باب تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنْ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ
[11] ( 525 ) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي إسحاق ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ : وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ فَنَزَلَتْ بَعْدَمَا صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَمَرَّ بِنَاسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَهُمْ يُصَلُّونَ فَحَدَّثَهُمْ فَوَلَّوْا وُجُوهَهُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ . [12] - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي أَبُو إسحاق قَالَ : سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ : صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ . 2 - باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة فِيهِ حَدِيثُ الْبَرَاءِ ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ وَوُقُوعِهِ ، وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ .
وَفِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ إِلَى جِهَتَيْنِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا : مَنْ صَلَّى إِلَى جِهَةٍ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي أَثْنَائِهَا فَيَسْتَديرُ إِلَى الْجِهَةِ الْأُخْرَى ، حَتَّى لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ ، فَصَلَّى كُلَّ رَكْعَةٍ مِنْهَا إِلَى جِهَةٍ ؛ صَحَّتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ هَذَا الْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ اسْتَدَارُوا فِي صَلَاتِهِمْ وَاسْتَقْبَلُوا الْكَعْبَةَ وَلَمْ يَسْتَأْنِفُوهَا . وَفِيهِ : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ حَتَّى يَبْلُغُهُ . فَإِنْ قِيلَ : هَذَا نَسْخٌ لِلْمَقْطُوعِ بِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ احْتَفَتْ بِهِ قَرَائِنُ وَمُقَدِّمَاتٌ أَفَادَتِ الْعِلْمَ ، وَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ مُجَرَّدًا .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَنَّ اسْتِقْبَالَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ هَلْ كَانَ ثَابِتًا بِالْقُرْآنِ أَمْ بِاجْتِهَادِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي وَجْهَيْنِ فِي ذَلِكَ لِأَصْحَابِنَا . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ كَانَ بِسُنَّةٍ لَا بِقُرْآنٍ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْقُرْآنَ يَنْسَخُ السُّنَّةَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - . وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَهُ وَبِهِ قَالَ طَائِفَةٌ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ مُبَيِّنَةٌ لِلْكِتَابِ فَكَيْفَ يَنْسَخُهَا ؟ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : لَمْ يَكُنِ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِسُنَّةٍ ، بَلْ كَانَ بِوَحْيٍ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا الْآيَةَ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي عَكْسِهِ ، وَهُوَ نَسْخُ السُّنَّةِ لِلْقُرْآنِ ، فَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُونَ ، وَمِنْهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَطَائِفَةٌ . قَوْلُهُ : ( بَيْتُ الْمَقْدِسِ ) فِيهِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : فَتْحُ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ ، وَالثَّانِيَةُ : ضَمُّ ج٥ / ص١٨٣الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ ، وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا : إِبلِيَاءُ ، وَالْيَاءُ .
وَأَصْلُ الْمَقْدِسِ وَالتَّقْدِيسِ مِنَ التَّطْهِيرِ . وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ مَعَ بَيَانِ لُغَاتِهِ وَتَصْرِيفِهِ وَاشْتِقَاقِهِ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ .