بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ ، حَدَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَوَاتِ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ : زَكَرِيَّاءُ ، عَنْ سِمَاكٍ . 43 - 867 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ : صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ وَيَقُولُ : بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَيَقُولُ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ 44 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ .
45 - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ النَّاسَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ يَقُولُ : مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَخَيْرُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ . قَوْلُهُ : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ : صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ وَيَقُولُ : بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَيَقُولُ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ ، وَخَيْرَ الْهَدْيَ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ ) فِي هَذَا الْحَدِيثِ جُمَلٌ مِنَ الْفَوَائِدِ وَمُهِمَّاتٌ مِنَ الْقَوَاعِدِ ، فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ : ( يَقُولُ صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ ) عَائِدٌ عَلَى مُنْذِرِ جَيْشٍ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ ) أَيْ بِنَصْبِهَا وَرَفْعِهَا ، وَالْمَشْهُورُ نَصْبُهَا عَلَى الْمَفْعُولِ معه وَقَوْلُهُ : ( يَقْرُنُ ) هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْفَصِيحُ ، وَحُكِيَ كَسْرُهَا .
وَقَوْلُهُ : ( السَّبَّابَةُ ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُشِيرُونَ بِهَا عِنْدَ السَّبِّ . وَقَوْلُهُ : ( خَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ) هُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ فِيهِمَا وَبِفَتْحِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ أَيْضًا ضَبَطْنَاهُ بِالْوَجْهَيْنِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ بِالْوَجْهَيْنِ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : رَوَيْنَاهُ فِي مُسْلِمٍ بِالضَّمِّ ، وَفِي غَيْرِهِ بِالْفَتْحِ ، وَبِالْفَتْحِ ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ ، وَفَسَّرَهُ الْهَرَوِيُّ عَلَى رِوَايَةِ الْفَتْحِ بِالطَّرِيقِ ، أَيْ أَحْسَنُ الطُّرُقِ طَرِيقُ مُحَمَّدٍ ، يُقَالُ : فُلَانٌ حَسَنُ الْهَدْيِ أَيِ الطَّرِيقَةِ وَالْمَذْهَبِ ، اهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الضَّمِّ فَمَعْنَاهُ : الدَّلَالَةُ وَالْإِرْشَادُ .
قَالَ الْعُلَمَاءُ : لَفْظُ الْهَدْيِ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا : بِمَعْنَى الدَّلَالَةِ وَالْإِرْشَادِ ، وَهُوَ الَّذِي يُضَافُ إِلَى الرُّسُلِ وَالْقُرْآنِ وَالْعِبَادِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ و هُدًى لِلْمُتَّقِينَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ أَيْ بَيَّنَّا لَهُمُ الطَّرِيقَ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ وَالثَّانِي : بِمَعْنَى اللُّطْفِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْعِصْمَةِ وَالتَّأْيِيدِ ، وَهُوَ الَّذِي تَفَرَّدَ اللَّهُ بِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَقَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ : حَيْثُ جَاءَ الْهُدَى فَهُوَ لِلْبَيَانِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمُ الْفَاسِدِ فِي إِنْكَارِ الْقَدَرِ ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ مُثْبِتِي الْقَدَرِ لِلَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾فَفَرَّقَ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالْهِدَايَةِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ) هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ ، وَالْمُرَادُ غَالِبُ الْبِدَعِ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : هِيَ كُلُّ شَيْءٍ عُمِلَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ .
قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْبِدْعَةُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ : وَاجِبَةٌ ، وَمَنْدُوبَةٌ وَمُحَرَّمَةٌ ، وَمَكْرُوهَةٌ ، وَمُبَاحَةٌ . فَمِنَ الْوَاجِبَةِ : نَظْمُ أَدِلَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ لِلرَّدِّ عَلَى الْمَلَاحِدَةِ وَالْمُبْتَدِعِينَ وَشِبْهُ ذَلِكَ . وَمِنَ الْمَنْدُوبَةِ : تَصْنِيفُ كُتُبِ الْعِلْمِ ، وَبِنَاءُ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَغَيْرُ ذَلِكَ .
وَمِنَ الْمُبَاحِ : التَّبَسُّطُ فِي أَلْوَانِ الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ . وَالْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ ظَاهِرَانِ . وَقَدْ أَوْضَحْتُ الْمَسْأَلَةَ بِأَدِلَّتِهَا الْمَبْسُوطَةِ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ ، فَإِذَا عُرِفَ مَا ذَكَرْتُهُ عُلِمَ أَنَّ الْحَدِيثَ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ .
وَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ ، وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي التَّرَاوِيحِ : نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِ الْحَدِيثِ عَامًّا مَخْصُوصًا . قَوْلُهُ : ( كُلُّ بِدْعَةٍ ) مُؤَكَّدًا ( بِكُلِّ ) ، بَلْ يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ مَعَ ذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ ) هُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَيْ أَحَقُّ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : فَكَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اضْطُرَّ إِلَى طَعَامِ غَيْرِهِ وَهُوَ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ لِنَفْسِهِ كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْذُهُ مِنْ مَالِكِهِ الْمُضْطَرِّ ، وَوَجَبَ عَلَى مَالِكِهِ بَذْلُهُ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالُوا : وَلَكِنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَمَا وَقَعَ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ ) .
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الضَّيَاعُ - بِفَتْحِ الضَّادِ - الْعِيَالُ ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : أَصْلُهُ مَصْدَرُ ضَاعَ يَضِيعُ ضَيَاعًا ، الْمُرَادُ مَنْ تَرَكَ أَطْفَالًا وَعِيَالًا ذَوِي ضَيَاعٍ ، فَأَوْقَعَ الْمَصْدَرَ مَوْضِعَ الِاسْمِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يُخَلِّفْ بِهِ وَفَاءً ؛ لِئَلَّا يَتَسَاهَلَ النَّاسُ فِي الِاسْتِدَانَةِ وَيُهْمِلُوا الْوَفَاءَ ، فَزَجَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَبَادِئ الْفُتُوحِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ أَيْ قَضَاؤُهُ فَكَانَ يَقْضِيهِ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا : هَلْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الدَّيْنِ أَمْ كَانَ يَقْضِيهِ تَكَرُّمًا ؟ وَالْأَصَحُّ عِنْدهُمْ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ هَذِهِ مِنَ الْخَصَائِصِ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مِنْ خَصَائِصِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يَقْضِيَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ دَيْنَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ إِذَا لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً ، وَكَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَهَمَّ مِنْهُ .
قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ) قَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَمْثِيلٌ لِمُقَارَبَتِهَا ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا إِصْبَعٌ أُخْرَى كَمَا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاعَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِتَقْرِيبِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُدَّةِ وَأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا كَنِسْبَةِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْإِصْبَعَيْنِ تَقْرِيبًا لَا تَحْدِيدًا . قَوْلُهُ : ( إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ ) يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يُفَخِّمَ أَمْرَ الْخُطْبَةِ ، وَيَرْفَعَ صَوْتَهُ ، وَيُجْزِلَ كَلَامَهُ ، وَيَكُونَ مُطَابِقًا لِلْفَصْلِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ مِنْ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ . وَلَعَلَّ اشْتِدَادَ غَضَبِهِ كَانَ عِنْدَ إِنْذَارِهِ أَمْرًا عَظِيمًا وَتَحْدِيدِهِ خَطْبًا جَسِيمًا .