باب حُكْمِ الْعَزْلِ
[125] ( 1438 ) - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ جعفر قَالُوا حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ أَنَّهُ قَالَ : دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو صِرْمَةَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، فَسَأَلَهُ أَبُو صِرْمَةَ فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ الْعَزْلَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ بَلْمُصْطَلِقِ فَسَبَيْنَا كَرَائِمَ الْعَرَبِ ، فَطَالَتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ ، وَرَغِبْنَا فِي الْفِدَاءِ ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَسْتَمْتِعَ وَنَعْزِلَ ، فَقُلْنَا نَفْعَلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا لَا نَسْأَلُهُ ؟ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ خَلْقَ نَسَمَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا سَتَكُونُ " . [126] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي مَعْنَى حَدِيثِ رَبِيعَةَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : " فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " . ( 22 ) بَابُ حُكْمِ الْعَزْلِ الْعَزْلُ هُوَ أَنْ يُجَامِعَ فَإِذَا قَارَبَ الْإِنْزَالَ نَزَعَ وَأَنْزَلَ خَارِجَ الْفَرْجِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَنَا فِي كُلِّ حَالٍ وَكُلِّ امْرَأَةٍ سَوَاءٌ رَضِيَتْ أَمْ لَا لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إِلَى قَطْعِ النَّسْلِ ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ تَسْمِيَتُهُ الْوَأْدَ الْخَفِيَّ ؛ لِأَنَّهُ قَطْعُ طَرِيقِ الْوِلَادَةِ كَمَا يُقْتَلُ الْمَوْلُودُ بِالْوَأْدِ .
ج١٠ / ص١١وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يَحْرُمُ فِي مَمْلُوكَتِهِ وَلَا فِي زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ سَوَاءٌ رَضِيَتَا أَمْ لَا لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي مَمْلُوكَتِهِ بِمَصِيرِهَا أُمَّ وَلَدٍ وَامْتِنَاعِ بَيْعِهَا وَعَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي زَوْجَتِهِ الرَّقِيقَةِ بِمَصِيرِ وَلَدِهِ رَقِيقًا تَبَعًا لِأُمِّهِ ، وَأَمَّا زَوْجَتُهُ الْحُرَّةُ فَإِنْ أَذِنَتْ فِيهِ لَمْ يَحْرُمْ ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا : لَا يَحْرُمُ . ثُمَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مَعَ غَيْرِهَا يُجْمَعُ بَيْنَهَا بِأَنَّ مَا وَرَدَ فِي النَّهْيِ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَمَا وَرَدَ ج١٠ / ص١٢فِي الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ نَفْيَ الْكَرَاهَةِ . هَذَا مُخْتَصَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وَلِلسَّلَفِ خِلَافٌ كَنَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَنْ حَرَّمَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ قَالَ : عَلَيْهَا ضَرَرٌ فِي الْعَزْلِ فَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِهِ إِذْنُهَا .
قَوْلُهُ ( غَزْوَةُ بَلْمُصْطَلِقِ ) أَيْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ أَهْلُ الْبَيْتِ : هَذَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةِ أَوْطَاسٍ . قَوْلُهُ : ( كَرَائِمُ الْعَرَبِ ) أَيِ النَّفِيسَاتُ مِنْهُمْ ، قَوْلُهُ : ( فَطَالَتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَرَغِبْنَا فِي الْفِدَاءِ ) مَعْنَاهُ احْتَجْنَا إِلَى الْوَطْءِ وَخِفْنَا مِنَ الْحَبَلِ فَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ يَمْتَنِعُ عَلَيْهَا بَيْعُهَا وَأَخْذُ الْفِدَاءِ فِيهَا .
فَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ مَنْعُ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ وَأَنَّ هَذَا كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا عَلَيْكُمْ إلَّا تَفْعَلُوا ، مَا كَتَبَ اللَّهُ خَلْقَ نَسَمَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا سَتَكُونُ " . مَعْنَاهُ مَا عَلَيْكُمْ ضَرَرٌ فِي تَرْكِ الْعَزْلِ لِأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَهَا لَا بُدَّ أَنْ يَخْلُقَهَا سَوَاءٌ عَزَلْتُمْ أَمْ لَا ، وَمَا لَمْ يُقَدِّرْ خَلْقَهَا لَا يَقَعُ ، سَوَاءٌ عَزَلْتُمْ أَمْ لَا .
فَلَا فَائِدَةَ فِي عَزْلِكُمْ ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدَّرَ خَلْقَهَا سَبَقَكُمُ الْمَاءُ فَلَا يَنْفَعُ حِرْصُكُمْ فِي مَنْعِ الْخَلْقِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْعَرَبَ يَجْرِي عَلَيْهِمُ الرِّقُّ كَمَا يَجْرِي عَلَى الْعَجَمِ وَأَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا ج١٠ / ص١٣مُشْرِكِينَ وَسُبُوا جَازَ اسْتِرْقَاقُهُمْ لِأَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ عَرَبٌ صُلْبِيَّةٌ مِنْ خُزَاعَةَ وَقَدِ اسْتَرَقُّوهُمْ وَوَطِئُوا سَبَايَاهُمْ وَاسْتَبَاحُوا بَيْعَهُنَّ وَأَخْذَ فِدَائِهِنَّ . وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الصَّحِيحِ الْجَدِيدِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ : لَا يَجْرِي عَلَيْهِمُ الرِّقُّ لِشَرَفِهِمْ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .