باب جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِلْمُسَافِرِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ إِذَا كَانَ سَفَرُهُ مَرْحَلَتَيْنِ فَأَكْثَرَ
[88] 1113 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا : أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ، ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ قَالَ : وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ . حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ، قَالَ يَحْيَى : قَالَ سُفْيَانُ : لَا أَدْرِي مِنْ قَوْلِ مَنْ هُوَ ، يَعْنِي : وَكَانَ يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ ، قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ .
وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَكَانُوا يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ وَيَرَوْنَهُ النَّاسِخَ الْمُحْكَمَ . ج٧ / ص١٨٦( 15 - 16 - 17 ) بَابُ جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِلْمُسَافِرِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ إِذَا كَانَ سَفَرُهُ مَرْحَلَتَيْنِ فَأَكْثَرَ ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ لِمَنْ أَطَاقَهُ بِلَا ضَرَرٍ أَنْ يَصُومَ وَلِمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ : لَا يَصِحُّ صَوْمُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ ، فَإِنْ صَامَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ ، وَيَجِبُ قَضَاؤُهُ ؛ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَلِحَدِيثِ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ( أُولَئِكَ الْعُصَاةُ ) وَقَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَجَمِيعُ أَهْلِ الْفَتْوَى : يَجُوزُ صَوْمُهُ فِي السَّفَرِ ، وَيَنْعَقِدُ وَيُجْزِيهِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ أَمِ الْفِطْرَ أَمْ هُمَا سَوَاءٌ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ : الصَّوْمُ أَفْضَلُ لِمَنْ أَطَاقَهُ بِلَا مَشَقَّةٍ ظَاهِرَةٍ ، وَلَا ضَرَرَ ، فَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ ، فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ ، وَاحْتَجُّوا بِصَوْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَغَيْرِهِمَا ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ ؛ وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فِي الْحَالِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمُ : الْفِطْرُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا ، وَحَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ غَرِيبٌ ، وَاحْتَجُّوا بِمَا سَبَقَ لِأَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَبِحَدِيثِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ الْمَذْكُورِ فِي مُسْلِمٍ فِي آخِرِ الْبَابِ ، وَهُوَ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ) وَظَاهِرُهُ تَرْجِيحُ الْفِطْرِ ، وَأَجَابَ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِيمَنْ يَخَافُ ضَرَرًا أَوْ يَجِدُ مَشَقَّةً ، كَمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْأَحَادِيثِ ، وَاعْتَمَدُوا حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ قَالَ : كُنَّا ج٧ / ص١٨٧نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ ، فَمِنَّا الصَّائِمُ ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ ، فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي تَرْجِيحِ مَذْهَبِ الْأَكْثَرِينَ ، وَهُوَ تَفْضِيلُ الصَّوْمِ لِمَنْ أَطَاقَهُ بِلَا ضَرَرٍ وَلَا مَشَقَّةٍ ظَاهِرَةٍ ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الْفِطْرُ وَالصَّوْمُ سَوَاءٌ ؛ لِتَعَادُلِ الْأَحَادِيثِ ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ ) يَعْنِي بِالْفَتْحِ : فَتْحَ مَكَّةَ ، وَكَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَ ( الْكَدِيدَ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهِيَ عَيْنٌ جَارِيَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَبْعُ مَرَاحِلَ أَوْ نَحْوُهَا ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ قَرِيبٌ مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ ، وَهِيَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ عُسْفَانَ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : ( الْكَدِيدُ ) عَيْنٌ جَارِيَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا مِنْ مَكَّةَ ، قَالَ : وَعُسْفَانُ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ ، بِهَا مِنْبَرٌ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْ مَكَّةَ ، قَالَ : وَالْكَدِيدُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ قَدِيدٍ .
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ( فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ وَادٍ أَمَامَ عُسْفَانَ بِثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ ، يُضَافُ إِلَيْهِ هَذَا الْكُرَاعُ ، وَهُوَ جَبَلٌ أَسْوَدُ مُتَّصِلٌ بِهِ ، وَ ( الْكُرَاعُ ) كُلُّ أَنْفٍ سَالَ مِنْ جَبَلٍ أَوْ حَرَّةٍ ، قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا كُلُّهُ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ ، قَالَ : وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِتَقَارُبِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ عُسْفَانُ مُتَبَاعِدَةً شَيْئًا عَنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ، لَكِنَّهَا كُلَّهَا مُضَافَةٌ إِلَيْهَا ، وَمِنْ عَمَلِهَا ، فَاشْتَمَلَ اسْمُ عُسْفَانَ عَلَيْهَا ، قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ عَلِمَ حَالَ النَّاسِ وَمَشَقَّتَهُمْ فِي بَعْضِهَا ، فَأَفْطَرَ وَأَمَرَهُمْ بِالْفِطْرِ فِي بَعْضِهَا ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَهُوَ كَمَا قَالَ ، إِلَّا فِي مَسَافَةِ عُسْفَانَ ، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا عَلَى أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ ، وَكُلُّ بَرِيدٍ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ ، وَكُلُّ فَرْسَخٍ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ ، فَالْجُمْلَةُ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ . قَوْلُهُ : ( فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ : أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ جَائِزَانِ . وَفِيهِ : أَنَّ الْمُسَافِرَ لَهُ أَنْ يَصُومَ بَعْضَ رَمَضَانَ دُونَ بَعْضٍ ، وَلَا يَلْزَمُهُ بِصَوْمِ بَعْضِهِ إِتْمَامُهُ ، وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي فَهْمِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَتَوَهَّمَ أَنَّ الْكَدِيدَ وَكُرَاعَ الْغَمِيمِ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ : ( فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ ج٧ / ص١٨٨الْكَدِيدَ وَكُرَاعَ الْغَمِيمِ ) كَانَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنَ الْمَدِينَةِ ، فَزَعَمَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ صَائِمًا ، فَلَمَّا بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فِي يَوْمِهِ أَفْطَرَ فِي نَهَارٍ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ هَذَا الْقَائِلُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا سَافَرَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ صَائِمًا لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي يَوْمِهِ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ فِي السَّفَرِ ، وَاسْتِدْلَالُ هَذَا الْقَائِلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْعَجَائِبِ الْغَرِيبَةِ ؛ لِأَنَّ الْكَدِيدَ وَكُرَاعَ الْغَمِيمِ عَلَى سَبْعِ مَرَاحِلَ أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الْمَدِينَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا عَلِمُوا مِنْهُ النَّسْخَ أَوْ رُجْحَانَ الثَّانِي مَعَ جَوَازِهِمَا ، وَإِلَّا فَقَدْ طَافَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعِيرِهِ .
وَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً . وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مِنَ الْجَائِزَاتِ الَّتِي عَمِلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ قَلِيلَةً ؛ لِبَيَانِ جَوَازِهَا ، وَحَافَظَ عَلَى الْأَفْضَلِ مِنْهَا .