باب اسْتِحْبَابِ نِكَاحِ الْبِكْرِ
[57] - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ سَيَّارٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : " كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَلَمَّا أَقْبَلْنَا تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ خَلْفِي فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ كَانَتْ مَعَهُ ، فَانْطَلَقَ بَعِيرِي كَأَجْوَدِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ الْإِبِلِ ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا يُعْجِلُكَ يَا جَابِرُ ؟ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ ، فَقَالَ : أَبِكْرًا تَزَوَّجْتَهَا أَمْ ثَيِّبًا ؟ قَالَ : قُلْتُ : بَلْ ثَيِّبًا . قَالَ هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ ؟ قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ ، فَقَالَ : أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا أَيْ عِشَاءً كَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ ، قَالَ : وَقَالَ : إِذَا قَدِمْتَ فَالْكَيْسَ الْكَيْسَ " . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا أَقْبَلْنَا تَعَجَّلَتْ ) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا ، ( أَقْبَلْنَا ) وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ مُسْلِمٍ قَالَ : وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ ( أَقْفَلْنَا ) بِالْفَاءِ ، قَالَ : وَوَجْهُ الْكَلَامِ ( قَفَلْنَا ) أَيْ رَجَعْنَا وَيَصِحُّ ( أَقْبَلَنَا ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ أَقْفَلَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُقْفِلْنَا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ .
قَوْلُهُ : ( تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ بَطِيءُ الْمَشْيِ . قَوْلُهُ : ( فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ ) هِيَ بِفَتْحِ النُّونِ وَهِيَ عَصَا نَحْوَ نِصْفِ الرُّمْحِ فِي أَسْفَلِهَا زَجٌّ . قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقَ بَعِيرِي كَأَجْوَدِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ الْإِبِلِ ) هَذَا فِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَثَرُ بَرَكَتِهِ .
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا - أَيْ عِشَاءً - كَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ ، الِاسْتِحْدَادُ اسْتِعْمَالُ الْحَدِيدَةِ فِي شَعْرِ الْعَانَةِ وَهُوَ إِزَالَتُهُ بِالْمُوسَى ، وَالْمُرَادُ هَهُنَا إِزَالَتُهُ كَيْفَ كَانَتْ ، وَالْمُغِيبَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ وَهِيَ الَّتِي غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَإِنْ حَضَرَ زَوْجُهَا فَهِيَ ( مُشْهِدٌ ) بِلَا هَاءٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِعْمَالُ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالِاحْتِرَازِ مِنْ تَتَبُّعِ الْعَوْرَاتِ وَاجْتِلَابِ مَا يَقْتَضِي دَوَامَ الصُّحْبَةِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعَارَضَةٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي النَّهْيِ عَنِ الطُّرُوقِ لَيْلًا لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ جَاءَ بَغْتَةً ، وَأَمَّا هُنَا فَقَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُ مَجِيئِهِمْ وَعَلِمَ النَّاسُ وُصُولَهُمْ وَأَنَّهُمْ سَيَدْخُلُونَ عِشَاءً ، فَتَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ الْمُغِيبَةُ وَالشَّعِثَةُ وَتُصْلِحُ حَالَهُمَا وَتَتَأَهَّبُ لِلِقَاءِ زَوْجِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ج١٠ / ص٤٤قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا قَدِمْتَ فَالْكَيْسَ الْكَيْسَ ) قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ الْكَيْسُ الْجِمَاعُ ، وَالْكَيْسُ الْعَقْلُ ، وَالْمُرَادُ حَثُّهُ عَلَى ابْتِغَاءِ الْوَلَدِ .