باب التَّغْلِيظِ فِي تَفْوِيتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ
[200] ( 626 ) - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ . وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ عَمْرٌو : يَبْلُغُ بِهِ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : رَفَعَهُ . [201] - وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ .
35 - بَاب التَّغْلِيظِ فِي تَفْوِيتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا فوت أَهْلَهُ وَمَالَهُ ) رُوِيَ بِنَصْبِ اللَّامَيْنِ وَرَفْعِهِمَا ، وَالنَّصْبُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ ، وَمَنْ رَفَعَ فَعَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ . وَمَعْنَاهُ : انْتُزِعَ مِنْهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ ، وَهَذَا تَفْسِيرُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ . وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ فَقَالَ ج٥ / ص٢٦٧الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : مَعْنَاهُ نُقِصَ هُوَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَسُلِبَهُ ، فَبَقِيَ بِلَا أَهْلٍ وَلَا مَالٍ ، فَلْيَحْذَرْ مِنْ تَفْوِيتِهَا كَحَذَرِهِ مِنْ ذَهَابِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ .
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ أَنَّهُ كَالَّذِي يُصَابُ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ إِصَابَةً يَطْلُبُ بِهَا وَتْرًا ، وَالْوَتْرُ الْجِنَايَةُ الَّتِي يَطْلُبُ ثَأْرَهَا فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ غَمَّانِ : غَمُّ الْمُصِيبَةِ وَغَمُّ مُقَاسَاةِ طَلَبِ الثَّأْرِ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ : مَعْنَاهُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِرْجَاعِ مَا تَوَجَّهُ عَلَى مَنْ فَقَدَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ ، فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ النَّدَمُ وَالْأَسَفُ لِتَفْوِيتِهِ الصَّلَاةَ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ فَاتَهُ مِنَ الثَّوَابِ مَا يَلْحَقهُ مِنَ الْأَسَفِ عَلَيْهِ كَمَا يَلْحَقُ مَنْ ذَهَبَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِفَوَاتِ الْعَصْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ : هُوَ فِيمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ ، وَقَالَ سَحْنُونُ ، وَالْأَصِيلِيُّ : هُوَ أَنْ تَفُوتَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَقِيلَ : هُوَ تَفْوِيتُهَا إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ ، وَقَدْ وَرَدَ مُفَسَّرًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ .
قَالَ فِيهِ : وَفَوَاتُهَا أَنْ يَدْخُلَ الشَّمْسَ صُفْرَةٌ ، وَرُوِيَ عَنْ سَالِمٍ أَنَّهُ قَالَ : هَذَا فِيمَنْ فَاتَتْهُ نَاسِيًا ، وَعَلَى قَوْلِ الدَّاوُدِيِّ هُوَ فِي الْعَامِدِ ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ : ( مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ حَبَطَ عَمَلُهُ ) وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْعَامِدِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْحَقَ بِالْعَصْرِ بَاقِي الصَّلَوَاتِ : وَيَكُونُ نَبَّهَ بِالْعَصْرِ عَلَى غَيْرِهَا ، وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا تَأْتِي وَقْتَ تَعَبِ النَّاسِ مِنْ مُقَاسَاةِ أَعْمَالِهِمْ وَحِرْصِهِمْ عَلَى قَضَاءِ أَشْغَالِهِمْ وَتَسْوِيفِهِمْ بِهَا إِلَى انْقِضَاءِ وَظَائِفِهِمْ . وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ فِي الْعَصْرِ ، وَلَمْ تَتَحَقَّقِ الْعِلَّةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ فَلَا يُلْحَقُ بِهَا غَيْرُهَا بِالشَّكِّ وَالتَّوَهُّمِ ، وَإِنَّمَا يُلْحَقُ غَيْرُ الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ إِذَا عَرَفْنَا الْعِلَّةَ وَاشْتَرَكَا فِيهَا .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَمْرٌو يَبْلُغُ بِهِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَفَعَهُ ) هُمَا بِمَعْنًى ، لَكِنَّ عَادَةَ مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمُحَافَظَةُ عَلَى اللَّفْظِ وَإِنْ اتَّفَقَ مَعْنَاهُ وَهِيَ عَادَةٌ جَمِيلَةٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .