باب اسْتِحْبَابِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا
[311] 1298 - وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُهَا تَقُولُ : حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُهُ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَانْصَرَفَ ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، وَمَعَهُ بِلَالٌ وَأُسَامَةُ ، أَحَدُهُمَا يَقُودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الشَّمْسِ ، قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا كَثِيرًا ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ : إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ " حَسِبْتُهَا قَالَتْ " أَسْوَدُ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا . [312] - وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ جَدَّتِهِ قَالَتْ : حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ ، فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلَالًا وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنْ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، قَالَ مُسْلِم : وَاسْمُ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ خَالِدُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ ، وَهُوَ خَالُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ ، رَوَى عَنْهُ وَكِيعٌ وَحَجَّاجٌ الْأَعْوَرُ . قَوْلُهَا : ( حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ ، فَرَأَيْتُهُ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَانْصَرَفَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَمَعَهُ بِلَالٌ وَأُسَامَةُ ، أَحَدُهُمَا يَقُودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ ، وَالْآخَرُ يَرْفَعُ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الشَّمْسِ ) فِيهِ : جَوَازُ تَسْمِيَتِهَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَكَرِهَهُ ، وَهُوَ غَلَطٌ ، وَسَبَقَ بَيَانُ إِبْطَالِهِ .
وَفِيهِ الرَّمْيُ رَاكِبًا كَمَا سَبَقَ . وَفِيهِ : جَوَازُ تَظْلِيلِ الْمُحْرِمِ عَلَى رَأْسِهِ بِثَوْبٍ وَغَيْرِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ ، سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبًا أَوْ نَازِلًا ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ : لَا يَجُوزُ ، وَإِنْ فَعَلَ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ . وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ : أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَعَدَ تَحْتَ خَيْمَةٍ أَوْ سَقْفٍ جَازَ ، وَوَافَقُونَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الزَّمَانُ يَسِيرًا فِي الْمَحْمَلِ لَا فِدْيَةَ ، وَكَذَا لَوِ اسْتَظَلَّ بِيَدِهِ ، وَقَدْ يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ : صَحِبْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَمَا رَأَيْتُهُ مُضْرِبًا فُسْطَاطًا حَتَّى رَجَعَ .
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ .
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَبْصَرَ رَجُلًا عَلَى بَعِيرِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ قَدِ اسْتَظَلَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّمْسِ فَقَالَ : أضْحِ لِمَنْ أَحْرَمْتَ لَهُ . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَعَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا مِنْ مُحْرِمٍ يُضْحِي لِلشَّمْسِ حَتَّى تَغْرُبَ إِلَّا غَرَبَتْ بِذُنُوبِهِ حَتَّى يَعُودَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) . ج٩ / ص٤٢١رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ . وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ أُمِّ الْحُصَيْنِ ، وَهَذَا الْمَذْكُورِ فِي مُسْلِمٍ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لُبْسًا .
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَضَعِيفٌ كَمَا ذَكَرْنَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ ، وَكَذَا فَعَلَ عُمَرُ ، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ ، وَلَوْ كَانَ فَحَدِيثُ أُمِّ الْحُصَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهَا : ( سَمِعَتْهُ يَقُولُ : إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ حَسِبْتُهَا قَالَتْ : أَسْوَدُ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ) الْمُجَدَّعُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ ، وَ ( الْجَدْعُ ) الْقَطْعُ مِنْ أَصْلِ الْعُضْوِ ، وَمَقْصُودُهُ : التَّنْبِيهُ عَلَى نِهَايَةِ خِسَّتِهِ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ خَسِيسٌ فِي الْعَادَةِ ، ثُمَّ سَوَادُهُ نَقْصٌ آخَرُ ، وَجَدْعُهُ نَقْصٌ آخَرُ ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ، وَمَنْ هَذِهِ الصِّفَاتُ مَجْمُوعَةٌ فِيهِ فَهُوَ فِي نِهَايَةِ الْخِسَّةِ ، وَالْعَادَةُ أَنْ يَكُونَ مُمْتَهَنًا فِي أَرْذَلِ الْأَعْمَالِ ، فَأَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ وَلَوْ كَانَ بِهَذِهِ الْخَسَاسَةِ مَا دَامَ يَقُودُنَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ مَا دَامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِالْإِسْلَامِ ، وَالدُّعَاءِ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ ، وَلَا يُشَقُّ عَلَيْهِمُ الْعَصَا ، بَلْ إِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُمُ الْمُنْكَرَاتُ وُعِظُوا وَذُكِّرُوا ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يُؤْمَرُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلْعَبْدِ مَعَ أَنَّ شَرْطَ الْخَلِيفَةِ كَوْنُهُ قُرَشِيًّا ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُ الْوُلَاةِ الَّذِينَ يُوَلِّيهِمُ الْخَلِيفَةُ وَنُوَّابُهُ ، لَا أَنَّ الْخَلِيفَةَ يَكُونُ عَبْدًا .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ لَوْ قَهَرَ عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَاسْتَوْلَى بِالْقَهْرِ نَفَذَتْ أَحْكَامُهُ ، وَوَجَبَتْ طَاعَتُهُ ، وَلَمْ يَجُزْ شَقُّ الْعَصَا عَلَيْهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .