بَابُ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدُعَائِهِ بِاللَّيْلِ
768 - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ 199 - 769 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، أَنْتَ الْحَقُّ ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالُوا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ح ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ فَاتَّفَقَ لَفْظُهُ مَعَ حَدِيثِ مَالِكٍ لَمْ يَخْتَلِفَا إِلَّا فِي حَرْفَيْنِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ مَكَانَ قَيَّامُ : قَيِّمُ ، وَقَالَ : وَمَا أَسْرَرْتُ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ وَيُخَالِفُ مَالِكًا وَابْنَ جُرَيْجٍ فِي أَحْرُفٍ . وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ الْقَصِيرُ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا الْحَدِيثِ وَاللَّفْظُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ .
قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ مُنَوِّرُهُمَا وَخَالِقُ نُورِهِمَا ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : مَعْنَاهُ بِنُورِكَ يَهْتَدِي أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي تَفْسِيرِ اسْمِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - النُّورِ ، وَمَعْنَاهُ الَّذِي بِنُورِهِ يُبْصِرُ ذُو الْعِمَايَةِ ، وَبِهِدَايَتِهِ يَرْشُدُ ذُو الْغَوَايَةِ . قَالَ : وَمِنْهُ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ أَيْ مِنْهُ نُورُهُمَا .
قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ ذُو النُّورِ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ النُّورُ صِفَةَ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى . وَإِنَّمَا هُوَ صِفَةُ فِعْلٍ أَيْ هُوَ خَالِقُهُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : مَعْنَى نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ : مُدَبِّرُ شَمْسِهَا وَقَمَرِهَا وَنُجُومِهَا . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : ( قَيِّمُ ) .
قَالَ الْعُلَمَاءُ : مِنْ صِفَاتِهِ الْقَيَّامُ ، وَالْقَيِّمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَالْقَيُّومُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَقَائِمٌ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ قَالَ الْهَرَوِيُّ : وَيُقَالُ : قَوَّامٌ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْقَيُّومُ الَّذِي لَا يَزُولُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، وَمَعْنَاهُ مُدَبِّرُ أَمْرِ خَلْقِهِ ، وَهُمَا سَائِغَانِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : لِلرَّبِّ ثَلَاثُ مَعَانٍ فِي اللُّغَةِ : السَّيِّدُ الْمُطَاعُ ، فَشَرْطُ الْمَرْبُوبِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْقِلُ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْخَطَّابِيُّ بِقَوْلِهِ : لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ سَيِّدُ الْجِبَالِ وَالشَّجَرِ .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : هَذَا الشَّرْطُ فَاسِدٌ بَلِ الْجَمِيعُ مُطِيعٌ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أَتَيْنَا طَائِعِينَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَنْتَ الْحَقُّ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْحَقُّ فِي أَسْمَائِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - مَعْنَاهُ الْمُتَحَقِّقُ وُجُودُهُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ صَحَّ وُجُودُهُ وَتَحَقَّقَ فَهُوَ حَقٌّ ، وَمِنْهُ : الْحَاقَّةُ أَيِ الْكَائِنَةُ حَقًّا بِغَيْرِ شَكٍّ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : ( وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ) أَيْ كُلُّهُ مُتَحَقِّقٌ لَا شَكَّ فِيهِ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ خَبَرُكَ حَقٌّ وَصِدْقٌ ، وَقِيلَ : أَنْتَ صَاحِبُ الْحَقِّ ، وَقِيلَ : مُحِقُّ الْحَقِّ ، وَقِيلَ : الْإِلَهُ الْحَقُّ دُونَ مَا يَقُولُهُ الْمُلْحِدُونَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ : ( وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ) أَيْ ، وَمَعْنَى صِدْقٌ ( لِقَاؤُكَ حَقٌّ ) أَيِ الْبَعْثُ ، وَقِيلَ : الْمَوْتُ .
وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ ، وَالصَّوَابُ الْبَعْثُ ، فَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ وَمَا بَعْدَهُ ، وَهُوَ الَّذِي يُرَدُّ بِهِ عَلَى الْمُلْحِدِ لَا بِالْمَوْتِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَلَكَ خَاصَمْتُ ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ، فَاغْفِرْ لِي ) إِلَى آخِرِهِ . مَعْنَى ( أَسْلَمْتُ ) اسْتَسْلَمْتُ وَانْقَدْتُ لِأَمْرِكَ وَنَهْيِكَ ، ( وَبِكَ آمَنْتُ ) أَيْ صَدَّقْتُ بِكَ وَبِكُلِّ مَا أَخْبَرْتَ ، وَأَمَرْتَ وَنَهَيْتَ ، ( وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ) أَيْ أَطَعْتُ وَرَجَعْتُ إِلَى عِبَادَتِكَ أَيْ أَقْبَلْتُ عَلَيْهَا ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ رَجَعْتُ إِلَيْكَ فِي تَدْبِيرِي ، أَيْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ ، ( وَبِكَ خَاصَمْتُ ) أَيْ بِمَا أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْبَرَاهِينِ وَالْقُوَّةِ خَاصَمْتُ مَنْ عَانَدَ فِيكَ وَكَفَرَ بِكَ ، وَقَمَعْتُهُ بِالْحُجَّةِ وَبِالسَّيْفِ ( وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ) أَيْ كُلَّ مَنْ جَحَدَ الْحَقَّ حَاكَمْتُهُ إِلَيْكَ ، وَجَعَلْتُكَ الْحَاكِمَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَا غَيْرُكَ مِمَّا كَانَتْ تَحَاكَمُ إِلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ صَنَمٍ وَكَاهِنٍ وَنَارٍ وَشَيْطَانٍ وَغَيْرِهَا ، فَلَا أَرْضَى وَلَا أَعْتَمِدُ غَيْرَهُ .
وَمَعْنَى سُؤَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْفِرَةَ مَعَ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ : أَنَّهُ يَسْأَلُ ذَلِكَ تَوَاضُعًا وَخُضُوعًا وَإِشْفَاقًا وَإِجْلَالًا ، وَلِيُقْتَدَى بِهِ فِي أَصْلِ الدُّعَاءِ وَالْخُضُوعِ وَحُسْنِ التَّضَرُّعِ فِي هَذَا الدُّعَاءِ الْمُعَيَّنِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مُوَاظَبَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اللَّيْلِ عَلَى الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالِاعْتِرَافِ لِلَّهِ تَعَالَى بِحُقُوقِهِ وَالْإِقْرَارِ بِصِدْقِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَالْبَعْثِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .