حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

باب الصَّدَاقِ وَجَوَازِ كَوْنِهِ تَعْلِيمَ قُرْآنٍ وَخَاتَمَ حَدِيدٍ

[76] 1425 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ : جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ ، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا . فَقَالَ : فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ ؟ فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَ : اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا ؟ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا ، وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا .

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْظُرْ وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي - قَالَ سَهْلٌ : مَا لَهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ : مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدَهَا ، فَقَالَ : تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : اذْهَبْ فَقَدْ مُلِّكْتكهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ . هَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ ، وَحَدِيثُ يَعْقُوبَ يُقَارِبُهُ فِي اللَّفْظِ .

[77] وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ زَائِدَةَ قَالَ : انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنْ الْقُرْآنِ . ( 13 ) بَاب الصَّدَاقِ وَجَوَازِ كَوْنِهِ تَعْلِيمَ قُرْآنٍ وَخَاتَمَ حَدِيدٍ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ وَاسْتِحْبَابِ كَوْنِهِ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ لِمَنْ لَا يُجْحِفُ بِهِ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ) يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ ، هُوَ الْقَارِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْقَارَةِ قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ . ج٩ / ص٥٥٤قَوْلُهَا : ( جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي ) مَعَ سُكُوتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

فِيهِ : دَلِيلٌ لِجَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نِكَاحَهَا لَهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ أَصْحَابُنَا : فَهَذِهِ الْآيَةُ وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلَانِ لِذَلِكَ ، فَإِذَا وَهَبَتِ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَزَوَّجَهَا بِلَا مَهْرٍ حَلَّ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَهْرُهَا بِالدُّخُولِ ، وَلَا بِالْوَفَاةِ ، وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو نِكَاحُهُ وُجُوبُ مَهْرٍ إِمَّا مُسَمًّى ، وَإِمَّا مَهْرُ الْمِثْلِ . وَفِي انْعِقَادِ نِكَاحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا : أَحَدُهُمَا : يَنْعَقِدُ لِظَاهِرِ الْآيَةِ ، وَهَذَا الْحَدِيثِ . وَالثَّانِي : لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ ، بَلْ لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ أَوِ الْإِنْكَاحِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّةِ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ ، وَيَحْمِلُ هَذَا الْقَائِلُ الْآيَةَ وَالْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْهِبَةِ أَنَّهُ لَا مَهْرَ لِأَجْلِ الْعَقْدِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَنْعَقِدُ نِكَاحُ كُلِّ أَحَدٍ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَبِمِثْلِ مَذْهَبِنَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَكَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ إِذَا قُصِدَ بِهِ النِّكَاحُ سَوَاءٌ ذَكَرَ الصَّدَاقَ أَمْ لَا ، وَلَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الرَّهْنِ وَالْإِجَارَةِ وَالْوَصِيَّةِ .

وَمِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ مَنْ صَحَّحَهُ بِلَفْظِ الْإِحْلَالِ وَالْإِبَاحَةِ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ . قَوْلُهُ : ( فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ ) أَمَّا ( صَعَّدَ ) فَبِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ أَيْ رَفَعَ ، وَأَمَّا ( صَوَّبَ ) فَبِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ خَفَضَ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ النَّظَرِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً وَتَأَمُّلِهِ إِيَّاهَا . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ عَرْضِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا عَلَى الرَّجُلِ الصَّالِحِ لِيَتَزَوَّجَهَا .

وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ طُلِبَتْ مِنْهُ حَاجَةٌ لَا يُمْكِنُهُ قَضَاؤُهَا أَنْ يَسْكُتَ سُكُوتًا يَفْهَمُ السَّائِلُ مِنْهُ ذَلِكَ وَلَا يُخْجِلُهُ بِالْمَنْعِ إِلَّا إِذَا لَمْ يَحْصُلِ الْفَهْمُ إِلَّا بِصَرِيحِ الْمَنْعِ فَيُصَرِّحُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ جَوَازُ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ هَلْ هِيَ فِي عِدَّةٍ أَمْ لَا ؟ حَمْلًا عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ . قَالَ : وَعَادَةُ الْحُكَّامِ يَبْحَثُونَ عَنْ ذَلِكَ احْتِيَاطًا .

قُلْتُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُزَوِّجُ الْقَاضِي مَنْ جَاءَتْهُ لِطَلَبِ الزَّوَاجِ حَتَّى يَشْهَدَ عَدْلَانِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ خَاصٌّ ، وَلَيْسَتْ فِي زَوْجِيَّةٍ وَلَا عِدَّةٍ . فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : هَذَا شَرْطٌ وَاجِبٌ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ اسْتِحْبَابٌ وَاحْتِيَاطٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( انْظُرْ وَلَوْ خَاتَم مِنْ حَدِيدٍ ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ ( خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ ، ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ( خَاتَمًا ) وَهَذَا وَاضِحٌ ، وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ أَيْضًا أَيْ وَلَوْ حَضَرَ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أنْ لَا يَنْعَقِدَ النِّكَاحُ إِلَّا بِصَدَاقٍ ؛ لِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ ، وَأَنْفَعُ لِلْمَرْأَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَوْ حَصَلَ طَلَاقٌ قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ نِصْفُ الْمُسَمَّى ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَةٌ لَمْ يَجِبْ صَدَاقٌ ، بَلْ تَجِبُ الْمُتْعَةُ ، فَلَوْ عَقَدَ النِّكَاحَ بِلَا صَدَاقٍ ج٩ / ص٥٥٥صَحَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ مَهْرٍ ، ثُمَّ يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ .

وَهَلْ يَجِبُ بِالْعَقْدِ أَمْ بِالدُّخُولِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ ، وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا بِالدُّخُولِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ قَلِيلًا وَكَثِيرًا مِمَّا يُتَمَوَّلُ إِذَا تَرَاضَى بِهِ الزَّوْجَانِ ؛ لِأَنَّ خَاتَمَ الْحَدِيدِ فِي نِهَايَةٍ مِنَ الْقِلَّةِ . وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَأَبُو الزِّنَادِ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَدَاوُدُ ، وَفُقَهَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَابْنُ وَهْبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ .

قَالَ الْقَاضِي : هُوَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً مِنَ الْحِجَازِيِّينَ وَالْبَصَرِيِّينِ وَالْكُوفِيِّين وَالشَّامِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ يَجُوزُ مَا تَرَاضَى بِهِ الزَّوْجَانِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ ، كَالسَّوْطِ وَالنَّعْلِ وَخَاتَمِ الْحَدِيدِ وَنَحْوِهِ . وَقَالَ مَالِكٌ : أَقَلُّهُ رُبُعُ دِينَارٍ كَنِصَابِ السَّرِقَةِ . قَالَ الْقَاضِي : هَذَا مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ مَالِكٌ .

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : أَقَلُّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ . وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ أَقَلُّهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ اعْتِبَارًا بِنِصَابِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ عِنْدَهُمَا . وَكَرِهَ النَّخَعِيُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَقَلِّ مِنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا .

وَقَالَ مَرَّةً : عَشَرَةً . وَهَذِهِ الْمَذَاهِبُ سِوَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ ، وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ اتِّخَاذِ خَاتَمِ الْحَدِيدِ ، وَفِيهِ خِلَافٌ لِلسَّلَفِ حَكَاهُ الْقَاضِي .

وَلِأَصْحَابِنَا فِي كَرَاهَتِهِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا لَا يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ ضَعِيفٌ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَعْجِيلِ تَسْلِيمِ الْمَهْرِ إِلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَم مِنْ حَدِيدٍ ) فِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ وَلَا ضَرُورَةٍ ، لَكِنْ قَالَ أَصْحَابُنَا : يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، وَهَذَا كَانَ مُحْتَاجًا لِيُؤَكِّدَ قَوْلَهُ . وَفِيهِ جَوَازُ تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ وَتَزَوُّجِهِ .

قَوْلُهُ : ( وَلَكِنَّ هَذَا إِزَارِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى نَظَرِ كَبِيرِ الْقَوْمِ فِي مَصَالِحِهِمْ ، وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى مَا فِيهِ الرِّفْقُ بِهِمْ ، وَفِيهِ جَوَازُ لُبْسِ الرَّجُلِ ثَوْبَ امْرَأَتِهِ إِذَا رَضِيَتْ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ رِضَاهَا ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . ج٩ / ص٥٥٦قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اذْهَبْ فَقَدْ مُلِّكْتَهَا بِمَا مَعَكَ ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ ( مُلِّكْتَهَا ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ( مَلَّكْتُكَهَا ) بِكَافَيْنِ ، وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .

وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( زَوَّجْتُكَهَا ) . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : رِوَايَةُ مَنْ رَوَى ( مُلِّكْتَهَا ) وَهَمٌ . قَالَ : وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى ( زَوَّجْتُكَهَا ) .

قَالَ : وَهُمْ أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ . قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ صِحَّةَ اللَّفْظَيْنِ ، وَيَكُونُ جَرَى لَفْظُ التَّزْوِيجِ أَوَّلًا ( فَمُلِّكَهَا ) . ثُمَّ قَالَ لَهُ : اذْهَبْ فَقَدْ ( مُلِّكْتَهَا ) بِالتَّزْوِيجِ السَّابِقِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ كَوْنِ الصَّدَاقِ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ ، وَجَوَازُ الِاسْتِئْجَارِ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمْ ، وَمَنَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الزُّهْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَهَذَا

الْحَدِيثُ مَعَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ " يَرُدَّانِ قَوْلَ مَنْ مَنْعَ ذَلِكَ
. وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ جَوَازَ الِاسْتِئْجَارِ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ عَنِ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً سِوَى أَبِي حَنِيفَةَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث