باب السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ وَالسُّجُودِ لَهُ
[101] ( 574 ) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا ، عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ ، قَالَ زُهَيْرٌ : ، حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ ، وَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ ، فَقَالَ : أَصَدَقَ هَذَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ . فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ . [102] ( 574 ) - وَحَدَّثَنَا إسحاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ وَهُوَ الْحَذَّاءُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، قَالَ : سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنْ الْعَصْرِ ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ فَقَامَ رَجُلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ فَقَالَ : أَقُصِرَتْ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَخَرَجَ مُغْضَبًا فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي كَانَ تَرَكَ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ سَلَّمَ .
ج٥ / ص٢٢٧قَوْلُهُ : ( وَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ ) يَعْنِي لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ بِشَأْنِ الصَّلَاةِ ، خَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ وَلَمْ يَتَمَهَّلْ لِيَلْبَسَهُ . قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ فِي حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ ( سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِيمٍ وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ ( مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ ) وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُوَافِقُ لِبَاقِي الرِّوَايَاتِ ، وَفِي بَعْضِهَا ( بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ ) ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ . وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ هَذَا فِيهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ وَقَوَاعِدُ مُهِمَّةٌ .
مِنْهَا جَوَازُ النِّسْيَانِ فِي الْأَفْعَالِ وَالْعِبَادَاتِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَأَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ . وَمِنْهَا : أَنَّ الْوَاحِدَ إِذَا ادَّعَى شَيْئًا جَرَى بِحَضْرَةِ جَمْعٍ كَثِيرٍ لَا يَخَفى عَلَيْهِمْ ، سَئَلُوا عَنْهُ وَلَا يُعْمَلُ بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ . وَمِنْهَا : إِثْبَاتُ سُجُودِ السَّهْوِ ، وَأَنَّهُ سَجْدَتَانِ ، وَأَنَّهُ يُكَبِّرُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، وَأَنَّهُمَا عَلَى هَيْئَةِ سُجُودِ الصَّلَاةِ ، لِأَنَّهُ أَطْلَقَ السُّجُودَ ، فَلَوْ خَالَفَ الْمُعْتَادَ لَبَيَّنَهُ ، وَأَنَّهُ يُسَلِّمُ مِنْ سُجُودِ السَّهْوِ ، وَأَنَّهُ لَا تَشَهُّدَ لَهُ وَأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ فِي الزِّيَادَةِ يَكُونُ بَعْدَ السَّلَامِ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَحْمِلُهُ عَلَى أَنَّ تَأْخِيرَ سُجُودِ السَّهْوِ كَانَ نِسْيَانًا لَا عَمْدًا .
وَمِنْهَا : أَنَّ كَلَامَ النَّاسِي لِلصَّلَاةِ وَالَّذِي يُظَنُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا لَا يُبْطِلُهَا ، وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَخِيهِ عُرْوَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ وَجَمِيعِ الْمُحَدِّثِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ : تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِالْكَلَامِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَزَعَمُوا أَنَّ حَدِيثَ قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، قَالُوا : لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَنَقَلُوا عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَأَنَّ قَضَيَّتَهُ فِي الصَّلَاةِ كَانَتْ قَبْلَ بَدْرٍ ، قَالُوا : وَلَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا كَوْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ عَنْ بَدْرٍ ، لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ قَدْ يَرْوِي مَا لَا يَحْضُرُهُ بِأَنْ يَسْمَعَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ صَحَابِيٍّ آخَرَ . وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَنْ هَذَا بِأَجْوِبَةٍ صَحِيحَةٍ حَسَنَةٍ مَشْهُورَةٍ ، أَحْسَنُهَا وَأَتْقَنُهَا : مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ . قَالَ : أَمَّا ادِّعَاؤُهُمْ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ ج٥ / ص٢٢٨أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسِّيَرِ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ بِمَكَّةَ حِينَ رَجَعَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، وَأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ ، وَإِنَّمَا أَسْلَمَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَامَ خَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ بِلَا خِلَافٍ .
وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَلَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُ قَبْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ بَعْدَهُ ، وَالنَّظَرُ يَشْهَدُ أَنَّهُ قَبْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُم : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَشْهَدْ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ، بَلْ شُهُودُهُ لَهَا مَحْفُوظٌ مِنْ رِوَايَاتِ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظِ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ فِي صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ فَسَلَّمَ مِنِ اثْنَيْنِ . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَفِي رِوَايَاتٍ : ( صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) .
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ( بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي مُسْلِمٍ : ( بَيْنَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ) قَالَ : وَقَدْ رَوَى قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، وَابْنُ مَسْعَدَةَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَكُلُّهُمْ لَمْ يَحْفَظْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا صَحِبَهُ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ مُتَأَخِّرًا ، ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَهُمْ بِطُرُقِهَا .
قَالَ : وَابْنُ مَسْعَدَةَ هَذَا رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يُقَالُ لَهُ : صَاحِبُ الْجُيُوشِ اسْمُهُ : عَبْدُ اللَّهِ ، مَعْرُوفٌ فِي الصَّحَابَةِ لَهُ رِوَايَةٌ . قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إِنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَغَلَطٌ ، وَإِنَّمَا الْمَقْتُولُ يَوْمَ بَدْرٍ ذُو الشِّمَالَيْنِ ، وَلَسْنَا نُدَافِعُهُمْ أَنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ ؛ لِأَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ ذَكَرَهُ فِيمَنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : ذُو الشِّمَالَيْنِ هُوَ عُمَيْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَيْشَانَ مِنْ خُزَاعَةَ حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَذُو الْيَدَيْنِ غَيْرُ ذِي الشِّمَالَيْنِ الْمَقْتُولِ بِبَدْرٍ بِدَلِيلِ حُضُورِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَنْ ذَكَرْنَا قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِيمٍ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ .
وَفِي رِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْمُهُ : الْخِرْبَاقُ . ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ ، فَذُو الْيَدَيْنِ الَّذِي شَهِدَ السَّهْوَ فِي الصَّلَاةِ سُلَمِيٌّ ، وَذُو الشِّمَالَيْنِ الْمَقْتُولُ بِبَدْرٍ خُزَاعِيٌّ يُخَالِفُهُ فِي الِاسْمِ وَالنَّسَبِ ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَجُلَانِ وَثَلَاثَةٌ يُقَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ : ذُو الْيَدَيْنِ ، وَذُو الشِّمَالَيْنِ ، لَكِنَّ الْمَقْتُولَ بِبَدْرٍ غَيْرَ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ السَّهْوِ . هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحِذْقِ وَالْفَهْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ ، ثُمَّ رُوِيَ هَذَا بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُسَدَّدٍ .
وَأَمَّا : إِنَّ الْمُتَكَلِّمَ ذُو الشِّمَالَيْنِ ، فَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ ، وَقَدِ اضْطَرَبَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ اضْطِرَابًا أَوْجَبَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ تَرْكَهُ مِنْ رِوَايَتِهِ الْخَاصَّةِ ، ثُمَّ ذَكَرَ طُرُقَهُ وَبَيَّنَ اضْطِرَابَهَا فِي الْمَتْنِ وَالْإِسْنَادِ ، وَذَكَرَ أَنَّ مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ غَلَّطَ الزُّهْرِيَّ فِي حَدِيثِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ الْمُصَنَّفِينَ فِيهِ عَوَّلَ عَلَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَكُلُّهمْ تَرَكُوهُ لِاضْطِرَابِهِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ لَهُ إِسْنَادًا وَلَا مَتْنًا وَإِنْ كَانَ إِمَامًا عَظِيمًا فِي هَذَا الشَّأْنِ . فَالْغَلَطُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ بَشَرٌ ، وَالْكَمَالُ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ : أَنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مَتْرُوكٌ لِتَحَقُّقِ غَلَطِهِ فِيهِ.
هَذَا كَلَامُ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مُخْتَصَرًا ، وَقَدْ بَسَطَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - شَرْحَ هَذَا الْحَدِيثِ بَسْطًا لَمْ يَبْسُطْهُ غَيْرُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى التَّحْقِيقِ وَالْإِتْقَانِ وَالْفَوَائِدِ الْجَمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ تَكَلَّمَ ذُو الْيَدَيْنِ وَالْقَوْمُ وَهُمْ بَعْدُ فِي الصَّلَاةِ ؟ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى يَقِينٍ مِنَ الْبَقَاءِ فِي الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجَوِّزِينَ نَسْخَ الصَّلَاةِ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى رَكْعَتَيْنِ ، وَلِهَذَا قَالَ : أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ ؟ وَالثَّانِي : أَنَّ هَذَا كَانَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَوَابًا ، وَذَلِكَ لَا يُبْطِلُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ غَيْرِنَا ، وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ بِذَلِكَ ،
وَفِي رِوَايَةٍ ج٥ / ص٢٢٩لِأَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ الْجَمَاعَةَ أَوْمَؤُوا أَيْ نَعَمْ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَتَكَلَّمُوا ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ ، وَعِنْدكُمْ لَا يَجُوزُ لِلْمُصَلِّي الرُّجُوعُ فِي قَدْرِ صَلَاتِهِ إِلَى قَوْلِ غَيْرِهِ إِمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا ، وَلَا يَعْمَلُ إِلَّا عَلَى يَقِينِ نَفْسِهِ ؟ فَجَوَابُهُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَهُمْ لِيَتَذَكَّرَ ، فَلَمَّا ذَكَّرُوهُ تَذَكَّرَ فَعَلِمَ السَّهْوَ فَبَنَى عَلَيْهِ ، لَا أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى مُجَرَّدِ قَوْلِهِ ، وَلَوْ جَازَ تَرْكُ يَقِينِ نَفْسِهِ وَالرُّجُوعِ إِلَى قَوْلِ غَيْرِهِ لَرَجَعَ ذُو الْيَدَيْنِ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمْ تُقْصَرْ وَلَمْ أَنْسَ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ وَالْخُطُوَاتِ إِذَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ سَهْوًا لَا تُبْطِلُهَا ، كَمَا لَا يُبْطِلُهَا الْكَلَامُ سَهْوًا . وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا : أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْمُتَوَلِّي : لَا يُبْطِلُهَا ، لِهَذَا الْحَدِيثِ ؛ فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَشَى إِلَى الْجِذْعِ وَخَرَجَ السَّرَعَانُ .
وَفِي رِوَايَةٍ : ( دَخَلَ الْحُجْرَةَ ثُمَّ خَرَجَ وَرَجَعَ النَّاسُ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ ) . وَالْوَجْهُ الثَّانِي - وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ - : أَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِذَلِكَ ، وَهَذَا مُشْكِلٌ ، وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ صَعْبٌ عَلَى مَنْ أَبْطَلَهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .