باب اسْتِحْبَابِ رَكْعَتَيْ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِمَا وَتَخْفِيفِهِمَا
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ . قَوْلُهُ : كَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ : تُكْرَهُ الصَّلَاةُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا سُنَّةُ الصُّبْحِ ، وَمَا لَهُ سَبَبٌ ، وَلِأَصْحَابِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : هَذَا ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ . وَالثَّانِي : لَا تَدْخُلُ الْكَرَاهَةُ حَتَّى يُصَلِّيَ سُنَّةَ الصُّبْحِ .
وَالثَّالِثُ : لَا تَدْخُلُ الْكَرَاهَةُ حَتَّى يُصَلِّيَ فريضة الصُّبْحِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ إِنَّمَا فِيهِ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ وَيُخَفِّفُهُمَا وَفِي رِوَايَةٍ : ( إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ ) فِيهِ : أَنَّ سُنَّةَ الصُّبْحِ لَا يَدْخُلُ وَقْتُهَا إِلَّا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَاسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِهَا فِي أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَتَخْفِيفِهَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : لَا بَأْسَ بِإِطَالَتِهِمَا ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي اسْتِحْبَابِ التَّخْفِيفِ . وَقَدْ بَالَغَ قَوْمٌ فَقَالُوا : لَا قِرَاءَةَ فِيهِمَا أَصْلًا حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَالْقَاضِي ، وَهُوَ غَلَطٌ بَيِّنٌ ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾وَفِي رِوَايَةٍ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا وَثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ : لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ ، وَلَا صَلَاةَ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَلَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِالْقُرْآنِ .
وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لِلصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ؛ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ : ( إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ) . وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي فِي الْبَابِ الْمُرَادُ بِهِ الْأَذَانُ الثَّانِي .