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ ، وَلَوِ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرًا مَقْطُوعًا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ .