حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

باب بَيَانِ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ

[259] 1277 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ : قُلْتُ لَهَا : إِنِّي لَأَظُنُّ رَجُلًا لَوْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَا ضَرَّهُ . قَالَتْ : لِمَ ؟ قُلْتُ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . فَقَالَتْ : مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَ ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ، وَهَلْ تَدْرِي فِيمَا كَانَ ذَاكَ ؟ إِنَّمَا ذَاكَ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ يُقَالُ لَهُمَا إِسَافٌ وَنَائِلَةُ ، ثُمَّ يَجِيئُونَ فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، ثُمَّ يَحْلِقُونَ ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُمَا لِلَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، قَالَتْ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ إِلَى آخِرِهَا قَالَتْ : فَطَافُوا .

( 43 ) بَابُ بَيَانِ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ : أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ ، لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهِ ، وَلَا يُجْبَرُ بِدَمٍ وَلَا غَيْرِهِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ج٩ / ص٤٠٠ثَوْرٍ ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : هُوَ تَطَوُّعٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ وَاجِبٌ ، فَإِنْ تَرَكَهُ عَصَى وَجَبَرَهُ بِالدَّمِ وَصَحَّحَ حَجَّهُ . دَلِيلُ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعَى ، وَقَالَ : " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ " وَالْمَشْرُوعُ سَعْيٌ وَاحِدٌ ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ ، وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إِلَى مَا بَعْدِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ مَا مَعْنَاهُ : إِنَّ السَّعْيَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَأَنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ : لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ لَكَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : هَذَا مِنْ دَقِيقِ عِلْمِهَا وَفَهْمِهَا الثَّاقِبِ وَكَبِيرِ مَعْرِفَتِهَا بِدَقَائِقِ الْأَلْفَاظِ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ إِنَّمَا دَلَّ لَفْظُهَا عَلَى رَفْعِ الْجُنَاحِ عَمَّنْ يَطَّوَّفُ بِهِمَا ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ السَّعْيِ ، وَلَا عَلَى وُجُوبِهِ ، فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ فِيهَا دَلَالَةٌ لِلْوُجُوبِ وَلَا لِعَدَمِهِ ، وَبَيَّنَتِ السَّبَبَ فِي نُزُولِهَا ، وَالْحِكْمَةَ فِي نَظْمِهَا ، وَأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ حِينَ تَحَرَّجُوا مِنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَمَا يَقُولُ عُرْوَةُ لَكَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ، وَقَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ وَاجِبًا وَيَعْتَقِدُ إِنْسَانٌ أَنَّهُ يُمْنَعُ إِيقَاعُهُ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ ، وَذَلِكَ كَمَنْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَيُقَالُ فِي جَوَابِهِ : لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ إِنْ صَلَّيْتَهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ ، فَيَكُونُ جَوَابًا صَحِيحًا ، وَلَا يَقْتَضِي نَفْيَ وُجُوبِ صَلَاةِ الظُّهْرِ .

قَوْلُهَا : ( وَهَلْ تَدْرِي فِيمَا كَانَ ذَلِكَ ؟ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ يُقَالُ لَهُمَا : إِسَافٌ وَنَائِلَةٌ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ رِوايَة ، قَالَ : وَهُوَ غَلَطٌ ، وَالصَّوَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخَرِ فِي الْبَابِ : ( يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ ) قَالَ : وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ وَ ( مَنَاةُ ) صَنَمٌ كَانَ نَصَبَهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ فِي جِهَةِ الْبَحْرِ بِالْمُشَلَّلِ مِمَّا ج٩ / ص٤٠١يَلِي قُدَيْدًا ، وَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَكَانَتِ الْأَزْدُ وَغَسَّانُ تُهِلُّ لَهُ بِالْحَجِّ ، وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : ( مَنَاةُ ) صَخْرَةٌ لِهُذَيْلٍ بِقُدَيْدٍ . وَأَمَّا ( إِسَافٌ وَنَائِلَةٌ ) فَلَمْ يَكُونَا قَطُّ فِي نَاحِيَةِ الْبَحْرِ ، وَإِنَّمَا كَانَا فِيمَا يُقَالُ رَجُلًا وَامْرَأَةً ، فَالرَّجُلُ اسْمُهُ إِسَافُ بْنُ بَقَاءٍ ، وَيُقَالُ ابْنُ عَمْرٍو ، وَالْمَرْأَةُ اسْمُهَا نَائِلَةُ بِنْتُ ذِئْبٍ ، وَيُقَالُ بِنْتُ سَهْلٍ ، قِيلَ : كَانَا مِنْ جُرْهُمَ فَزَنَيَا دَاخِلَ الْكَعْبَةِ ، فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ حَجَرَيْنِ ، فَنُصِّبَا عِنْدَ الْكَعْبَةِ ، وَقِيلَ : عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيَعْتَبِرَ النَّاسُ بِهِمَا وَيَتَّعِظُوا ، ثُمَّ حَوَّلَهُمَا قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا مُلَاصِقَ الْكَعْبَةِ وَالْآخَرَ بِزَمْزَمَ ، وَقِيلَ : جَعَلَهُمَا بِزَمْزَمَ ، وَنَحَرَ عِنْدَهُمَا وَأَمَرَ بِعِبَادَتِهِمَا . فَلَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ كَسَرَهُمَا .

هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث