حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

بَاب اسْتِحْبَابِ النِّكَاحِ لِمَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ وَوَجَدَ مُؤَنَهُ وَاشْتِغَالِ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْمُؤَنِ بِالصَّوْمِ

كتاب النكاح [1] 1400 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بِمِنًى ، فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ فَقَامَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَا نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً شَابَّةً لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِكَ ، قَالَ : فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ لَقَدْ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ . [2] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، قَالَ : إِنِّي لَأَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِمِنًى إِذْ لَقِيَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ : هَلُمَّ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : فَاسْتَخْلَاهُ ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ أَنْ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ قَالَ : قَالَ لِي : تَعَالَ يَا عَلْقَمَةُ قَالَ : فَجِئْتُ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ : أَلَا نُزَوِّجُكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَارِيَةً بِكْرًا لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ . ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ النِّكَاحِ هُوَ فِي اللُّغَةِ : الضَّمُّ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَقْدِ ، وَعَلَى الْوَطْءِ ، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاحِدِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ : قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : أَصْلُ النِّكَاحِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْوَطْءُ ، وَقِيلَ لِلتَّزْوِيجِ : نِكَاحٌ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْوَطْءِ ، يُقَالُ : نَكَحَ الْمَطَرُ الْأَرْضَ ، وَنَكَحَ النُّعَاسُ عَيْنَهُ : أَصَابَهَا ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ : وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيُّ : النِّكَاحُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الْوَطْءُ وَالْعَقْدُ جَمِيعًا ، قَالَ : وَمَوْضِعُ ن ك ح عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لِلُزُومِ الشَّيْءِ الشَّيْءَ رَاكِبًا عَلَيْهِ ، هَذَا كَلَامُ الْعَرَبِ الصَّحِيحِ ، فَإِذَا قَالُوا : نَكَحَ فُلَانٌ فُلَانَةَ يَنْكِحُهَا نَكْحًا وَنِكَاحًا أَرَادُوا تَزَوَّجَهَا ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ : فَرَّقَتِ الْعَرَبُ بَيْنَهُمَا فَرْقًا لَطِيفًا فَإِذَا قَالُوا : نَكَحَ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ أَوْ أُخْتَهُ أَرَادُوا عَقَدَ عَلَيْهَا ، فَإِذَا قَالُوا : نَكَحَ امْرَأَتَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ لَمْ يُرِيدُوا إِلَّا الْوَطْءَ ؛ لِأَنَّ بِذِكْرِ امْرَأَتِهِ وَزَوْجَتِهِ يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْعَقْدِ ، قَالَ الْفَرَّاءُ : الْعَرَبُ تَقُولُ : نُكْحُ الْمَرْأَةِ بِضَمِّ النُّونِ : بُضْعُهَا ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَرْجِ ، فَإِذَا قَالُوا : نَكَحَهَا ، أَرَادُوا أَصَابَ نُكْحَهَا وَهُوَ فَرْجُهَا ، وَقَلَّ مَا يُقَالُ : نَاكَحَهَا كَمَا يُقَالُ بَاضَعَهَا .

هَذَا آخِرُ مَا نَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ . وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ : النِّكَاحُ الْوَطْءُ ، وَقَدْ يَكُونُ الْعقْدَ ، وَيُقَالُ : نَكَحْتُهَا وَنَكَحَتْ هِيَ أَيْ تَزَوَّجَتْ ، وَأَنْكَحْتُهُ زَوَّجْتُهُ ، وَهِيَ نَاكِحٌ أَيْ ذَاتُ زَوْجٍ ، وَاسْتَنْكَحَهَا تَزَوَّجَهَا : هَذَا كَلَامُ أَهْلِ اللُّغَةِ . وَأَمَّا حَقِيقَةُ النِّكَاحِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا - حَكَاهَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي تَعْلِيقِهِ - أَصَحُّهَا : أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ ، مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَأَطْنَبَ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ ، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ وَالْأَحَادِيثُ .

وَالثَّانِي : أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ . وَالثَّالِثُ : حَقِيقَةٌ فِيهِمَا بِالِاشْتِرَاكِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

( 1 ) باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْمَعْشَرُ هُمُ الطَّائِفَةُ الَّذِينَ يَشْمَلُهُمْ وَصْفٌ . فَالشَّبَابُ مَعْشَرٌ ، وَالشُّيُوخُ مَعْشَرٌ ، وَالْأَنْبِيَاءُ مَعْشَرٌ ، وَالنِّسَاءُ مَعْشَرٌ ، فَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ . وَالشَّبَابُ : جَمْعُ شَابٍّ ، وَيُجْمَعُ عَلَى شُبَّانٍ وَشَبَبَةٍ ، وَالشَّابُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا هُوَ مَنْ بَلَغَ وَلَمْ يُجَاوِزْ ثَلَاثِينَ سَنَةً .

وَأَمَّا ( الْبَاءَةُ ) فَفِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ حَكَاهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ : الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ ( الْبَاءَةُ ) بِالْمَدِّ وَالْهَاءِ ، وَالثَّانِيَةُ : ( الْبَاةُ ) بِلَا مَدٍّ . وَالثَّالِثَةُ ( الْبَاءُ ) بِالْمَدِّ بِلَا هَاءٍ . وَالرَّابِعَةُ ( الْبَاهَةُ ) بِهَاءَيْنِ بِلَا مَدٍّ ، وَأَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ : الْجِمَاعُ ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْمَبَاءَةِ وَهِيَ الْمَنْزِلُ ، وَمِنْهُ مَبَاءَةُ الْإِبِلِ ، وَهِيَ مَوَاطِنُهَا ، ثُمَّ قِيلَ لِعَقْدِ النِّكَاحِ : بَاءَةٌ ؛ لِأَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَوَّأَهَا مَنْزِلًا .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْبَاءَةِ هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى وَاحِدٍ أَصَحُّهُمَا : أَنَّ الْمُرَادَ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الْجِمَاعُ ، فَتَقْدِيرُهُ : مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْجِمَاعَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُؤَنِهِ وَهِيَ مُؤَنُ النِّكَاحِ فَلْيَتَزَوَّجْ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْجِمَاعَ لِعَجْزِهِ عَنْ مُؤَنِهِ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ لِيَدْفَعَ شَهْوَتَهُ ، وَيَقْطَعَ شَرَّ مَنِيَّهُ ، كَمَا يَقْطَعُهُ الْوِجَاءُ ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَقعَ الْخِطَابِ مَعَ الشُّبَّانِ الَّذِينَ هُمْ مَظِنَّةُ شَهْوَةِ النِّسَاءِ ، وَلَا يَنْفَكُّونَ عَنْهَا غَالِبًا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالْبَاءَةِ مُؤَنُ النِّكَاحِ ، سُمِّيَتْ بِاسْمِ مَا يُلَازِمُهَا ، وَتَقْدِيرُهُ : مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ مُؤَنَ النِّكَاحِ فَلْيَتَزَوَّجْ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْهَا فَلْيَصُمْ ؛ لِيَدْفَعَ شَهْوَتَهُ . وَالَّذِي حَمَلَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا على هذا أَنَّهُمْ قَالُوا : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ ) قَالُوا : وَالْعَاجِزُ عَنِ الْجِمَاعِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الصَّوْمِ لِدَفْعِ الشَّهْوَةِ ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ الْبَاءَةِ عَلَى الْمُؤَنِ ، وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ أَنَّ تَقْدِيرَهُ : مَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْجِمَاعَ لِعَجْزِهِ عَنْ مُؤَنِهِ ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْجِمَاعِ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا ( الْوِجَاءُ ) فَبِكَسْرِ الْوَاوِ وَبِالْمَدِّ ، وَهُوَ رَضُّ الْخُصْيَتَيْنِ ، وَالْمُرَادُ هُنَا : أَنَّ الصَّوْمَ يَقْطَعُ الشَّهْوَةَ ، وَيَقْطَعُ شَرَّ الْمَنِيِّ ، كَمَا يَفْعَلُهُ الْوِجَاءُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : الْأَمْرُ بِالنِّكَاحِ لِمَنِ اسْتَطَاعَهُ وَتَاقَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، لَكِنَّهُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً أَمْرُ نَدْبٍ لَا إِيجَابَ ، فَلَا يَلْزَمُ التَّزَوُّجُ وَلَا التَّسَرِّي ، سَوَاءٌ خَافَ الْعَنَتَ أَمْ لَا ، هَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً ، وَلَا يُعْلَمُ أَحَدٌ أَوْجَبَهُ إِلَّا دَاوُدَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : يَلْزَمُهُ إِذَا خَافَ الْعَنَتَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ يَتَسَرَّى ، قَالُوا : وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَلَمْ يَشْرِطْ بَعْضُهُمْ خَوْفَ الْعَنَتَ ، قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : إِنَّمَا يَلْزَمُهُ التَّزْوِيجُ فَقَطْ ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْوَطْءُ ، وَتَعَلَّقُوا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ مَعَ الْقُرْآنِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ وَغَيْرَهَا مِنَ الْآيَاتِ .

وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَخَيَّرَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيْنَ النِّكَاحِ وَالتَّسَرِّي ، قَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ : هَذَا حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَيَّرَهُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالتَّسَرِّي بِالِاتِّفَاقِ ، وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ وَاجِبًا لَمَا خَيَّرَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّسَرِّي ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَالِ حَقِيقَةِ الْوَاجِبِ ، وَأَنَّ تَارِكَهُ لَا يَكُونُ آثِمًا . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) فَمَعْنَاهُ : مَنْ رَغِبَ عَنْهَا إِعْرَاضًا عَنْهَا غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لَهَا عَلَى مَا هِيَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَمَّا الْأَفْضَلُ مِنَ النِّكَاحِ وَتَرْكِهِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : النَّاسُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ : قِسْمٌ تَتُوقُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ وَيَجِدُ الْمُؤَنَ ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكَاحُ ، وَقِسْمٌ لَا تَتُوقُ وَلَا يَجِدُ الْمُؤَنَ ، فَيُكْرَهُ لَهُ .

وَقِسْمٌ تَتُوقُ وَلَا يَجِدُ الْمُؤَنَ ، فَيُكْرَهُ لَهُ ، وَهَذَا مَأْمُورٌ بِالصَّوْمِ ؛ لِدَفْعِ التَّوَقَانِ . وَقِسْمٌ يَجِدُ الْمُؤَنَ وَلَا تَتُوقُ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا : أَنَّ تَرْكَ النِّكَاحِ لِهَذَا وَالتَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ ، وَلَا يُقَالُ : النِّكَاحُ مَكْرُوهٌ ؛ بَلْ تَرْكُهُ أَفْضَلُ ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ : أَنَّ النِّكَاحَ لَهُ أَفْضَلُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : أَلَا نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً شَابَّةً لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِكَ ؟ ) فِيهِ : اسْتِحْبَابُ عَرْضِ الصَّاحِبِ هَذَا عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي لَيْسَتْ لَهُ زَوْجَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، وَهُوَ صَالِحٌ لِزَوَاجِهَا عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ قَرِيبًا . وَفِيهِ : اسْتِحْبَابُ نِكَاحِ الشَّابَّةِ ؛ لِأَنَّهَا الْمُحَصِّلَةُ لِمَقَاصِدِ النِّكَاحِ ، فَإِنَّهَا أَلَذُّ اسْتِمْتَاعًا ، وَأَطْيَبُ نَكْهَةً ، وَأَرْغَبُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ النِّكَاحِ ، وَأَحْسَنُ عِشْرَةً ، وَأَفْكَهُ مُحَادَثَةً ، وَأَجْمَلُ مَنْظَرًا ، وَأَلْيَنُ مَلْسًا ، وَأَقْرَبُ إِلَى أَنْ يُعَوِّدَهَا زَوْجُهَا الْأَخْلَاقَ الَّتِي يَرْتَضِيهَا . وَقَوْلُهُ : ( تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِكَ ) مَعْنَاهُ : تَتَذَكَّرُ بِهَا بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ نَشَاطِكَ وَقُوَّةِ شَبَابِكَ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُنْعِشُ الْبَدَنَ .

قَوْلُهُ : ( إِنَّ عُثْمَانَ دَعَا ابْنَ مَسْعُودٍ ، وَاسْتَخْلَاهُ فَقَالَ لَهُ ) هَذَا الْكَلَامُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْإِسْرَارِ بِمِثْلِ هَذَا ، فَإِنَّهُ مِمَّا يُسْتَحيا مِنْ ذِكْرِهِ بَيْنَ النَّاسِ . وَقَوْلُهُ : ( أَلَا نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً بِكْرًا ؟ ) دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْبِكْرِ وَتَفْضِيلِهَا عَلَى الثَّيِّبِ ، وَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا ؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا فِي قَوْلِهِ : ( جَارِيَةً شَابَّةً ) .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث