حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

باب التحذير من الاغترار بزينة الدنيا وما يبسط منها

[121] 1052 - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ . ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ - قَالَ : حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ : " لَا وَاللَّهِ مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِلَّا مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا " فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ ، فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : كَيْفَ قُلْتَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ ، أَوَخَيْرٌ هُوَ ، إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ الشَّمْسَ ثَلَطَتْ أَوْ بَالَتْ ثُمَّ اجْتَرَّتْ فَعَادَتْ فَأَكَلَتْ ، فَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِحَقِّهِ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ ، وَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ " . ج٧ / ص١١٦( 41 ) باب التحذير من الاغترار بزينة الدنيا وما يبسط منها قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا وَاللَّهِ مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِلَّا مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا ) فِيهِ التَّحْذِيرُ مِنْ الِاغْتِرَارِ بِالدُّنْيَا وَالنَّظَرِ إِلَيْهَا ، وَالْمُفَاخَرَةِ بِهَا ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ إِذَا كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ فِي التَّوْكِيدِ وَالتَّفْخِيمِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النُّفُوسِ .

قَوْلُهُ : ( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ أَوَخَيْرٌ هُوَ ، إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ أَكَلَتْ حَتَّى امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ ثَلَطَتْ أَوْ بَالَتْ ثُمَّ اجْتَرَّتْ فَعَادَتْ فَأَكَلَتْ ، فَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِحَقِّهِ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ ، وَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ ) أَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوَخَيْرٌ هُوَ ) فَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ ، وَ ( الْحَبَطُ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ التُّخَمَةُ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوْ يُلِمُّ ) مَعْنَاهُ أَوْ يُقَارِبُ الْقَتْلَ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ ) هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنْ ( إِلَّا ) وَتَشْدِيدِ اللَّامِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَاللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ ، قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ ( أَلَا ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ عَلَى الِاسْتِفْتَاحِ وَ ( آكِلَةَ الْخَضِرِ ) بِهَمْزَةِ مَمْدُودَةٍ ، ( وَالْخَضِرِ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ ، هَكَذَا رَوَاهُ الْجُمْهُورُ ، قَالَ الْقَاضِي : وَضَبْطَهُ بَعْضُهُمْ ( الْخُضَرِ ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ .

وَقَوْلُهُ : ( ثَلَطَتْ ) هُوَ بِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ أَلْقَتِ الثَّلْطَ ، وَهُوَ الرَّجِيعُ الرَّقِيقُ ، وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ لِلْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْفِيَلَةِ . قَوْلُهُ : ( اجْتَرَّتْ ) أَيْ مَضَغَتْ جِرَّتَهَا . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ ( الْجِرَّةُ ) بِكَسْرِ الْجِيمِ مَا يُخْرِجُهُ الْبَعِيرُ مِنْ بَطْنِهِ لِيَمْضُغَهُ ثُمَّ يَبْلَعَهُ ، ( وَالْقَصْعُ ) شِدَّةُ الْمَضْغِ .

ج٧ / ص١١٧وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِلَّا مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ أَوَخَيْرٌ هُوَ ) فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَذَّرَهُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَخَافَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا ، فَقَالَ هَذَا الرَّجُلُ : إِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ لَنَا مِنْ جِهَةٍ مُبَاحَةٍ كَغَنِيمَةٍ وَغَيْرِهَا ، وَذَلِكَ خَيْرٌ ، وَهَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ ؟ وَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَاسْتِبْعَادٍ ، أَيْ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ خَيْرًا ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَرٌّ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا الْخَيْرُ الْحَقِيقِيُّ فَلَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ ، أَيْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرٌ ، ثُمَّ قَالَ : ( أَوَخَيْرٌ هُوَ ) مَعْنَاهُ : أَنَّ هَذَا الَّذِي يَحْصُلُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا لَيْسَ بِخَيْرٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِتْنَةٌ ، وَتَقْدِيرُهُ : الْخَيْرُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ ، وَلَكِنْ لَيْسَتْ هَذِهِ الزَّهْرَةُ بِخَيْرٍ لِمَا تُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالْمُنَافَسَةِ وَالِاشْتِغَالِ بِهَا عَنْ كَمَالِ الْإِقْبَالِ عَلَى الْآخِرَةِ ، ثُمَّ ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلَ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ إِلَى آخِرِهِ ) وَمَعْنَاهُ : أَنَّ نَبَاتَ الرَّبِيعِ وَخَضِرَهُ يَقْتُلُ حَبَطًا بِالتُّخَمَةِ لِكَثْرَةِ الْأَكْلِ ، أَوْ يُقَارِبُ الْقَتْلَ إِلَّا إِذَا اقْتُصِرَ مِنْهُ عَلَى الْيَسِيرِ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ وَتَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ الْمُقْتَصَدَةُ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ ، وَهَكَذَا الْمَالُ هُوَ كَنَبَاتِ الرَّبِيعِ مُسْتَحْسَنٌ تَطْلُبُهُ النُّفُوسُ وَتَمِيلُ إِلَيْهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَكْثِرُ مِنْهُ وَيَسْتَغْرِقُ فِيهِ غَيْرَ صَارِفٍ لَهُ فِي وُجُوهِهِ ، فَهَذَا يُهْلِكُهُ أَوْ يُقَارِبُ إِهْلَاكَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِدُ فِيهِ فَلَا يَأْخُذُ إِلَّا يَسِيرًا ، وَإِنْ أَخَذَ كَثِيرًا فَرَّقَهُ فِي وُجُوهِهِ كَمَا تَثْلِطُهُ الدَّابَّةُ فَهَذَا لَا يَضُرُّهُ . هَذَا مُخْتَصَرُ مَعْنَى الْحَدِيثِ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : فِيهِ مَثَلَانِ أَحَدُهُمَا لِلْمُكْثِرِ مِنَ الْجَمْعِ الْمَانِعِ مِنَ الْحَقِّ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ ) ؛ لِأَنَّ الرَّبِيعَ يُنْبِتُ أَجْرَارَ الْبُقُولِ فَتَسْتَكْثِرُ مِنْهُ الدَّابَّةُ حَتَّى تَهْلِكَ ، وَالثَّانِي لِلْمُقْتَصِدِ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ج٧ / ص١١٨( إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ ) ؛ لِأَنَّ الْخَضِرَ لَيْسَ مِنْ أَجْرَارِ الْبُقُولِ ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : ضَرَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ مَثَلًا بِحَالَتَيِ الْمُقْتَصِدِ وَالْمُكْثِرِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ نَبَاتَ الرَّبِيعِ خَيْرٌ ، وَبِهِ قِوَامُ الْحَيَوَانِ وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ مُطْلَقًا ، بَلْ مِنْهُ مَا يَقْتُلُ أَوْ يُقَارِبُ الْقَتْلَ ، فَحَالَةُ الْمَبْطُونِ الْمَتْخُومِ كَحَالَةِ مَنْ يَجْمَعُ الْمَالَ وَلَا يَصْرِفُهُ فِي وُجُوهِهِ ، فَأَشَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنَّ الِاعْتِدَالَ وَالتَّوَسُّطَ فِي الْجَمْعِ أَحْسَنُ ، ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا لِمَنْ يَنْفَعُهُ إِكْثَارُهُ وَهُوَ التَّشْبِيهُ بِآكِلَةِ الْخَضِرِ ، وَهَذَا التَّشْبِيهُ لِمَنْ صَرَفَهُ فِي وُجُوهِهِ الشَّرْعِيَّةِ .

وَوَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّ هَذِهِ الدَّابَّةَ تَأْكُلُ مِنَ الْخَضِرِ حَتَّى تَمْتَلِئَ خَاصِرَتُهَا ثُمَّ تَثْلِطُ ، وَهَكَذَا مِنْ يَجْمَعُهُ ثُمَّ يَصْرِفُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث