باب مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
[ 222 ] 486 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً مِنْ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ ، وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ . قَوْلُهُ : ( مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ . ج٤ / ص١٥٢قَوْلُهَا : ( فَوَقَعَتْ يَدَيَّ عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ : لَمْسُ الْمَرْأَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَآخَرِينَ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْأَكْثَرُونَ : يَنْقُضُ وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ ، وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمَلْمُوسَ لَا يُنْتَقَضُ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَغَيْرِهِ ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ يُنْتَقَضُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا يُحْمَلُ هَذَا اللَّمْسُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فَوْقَ حَائِلٍ فَلَا يَضُرُّ .
وَقَوْلُهَا : ( وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ ) فِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ نَصْبَهُمَا فِي السُّجُودِ . وَقَوْلُهَا : ( وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ . وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ) قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : فِي هَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَسَأَلَهُ أَنْ يُجِيرَهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطِهِ ، وَبِمُعَافَاتِهِ مِنْ عُقُوبَتِهِ ، وَالرِّضَاءُ وَالسَّخَطُ ضِدَّانِ مُتَقَابِلَانِ .
وَكَذَلِكَ الْمُعَافَاةُ وَالْعُقُوبَةُ ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى ذِكْرِ مَا لَا ضِدَّ لَهُ وَهُوَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - اسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ لَا غَيْرُ ، وَمَعْنَاهُ الِاسْتِغْفَارُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي بُلُوغِ الْوَاجِبِ مِنْ حَقِّ عِبَادَتِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَيْ لَا أُطِيقُهُ وَلَا آتِي عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : لَا أُحِيطُ بِهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : مَعْنَاهُ لَا أُحْصِي نِعْمَتَكَ وَإِحْسَانَكَ وَالثَّنَاءَ بِهَا عَلَيْكَ ، وَإِنْ اجْتَهَدْتُ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ . وَقَوْلُهُ : ( أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ) اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنْ تَفْصِيلِ الثَّنَاءِ ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى بُلُوغِ حَقِيقَتِهِ ، وَرَدٌّ لِلثَّنَاءِ إِلَى الْجُمْلَةِ دُونَ التَّفْصِيلِ وَالْإِحْصَارِ وَالتَّعْيِينِ ، فَوَكَّلَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - الْمُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِصِفَاتِهِ لَا نِهَايَةَ لِلثَّنَاءِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الثَّنَاءَ تَابِعٌ لِلْمُثْنَى عَلَيْهِ ، وَكُلُّ ثَنَاءٍ أَثْنَى بِهِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَثُرَ وَطَالَ وَبُولِغَ فِيهِ فَقَدْرُ اللَّهِ أَعْظَمُ ، وَسُلْطَانُهُ أَعَزُّ ، وَصِفَاتُهُ أَكْبَرُ وَأَكْثَرُ ، وَفَضْلُهُ وَإِحْسَانُهُ أَوْسَعُ وَأَسْبَغُ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي جَوَازِ إِضَافَةِ الشَّرِّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يُضَافُ إِلَيْهِ الْخَيْرُ ؛ لِقَوْلِهِ : أَعُوذُ بِكَ مِنْ سَخَطِكَ وَمِنْ عُقُوبَتِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .