باب إعطاء المؤلفة ومن يخاف على إيمانه لم يعط واحتمال من سأل بجفاء لجهله وبيان الخوارج وأحكامهم
[134] - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ : لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ قَسَمَ الْغَنَائِمَ فِي قُرَيْشٍ ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ : إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ ، إِنَّ سُيُوفَنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ وَإِنَّ غَنَائِمَنَا تُرَدُّ عَلَيْهِمْ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَمَعَهُمْ فَقَالَ : مَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكُمْ ؟ قَالُوا : هُوَ الَّذِي بَلَغَكَ ، وَكَانُوا لَا يَكْذِبُونَ ، قَالَ : " أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا إِلَى بُيُوتِهِمْ ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى بُيُوتِكُمْ ؟ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَ الْأَنْصَارِ " . [135] - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ الْحَرْفَ بَعْدَ الْحَرْفِ قَالَا : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ وَغَيْرُهُمْ بِذَرَارِيِّهِمْ وَنَعَمِهِمْ ، وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ عَشَرَةُ آلَافٍ ، وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ ، فَأَدْبَرُوا عَنْهُ حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ قَالَ : فَنَادَى يَوْمَئِذٍ نِدَاءَيْنِ لَمْ يَخْلِطْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ، قَالَ : فَالْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، فَقَالُوا : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ . قَالَ : ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، قَالُوا : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ .
قَالَ : وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ فَنَزَلَ ، فَقَالَ : أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً فَقَسَمَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالطُّلَقَاءِ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ : إِذَا كَانَتْ الشِّدَّةُ فَنَحْنُ نُدْعَى وَتُعْطَى الْغَنَائِمُ غَيْرَنَا ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ ؟ فَسَكَتُوا ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَذْهَبُونَ بِمُحَمَّدٍ تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَضِينَا . قَالَ : لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَأَخَذْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ . قَالَ هِشَامٌ : فَقُلْتُ : يَا أَبَا حَمْزَةَ ، أَنْتَ شَاهِدٌ ذَاكَ ؟ قَالَ : وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْهُ ؟ [136] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : حَدَّثَنِي السُّمَيْطُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : افْتَتَحْنَا مَكَّةَ ، ثُمَّ إِنَّا غَزَوْنَا حُنَيْنًا فَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ بِأَحْسَنِ صُفُوفٍ رَأَيْتُ قَالَ : فَصُفَّتْ الْخَيْلُ ، ثُمَّ صُفَّتْ الْمُقَاتِلَةُ ، ثُمَّ صُفَّتْ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ ، ثُمَّ صُفَّتْ الْغَنَمُ ، ثُمَّ صُفَّتْ النَّعَمُ .
قَالَ : وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ قَدْ بَلَغْنَا سِتَّةَ آلَافٍ ، وَعَلَى مُجَنِّبَةِ خَيْلِنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ . قَالَ : فَجَعَلَتْ خَيْلُنَا تَلْوِي خَلْفَ ظُهُورِنَا فَلَمْ نَلْبَثْ أَنْ انْكَشَفَتْ خَيْلُنَا وَفَرَّتْ الْأَعْرَابُ وَمَنْ نَعْلَمُ مِنْ النَّاسِ . قَالَ : فَنَادَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَالَ الْمُهَاجِرِينَ ، يَالَ الْمُهَاجِرِينَ ، ثُمَّ قَالَ : يَالَ الْأَنْصَارِ ، يَالَ الْأَنْصَارِ ، قَالَ : قَالَ أَنَسٌ : هَذَا حَدِيثُ عِمِّيَّةٍ ، قَالَ : قُلْنَا : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ : فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : فَايْمُ اللَّهِ مَا أَتَيْنَاهُمْ حَتَّى هَزَمَهُمْ اللَّهُ . قَالَ : فَقَبَضْنَا ذَلِكَ الْمَالَ ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الطَّائِفِ فَحَاصَرْنَاهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى مَكَّةَ فَنَزَلْنَا .
قَالَ : فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي الرَّجُلَ الْمِائَةَ مِنْ الْإِبِلِ ، ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ كَنَحْوِ حَدِيثِ قَتَادَةَ ، وَأَبِي التَّيَّاحِ ، وَهِشَامِ بْنِ زَيْدٍ . قَوْلُهُ : ( وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ) هُوَ بِعَيْنَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ . قَوْلُهُ : ( وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ ) هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَبِالْمَدِّ ، وَهُمُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ، وَهُوَ جَمْعُ طَلِيقٍ ، يُقَالُ ذَاكَ لِمَنْ أُطْلِقَ مِنْ إِسَارٍ أَوْ وَثَاقٍ ، قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ : قِيلَ لِمُسْلِمِي الْفَتْحِ ؛ الطُّلَقَاءُ لِمَنِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ .
قَوْلُهُ : ( وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ عَشَرَةُ آلَافٍ وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ ) وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ : ( نَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ قَدْ بَلَغْنَا سِتَّةَ آلَافٍ ) . الرِّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ فِي كُتُبِ الْمَغَازِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَوْمَئِذٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، عَشَرَةُ آلَافٍ شَهِدُوا الْفَتْحَ ، وَأَلْفَانِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنِ انْضَافَ إِلَيْهِمْ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ : ( مَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ ) قَالَ الْقَاضِي : قَوْلُهُ سِتَّةُ آلَافٍ وَهَمٌ مِنَ الرَّاوِي عَنْ أَنَسٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ج٧ / ص١٢٦قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي السُّمَيْطُ ، عَنْ أَنَسِ ) هُوَ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ تَصْغِيرُ سِمْطٍ . قَوْلُهُ : ( وَعَلَى مُجَنِّبَةِ خَيْلِنَا خَالِدُ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ قَالَ شَمِرٌ : ( الْمُجَنِّبَةُ ) هِيَ الْكَتِيبَةُ مِنَ الْخَيْلِ الَّتِي تَأْخُذُ جَانِبَ الطَّرِيقِ الْأَيْمَنَ ، وَهُمَا مُجَنِّبَتَانِ مَيْمَنَةٌ وَمَيْسَرَةٌ بِجَانِبَيِ الطَّرِيقِ وَالْقَلْبُ بَيْنَهُمَا . قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَتْ خَيْلُنَا تَلْوِي خَلْفَ ظُهُورِنَا ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ، وَفِي بَعْضِهَا ( تَلُوذُ ) وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ .
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَالَ الْمُهَاجِرِينَ يَالَ الْمُهَاجِرِينَ ثُمَّ قَالَ : يَالَ الْأَنْصَارِ يَالَ الْأَنْصَارِ ) هَكَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فِي الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ ( يَالَ ) بِلَامٍ مَفْصُولَةٍ مَفْتُوحَةٍ ، وَالْمَعْرُوفُ وَصْلُهَا بِلَامِ التَّعْرِيفِ الَّتِي بَعْدَهَا . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَنَسٌ : هَذَا حَدِيثُ عِمِّيَّةٍ ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ ضَبَطُوهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَلَى أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا ( عِمِّيَّةٍ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَالْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَالْيَاءِ قَالَ الْقَاضِي : كَذَا رُوِّينَا هَذَا الْحَرْفَ عَنْ عَامَّةِ شُيُوخِنَا ، قَالَ : وَفُسِّرَ بِالشِّدَّةِ . وَالثَّانِي : ( عُمِّيَّةٍ ) كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِضَمِّ الْعَيْنِ .
وَالثَّالِثُ : ( عَمِّيَةٍ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَبَعْدَهَا هَاءُ السَّكْتِ أَيْ حَدَّثَنِي بِهِ عَمِّي ، وَقَالَ الْقَاضِي : عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَعْنَاهُ عِنْدِي جَمَاعَتِي أَيْ هَذَا حَدِيثُهُمْ . قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ : ( الْعَمُّ ) الْجَمَاعَةُ ، وَأَنْشَدَ عَلَيْهِ ابْنُ دُرَيْدٍ فِي الْجَمْهَرَةِ :
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .