بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ
869 - حَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ : قَالَ أَبُو وَائِلٍ : خَطَبَنَا عَمَّارٌ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا : يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ ؟ فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا قَوْلُهُ : ( عَبْدُ الْمَلَكِ بْنُ أَبْجَرَ ) بِالْجِيمِ . قَوْلُهُ : ( وَاصِلُ بْنُ حَيَّانَ ) بِالْمُثَنَّاةِ . قَوْلُهُ : ( لَوْ كُنْتُ تَنَفَّسْتُ ) أَيْ أَطَلْتُ قَلِيلًا .
قَوْلُهُ : - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ نُونٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْ عَلَامَةٌ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ : الْمِيمُ فِيهَا زَائِدَةٌ ، وَهِيَ مَفْعَلَةٌ . قَالَ الْهَرَوِيُّ : قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : غَلِطَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي جَعْلِهِ الْمِيمَ أَصْلِيَّةً .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ سَرَّاجٍ : هِيَ أَصْلِيَّةٌ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ ) الْهَمْزَةُ فِي وَاقْصُرُوا هَمْزَةُ وَصْلٍ . وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفًا لِلْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْأَمْرِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : وَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَكُونُ طَوِيلَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخُطْبَةِ لَا تَطْوِيلًا يَشُقُّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ وَهِيَ حِينَئِذٍ قَصْدٌ أَيْ مُعْتَدِلَةٌ وَالْخُطْبَةُ قَصْدٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَضْعِهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هُوَ مِنَ الْفَهْمِ وَذَكَاءِ الْقَلْبِ .
قَالَ الْقَاضِي : فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ ذَمٌّ لِأَنَّهُ إِمَالَةُ الْقُلُوبِ وَصَرْفُهَا بِمَقَاطِعِ الْكَلَامِ إِلَيْهِ حَتَّى يَكْسِبَ مِنَ الْإِثْمِ بِهِ كَمَا يَكْسِبُ بِالسِّحْرِ ، وَأَدْخَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَهُوَ مَذْهَبُهُ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ . وَالثَّانِي أَنَّهُ مَدْحٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِتَعْلِيمِهِمُ الْبَيَانَ وَشَبَّهَهُ بِالسِّحْرِ لِمَيْلِ الْقُلُوبِ إِلَيْهِ وَأَصْلُ السِّحْرِ الصَّرْفُ فَالْبَيَانُ يَصْرِفُ الْقُلُوبَ وَيَمِيلُهَا إِلَى مَا تَدْعُو إِلَيْهِ ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ أَبْجَرَ ، عَنْ وَاصِلٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : خَطَبَنَا عَمَّارٌ ) هَذَا الْإِسْنَادُ مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ أَبْجَرَ ، عَنْ وَاصِلٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، وَخَالَفَهُ الْأَعْمَشُ ، وَهُوَ أَحْفَظُ بِحَدِيثِ أَبِي وَائِلٍ فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ .
هَذَا كَلَامُ الدَّارَقُطْنِيِّ . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ مَرْدُودٌ لِأَنَّ ابْنَ أَبْجَرَ ثِقَةٌ يَوجِبُ قَبُولُ رِوَايَتِهِ .