باب جَوَازِ النَّافِلَةِ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَفِعْلِ بَعْضِ الرَّكْعَةِ قَائِمًا وَبَعْضِهَا قَاعِدًا
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، وَابْنُ بَشَّارٍ ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ح ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْأَعْرَجِ قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ عَنْ حَفْصَةَ ) هَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ صَحَابِيُّونَ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ : السَّائِبُ وَالْمُطَّلِبُ وَحَفْصَةُ . قَوْلُهُ : هِلَالُ بْنُ يَسَافَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِهَا ، وَيُقَالُ فِيهِ : إِسَافٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ . قولُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ وَجَدَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي جَالِسًا قَالَ : فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قُلْتُ : حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ قُلْتَ : صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا ؟ قَالَ : أَجَلْ وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ ) مَعْنَاهُ أَنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ فِيهَا نِصْفُ ثَوَابِ الْقَائِمِ فَيَتَضَمَّنُ صِحَّتَهَا وَنُقْصَانَ أَجْرِهَا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى صَلَاةِ النَّفْلِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ ، فَهَذَا لَهُ نِصْفُ ثَوَابِ الْقَائِمِ .
وَأَمَّا إِذَا صَلَّى النَّفْلَ قَاعِدًا لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ فَلَا يَنْقُصُ ثَوَابُهُ ، بَلْ يَكُونُ كَثَوَابِهِ قَائِمًا . وَأَمَّا الْفَرْضُ فَإِنَّ الصَّلَاةَ قَاعِدًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ لَمْ يَصِحَّ فَلَا يَكُونُ فِيهِ ثَوَابٌ ، بَلْ يَأْثَمُ بِهِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِنْ اسْتَحَلَّهُ كَفَرَ ، وَجَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ ، كَمَا لَوِ اسْتَحَلَّ الزِّنَا ، الرِّبَا أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الشَّائِعَةِ التَّحْرِيمِ .
وَإِنْ صَلَّى الْفَرْضَ قَاعِدًا لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ ، أَوْ مُضْطَجِعًا لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ فَثَوَابُهُ كَثَوَابِهِ قَائِمًا لَمْ يَنْقُصْ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا . فَيَتَعَيَّنُ حَمْلَ الْحَدِيثِ فِي تَنْصِيفِ الثَّوَابِ عَلَى مَنْ صَلَّى النَّفْلَ قَاعِدًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ . هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ .
وَحُكِيَ عَنِ الْبَاجِيِّ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْمُصَلِّي فَرِيضَةً لِعُذْرٍ ، أَوْ نَافِلَةٍ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ . قَالَ : وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَنْ لَهُ عُذْرٌ يُرَخِّصُ فِي العقود فِي الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ ، وَيُمْكِنُهُ الْقِيَامُ بِمَشَقَّةٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَسْتُ كَأَحَدٍ مَنْكُمْ ) فَهُوَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجُعِلَتْ نَافِلَتُهُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ كَنَافِلَتِهِ تَشْرِيفًا لَهُ كَمَا خُصَّ بَأَشْيَاءَ مَعْرُوفَةٍ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدِ اسْتَقْصَيْتُهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَالْلُّغَاتِ .
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : مَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ مِنَ الْقِيَامِ لِحَطْمِ النَّاسِ وَلِلسِّنِّ فَكَانَ أَجْرُهُ تَامًّا بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا عُذْرَ لَهُ . هَذَا كَلَامُهُ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ غَيْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنْ كَانَ مَعْذُورًا فَثَوَابُهُ أَيْضًا كَامِلٌ ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ فَلَيْسَ هُوَ كَالْمَعْذُورِ فَلَا يَبْقَى فِيهِ تَخْصِيصٌ ، فَلَا يَحْسُنُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ ( لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ ) وَإِطْلَاقُ هَذَا الْقَوْلِ . فَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا أَنَّ نَافِلَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ ثَوَابُهَا كَثَوَابِهِ قَائِمًا وَهُوَ مِنَ الْخَصَائِصِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ كَيْفِيَّةِ الْقُعُودِ مَوْضِعَ الْقِيَامِ فِي النَّافِلَةِ وَكَذَا فِي الْفَرِيضةِ إِذَا عَجَزَ ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا : يَقْعُدُ مُفْتَرِشًا ، وَالثَّانِي مُتَرِبِّعًا . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مُتَوَرِّكًا ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا : نَاصِبًا رُكْبَتَهُ . وَكَيْفَ قَعَدَ جَازَ ، لَكِنِ الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا جَوَازُ التَّنَفُّلِ مُضْطَجِعًا لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي الْبُخَارِيِّ : وَمَنْ صَلَّى قَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ وَإِذَا صَلَّى مُضْطَجِعًا فَعَلَى يَمِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ جَازَ ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَفْضَلِ ، فَإِنْ اسْتَلْقَى مَعَ إِمْكَانِ الِاضْطِجَاعِ لَمْ يَصِحَّ .
قِيلَ : الْأَفْضَلُ مُسْتَلْقِيًا ، وَأَنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ لَا يَصِحُّ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .