حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ

1181 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ وَقُتَيْبَةُ جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ قَالَ يَحْيَى : أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ قَالَ : فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ وَكَذَا ، فَكَذَلِكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا . ( بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ ) ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ ، حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَكْمَلُهَا ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِيهِ بِنَقْلِهِ الْمَوَاقِيتَ الْأَرْبَعَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلِهَذَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِ الْبَابِ ، ثُمَّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ مِيقَاتَ أَهْلِ الْيَمَنِ ، بَلْ بَلَغَهُ بَلَاغًا ، ثُمَّ حَدِيثُ جَابِرٍ ؛ لِأَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ قَالَ : أَحْسَبُ جَابِرًا رَفَعَهُ ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ مَرْفُوعًا ، فَوَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ ، بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءِ ، وَهِيَ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ ، بَيْنَهُمَا نَحْوُ عَشْرِ مَرَاحِلَ أَوْ تِسْعٍ ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى نَحْوِ سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْهَا ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ ، وَهِيَ مِيقَاتٌ لَهُمْ وَلِأَهْلِ مِصْرَ ، وَهِيَ بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ ، قِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ السَّيْلَ أَجْحَفَهَا فِي وَقْتٍ ، وَيُقَالُ لَهَا : ( مَهْيَعَةُ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ كَسْرَ الْهَاءِ ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ إِسْكَانُهَا ، وَهِيَ عَلَى نَحْوِ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ . وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ ( يَلَمْلَمَ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ وَاللَّامَيْنِ ، وَيُقَالُ أَيْضًا : ( أَلَمْلَمَ ) بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الْيَاءِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَهُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ ، عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ .

وَلِأَهْلِ نَجْدٍ ( قَرْنَ الْمَنَازِلِ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَاللُّغَةِ وَالتَّارِيخِ وَالْأَسْمَاءِ وَغَيْرِهِمْ ، وَغَلِطَ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ فِيهِ غَلَطَيْنِ فَاحِشَيْنِ فَقَالَ : بِفَتْحِ الرَّاءِ ، وَزَعَمَ أَنَّ أُوَيْسًا الْقَرَنِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ ، وَالصَّوَابُ إِسْكَانُ الرَّاءِ ، وَأَنَّ أُوَيْسًا مَنْسُوبٌ إِلَى قَبِيلَةٍ مَعْرُوفَةٍ يُقَالُ لَهُمْ : ( بَنُو قَرَنٍ ) وَهِيَ بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ ، الْقَبِيلَةُ الْمَعْرُوفَةُ يُنْسَبُ إِلَيْهَا الْمُرَادِيُّ ، وَقَرْنُ الْمَنَازِلِ عَلَى نَحْوِ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ ، قَالُوا : وَهُوَ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ إِلَى مَكَّةَ . وَأَمَّا ( ذَاتُ عِرْقٍ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ فَهِيَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ صَارَتْ مِيقَاتَهُمْ بِتَوْقِيتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْ بِاجْتِهَادِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؟ وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : أَصَحُّهُمَا : وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْأُمِّ : بِتَوْقِيتِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ . وَدَلِيلُ مَنْ قَالَ بِتَوْقِيتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثُ جَابِرٍ ، لَكِنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ ؛ لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِرَفْعِهِ .

وَأَمَّا قَوْلُ الدَّارَقُطْنِيِّ إِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الْعِرَاقَ لَمْ تَكُنْ فُتِحَتْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَكَلَامُهُ فِي تَضْعِيفِهِ صَحِيحٌ ، وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرْتُهُ ، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ لِضَعْفِهِ بِعَدَمِ فَتْحِ الْعِرَاقِ فَفَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ سَيُفْتَحُ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْإِخْبَارِ بِالْمَغِيبَاتِ الْمُسْتَقْبَلَاتِ ، كَمَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ فِي جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّامَ لَمْ يَكُنْ فُتِحَ حِينَئِذٍ ، وَقَدْ ثَبَتَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَخْبَرَ بِفَتْحِ الشَّامِ وَالْيَمَنِ وَالْعِرَاقِ ، وَأَنَّهُمْ يَأْتُونَ إِلَيْهِمْ يَبُسُّونَ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ بِأَنَّهُ زُوِيَتْ لَهُ مَشَارِقُ الْأَرْضِ وَمَغَارِبُهَا ، وَقَالَ : سَيَبْلُغُ مِلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا ، وَأَنَّهُمْ سَيَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِيَ أَرْضٌ يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ ، وَأَنَّ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَنْزِلُ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيِّ دِمَشْقَ ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي الصَّحِيحِ ، وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا يَطُولُ ذِكْرُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ مَشْرُوعَةٌ ، ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ : هِيَ وَاجِبَةٌ لَوْ تَرَكَهَا وَأَحْرَمَ بَعْدَ مُجَاوَزَتِهَا أَثِمَ ، وَلَزِمَهُ دَمٌ ، وَصَحَّ حَجُّهُ ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : لَا يَصِحُّ حَجُّهُ .

وَفَائِدَةُ الْمَوَاقِيتِ : أَنَّ مَنْ أَرَادَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً حَرُمَ عَلَيْهِ مُجَاوَزَتُهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ، وَلَزِمَهُ الدَّمُ كَمَا ذَكَرْنَا ، قَالَ أَصْحَابُنَا : فَإِنْ عَادَ إِلَى الْمِيقَاتِ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِنُسُكٍ ، سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ ، وَفِي الْمُرَادِ بِهَذَا النُّسُكِ خِلَافٌ مُنْتَشِرٌ ، وَأَمَّا مَنْ لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ لِدُخُولِ مَكَّةَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِنَا ، سَوَاءٌ دَخَلَ لِحَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ كَحَطَّابٍ وَحَشَّاشٍ وَصَيَّادٍ وَنَحْوِهِمْ ، أَوْ لَا تَتَكَرَّرُ كَتِجَارَةٍ وَزِيَارَةٍ وَنَحْوِهِمَا ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ يَجِبُ الْإِحْرَامُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ إِنْ دَخَلَ مَكَّةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْحَرَمِ لِمَا يَتَكَرَّرُ ، بِشَرْطٍ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ ، وَأَمَّا مَنْ مَرَّ بِالْمِيقَاتِ غَيْرَ مُرِيدٍ دُخُولَ الْحَرَمِ ، بَلْ لِحَاجَةٍ دُونَهُ ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُحْرِمَ فَيُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي بَدَا لَهُ فِيهِ ، فَإِنْ جَاوَزَهُ بِلَا إِحْرَامٍ ثُمَّ أَحْرَمَ أَثِمَ وَلَزِمَهُ الدَّمُ ، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَا لَهُ أَجْزَأَهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ ، وَلَا يُكَلَّفُ الرُّجُوعُ إِلَى الْمِيقَاتِ ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إِلَى الْمِيقَاتِ . قَوْلُهُ : ( وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( قَرْنَ ) مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ بَعْدَ النُّونِ ، وَفِي بَعْضِهَا ( قَرْنًا ) بِالْأَلِفِ ، وَهُوَ الْأَجْوَدُ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ ، وَاسْمٌ لِجَبَلٍ ، فَوَجَبَ صَرْفُهُ ، وَالَّذِي وَقَعَ بِغَيْرِ أَلِفٍ يُقْرَأ مُنَوَّنًا ، وَإِنَّمَا حَذَفُوا الْأَلِفَ كَمَا جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ يَكْتُبُونَ : يَقُولُ سَمِعْتُ أَنَسَ بِغَيْرِ أَلِفٍ ، وَيُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ ، وَيَحْتَمِلُ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يقْرَأَ ( قَرْنَ ) مَنْصُوبًا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَيَكُونُ أَرَادَ بِهِ الْبُقْعَةَ ، فَيُتْرَكُ صَرْفُهُ .

قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ ) قَالَ الْقَاضِي : كَذَا جَاءَتِ الرِّوَايَةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ ، قَالَ : وَوَقَعَ عِنْدَ بَعْضِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ : ( فَهُنَّ لَهُمْ ) وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَهُوَ الْوَجْهُ ؛ لِأَنَّهُ ضَمِيرُ أَهْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ، قَالَ : وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي ( لَهُنَّ ) عَائِدٌ عَلَى الْمَوَاضِعِ وَالْأَقْطَارِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ وَالشَّامُ وَالْيَمَنُ وَنَجْدٌ ، أَيْ : هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِهَذِهِ الْأَقْطَارِ ، وَالْمُرَادُ لِأَهْلِهَا فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ ) مَعْنَاهُ : أَنَّ الشَّامِيَّ مَثَلًا إِذَا مَرَّ بِمِيقَاتِ الْمَدِينَةِ فِي ذَهَابِهِ ، لَزِمَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِ الْمَدِينَةِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهُ إِلَى مِيقَاتِ الشَّامِ الَّذِي هُوَ الْجُحْفَةُ ، وَكَذَا الْبَاقِي مِنَ الْمَوَاقِيتِ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ) فِيهِ دَلَالَةٌ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ فِيمَنْ مَرَّ بِالْمِيقَاتِ لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ لِدُخُولِ مَكَّةَ ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةً ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي لَا عَلَى الْفَوْرِ ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةً فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ .

قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ ) هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ كَانَ مَسْكَنُهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ مَسْكَنُهُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ إِلَى الْمِيقَاتِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ مُجَاوَزَةُ مَسْكَنِهِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ . هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا مُجَاهِدًا ، فَقَالَ : مِيقَاتُهُ مَكَّةُ بِنَفْسِهَا . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ وَكَذَا فَكَذَلِكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا ) هَكَذَا هو فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَهُوَ صَحِيحٌ ، وَمَعْنَاهُ : وَهَكَذَا فَهَكَذَا مَنْ جَاوَزَ مَسْكَنُهُ الْمِيقَاتَ ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ ، فَمَنْ كَانَ فِي مَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ وَارِدًا إِلَيْهَا وَأَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ ، فَمِيقَاتُهُ نَفْسُ مَكَّةَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ مَكَّةَ وَالْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ مِنْ خَارِجِهَا ، سَوَاءٌ الْحَرَمُ وَالْحِلُّ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِ مِنَ الْحَرَمِ ، كَمَا يَجُوزُ مِنْ مَكَّةَ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَرَمِ حُكْمُ مَكَّةَ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِي مَكَّةَ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ عَنْ نَفْسِ الْمَدِينَةِ وَسُورِهَا ، وَفِي الْأَفْضَلِ قَوْلَانِ : أَصَحُّهُمَا : مِنْ بَابِ دَارِهِ .

وَالثَّانِي : مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تَحْتَ الْمِيزَابِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذَا كُلُّهُ فِي إِحْرَامِ الْمَكِّيِّ بِالْحَجِّ ، وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا هُوَ فِي إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ ، وَأَمَّا مِيقَاتُ الْمَكِّيِّ لِلْعُمْرَةِ فَأَدْنَى الْحِلِّ ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا فِي الْعُمْرَةِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى التَّنْعِيمِ ، وَتُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ ، وَ ( التَّنْعِيمِ ) فِي طَرَفِ الْحِلِّ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث12 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث