باب بَيَانِ وُجُوهِ الْإِحْرَامِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ إِفْرَادُ الْحَجِّ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ
1212 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو أَخْبَرَهُ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ فَيُعْمِرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ . 136 - 1213 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ جَمِيعًا ، عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قُتَيْبَةُ : حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَجٍّ مُفْرَدٍ ، وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بِعُمْرَةٍ ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ قَالَ : فَقُلْنَا : حِلُّ مَاذَا ؟ قَالَ : الْحِلُّ كُلُّهُ . فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ ، وَتَطَيَّبْنَا بِالطِّيبِ ، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا ، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا أَرْبَعُ لَيَالٍ ، ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَوَجَدَهَا تَبْكِي فَقَالَ : مَا شَأْنُكِ ؟ قَالَتْ : شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحْلِلْ ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ ، وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتْ الْمَوَاقِفَ حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ قَالَ : قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْتُ قَالَ : فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْمِرْهَا مِنْ التَّنْعِيمِ ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ .
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا وَقَالَ عَبْدٌ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَقُولُ : دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَهِيَ تَبْكِي ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ إِلَى آخِرِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا قَبْلَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ . 137 - وحدثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ حَدَّثَنَا مُعَاذٌ يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ مَطَرٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ قَالَ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا سَهْلًا إِذَا هَوِيَتْ الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ ، فَأَرْسَلَهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مِنْ التَّنْعِيمِ . قَالَ مَطَرٌ : قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ : فَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا حَجَّتْ صَنَعَتْ كَمَا صَنَعَتْ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : ( أَنَّ عَائِشَةَ عَرَكَتْ ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَمَعْنَاهُ حَاضَتْ . يُقَالُ : عَرَكَتْ تَعْرُكُ عُرُوكًا كَقَعَدَتْ تَقْعُدُ قُعُودًا . قَوْلُهُ : ( أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ) وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، وسَبَقَ بَيَانُهُ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ، وَلَا يُقَدِّمُهُ عَلَيْهِ ، وَسَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ وَمَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْحَجِّ .
قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ ) هَذَا الْغُسْلُ هُوَ الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ سَوَاءٌ الْحَائِضُ وَغَيْرُهَا . قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا ، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، ثُمَّ قَالَ : قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا ) هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ عُمْرَتَهَا لَمْ تَبْطُلْ ، وَلَمْ تَخْرُجْ مِنْهَا ، وَأَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( ارْفُضِي عُمْرَتَكِ وَدَعِي عُمْرَتَكِ ) مُتَأَوَّلٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي أَوَائِلِ هَذَا الْبَابِ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ قَالَ : قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا ) يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ ثَلَاثُ مَسَائِلَ حَسَنَةٍ إِحْدَاهَا أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَانَتْ قَارِنَةً وَلَمْ تَبْطُلْ عُمْرَتُهَا ، وَأَنَّ الرَّفْضَ الْمَذْكُورَ مُتَأَوَّلٌ كَمَا سَبَقَ ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْقَارِنَ يَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْجُمْهُورِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ : يَلْزَمُهُ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ ، وَالثَّالِثَةُ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يُشْتَرَطُ وُقُوعُهُ بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ ، وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا أَنْ تَصْنَعَ مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ، وَلَمْ تَسْعَ كَمَا لَمْ تَطُفْ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ السَّعْيُ مُتَوَقِّفًا عَلَى تَقَدُّمِ الطَّوَافِ عَلَيْهِ لَمَا أَخَّرَتْهُ . وَاعْلَمْ أَنَّ طُهْرَ عَائِشَةَ هَذَا الْمَذْكُورَ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ ، وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ حَيْضِهَا هَذَا يَوْمَ السَّبْتِ أَيْضًا لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ عَشْرَةٍ ، ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا سَهْلًا حَتَّى إِذَا هَوِيَتِ الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ ) مَعْنَاهُ إِذَا هَوِيَتْ شَيْئًا لَا نَقْصَ فِيهِ فِي الدِّينِ مِثْلَ طَلَبِهَا الِاعْتِمَارَ وَغَيْرَهُ أَجَابَهَا إِلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : ( سَهْلًا ) أَيْ سَهْلَ الْخُلُقِ كَرِيمَ الشَّمَائِلِ لَطِيفًا مُيَسَّرًا فِي الْخُلُقِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾وَفِيهِ حُسْنُ مُعَاشَرَةِ الْأَزْوَاجِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا سِيَّمَا فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِ الطَّاعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ ( خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ مَعَنَا النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ ) الْوِلْدَانُ هُمُ الصِّبْيَانُ ، فَفِيهِ صِحَّةُ حَجِّ الصَّبِيِّ ، وَالْحَجِّ بِهِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْعُلَمَاءِ كَافَّةً من الصحابة والتابعين فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّهُ يَصِحُّ حَجُّ الصَّبِيِّ وَيُثَابُ عَلَيْهِ ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حَجُّ الْبَالِغِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ عَنْ فَرْضِ الْإِسْلَامِ ، فَإِذَا بَلَغَ بَعْدَ ذَلِكَ وَاسْتَطَاعَ لَزِمَهُ فَرْضُ الْإِسْلَامِ .
وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ الْجُمْهُورَ فَقَالَ : لَا يَصِحُّ لَهُ إِحْرَامٌ وَلَا حَجٌّ وَلَا ثَوَابَ فِيهِ ، وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْحَجِّ ، قَالَ : وَإِنَّمَا يُحْتَجُّ بِهِ لِيَتَمَرَّنَ وَيَتَعَلَّمَ وَيَتَجَنَّبَ مَحْظُورَاتِهِ لِلتَّعَلُّمِ . قال : وكَذَلِكَ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ ، وَالصَّوَابُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ صَبِيًّا فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .