باب وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ
[19] - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِيُّ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ - عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا ، وَقَالَ : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [20] ( 1474 ) - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يُخْبِرُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا . قَالَتْ : فَتَوَاطَأتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْتَقُلْ : إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ ، فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ ، فَنَزَلَ : لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ إِلَى قَوْلِهِ : إِنْ تَتُوبَا ، لِعَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ : وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا لِقَوْلِهِ : بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا . قَوْلُهَا : ( فَتَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ ( فَتَوَاطَيْتُ ) وَأَصْلُهُ ( فَتَوَاطَأْتُ ) بِالْهَمْزِ أَيِ اتَّفَقْتُ .
قَوْلُهَا : ( إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ ) هِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَفَاءٍ وَبَعْدَ الْفَاءِ يَاءٌ هَكَذَا هُوَ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ، وَأَمَّا الْمَوْضِعَانِ الْأَخِيرَانِ فَوَقَعَ فِيهِمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْيَاءِ وَفِي بَعْضِهَا بِحَذْفِهَا ، قَالَ الْقَاضِي : الصَّوَابُ إِثْبَاتُهَا لِأَنَّهَا عِوَضٌ مِنَ الْوَاوِ الَّتِي فِي الْمُفْرَدِ ، وَإِنَّمَا حُذِفَتْ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ وَهُوَ جَمْعُ مَغْفُورٍ ، وَهُوَ صَمْغٌ حُلْوٌ كَالنَّاطِفِ وَلَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ يَنْضَحُهُ شَجَرٌ يُقَالُ لَهُ : الْعُرْفُطُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ يَكُونُ بِالْحِجَازِ وَقِيلَ إِنَّ الْعُرْفُطَ نَبَاتٌ لَهُ وَرَقَةٌ عَرِيضَةٌ تَفْتَرِشُ عَلَى الْأَرْضِ لَهُ شَوْكَةٌ حَجْنَاءُ وَثَمَرَةٌ بَيْضَاءُ كَالْقُطْنِ مِثْلُ زِرِّ الْقَمِيصِ خَبِيثُ الرَّائِحَةِ . قَالَ الْقَاضِي : وَزَعَمَ الْمُهَلَّبُ أَنَّ رَائِحَةَ الْمَغَافِيرِ وَالْعُرْفُطِ حَسَنَةٌ ، وَهُوَ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ وَخِلَافُ مَا قَالَهُ النَّاسُ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْعُرْفُطُ مِنْ شَجَرِ الْعِضَاهِ وَهُوَ كُلُّ شَجَرٍ لَهُ شَوْكٌ وَقِيلَ رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ ج١٠ / ص٦١النَّبِيذِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ أَنْ تُوجَدَ مِنْهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ .
قَوْلُهَا : ( جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ ) هُوَ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أَكَلَتِ الْعُرْفُطَ لِيَصِيرَ مِنْهُ الْعَسَلُ . قوْلُهَا ( : فَقَالَ : بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ ، فَنَزَلَ : لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَبَبِ تَرْكِ الْعَسَلِ ، وَفِي كُتُبِ الْفِقْهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَحْرِيمِ مَارِيَةَ ، قَالَ الْقَاضِي : اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : فِي قِصَّةِ الْعَسَلِ ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَحْرِيمِ مَارِيَةَ جَارِيَتِهِ وَحَلِفِهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا . قَالَ : وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَوْجَبَ بِالتَّحْرِيمِ كَفَّارَةً مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ لِمَا رُوِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَاللَّهِ لَا أَطَأُهَا ثُمَّ قَالَ : هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ حَلِفِهِ عَلَى شُرْبِهِ الْعَسَلَ وَتَحْرِيمِهِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : لَنْ أَعُودَ لَهُ وَقَدْ حَلَفْتُ أَنْ لا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا .
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شُرْبِ الْعَسَلِ : لَنْ أَعُودَ إِلَيْهِ أَبَدًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ يَمِينًا ، لَكِنْ قَوْلُهُ تَعَالَى : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَ هُنَاكَ يَمِينٌ ، قُلْتُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْآيَةِ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي التَّحْرِيمِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ، وَهَكَذَا يُقَدِّرُهُ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَمُوَافِقُوهُمْ . قَوْلُهَا : ( فَقَالَ : بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا : ( أَنَّ شُرْبَ الْعَسَلِ كَانَ عِنْدَ حَفْصَةَ ) قَالَ الْقَاضِي : ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ حَجَّاجٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ الَّتِي شَرِبَ عِنْدهَا الْعَسَلَ زَيْنَبُ ، وَأَنَّ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ عَلَيْهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ ، وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ ، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ أَنَّ حَفْصَةَ هِيَ الَّتِي شَرِبَ الْعَسَلَ عِنْدَهَا ، وَأَنَّ عَائِشَةَ وَسَوْدَةَ ، وَصْفِيَّةَ مِنَ اللَّوَاتِي تَظَاهَرْنَ عَلَيْهِ . قَالَ : وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
قَالَ النَّسَائِيُّ : إِسْنَادُ حَدِيثِ حَجَّاجٍ صَحِيحٌ جَيِّدٌ غَايَةٌ . وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ : حَدِيثُ حَجَّاجٍ أَصَحُّ وَهُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ كِتَابِ اللَّهِ وَأَكْمَلُ فَائِدَةً- يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعَالَى : وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ - فَهُمَا اثْنَتَانِ لَا ثَلَاثٌ ، وَأَنَّهُمَا عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ كَمَا قَالَ فِيهِ ، وَكَمَا اعْتَرَفَ بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَدِ انْقَلَبَتِ الْأَسْمَاءُ عَلَى الرَّاوِي فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى .
كَمَا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ أَنَّهَا فِي قِصَّةِ الْعَسَلِ لَا فِي قِصَّةِ مَارِيَةَ الْمَرْوِيَّةِ فِي غَيْرِ ج١٠ / ص٦٢الصَّحِيحَيْنِ
وَلَمْ تَأْتِ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ.
قَالَ النَّسَائِيُّ : إِسْنَادُ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْعَسَلِ جَيِّدٌ صَحِيحٌ غَايَةٌ . هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي.
ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي بَعْدَ هَذَا : الصَّوَابُ أَنَّ شُرْبَ الْعَسَلِ كَانَ عِنْدَ زَيْنَبَ . قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا لِقَوْلِهِ : بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا ، هَكَذَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ . قَالَ الْقَاضِي : فِيهِ اخْتِصَارٌ ، وَتَمَامُهُ : وَلَنْ أَعُودَ إِلَيْهِ وَقَدْ حَلَفْتُ أَنْ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا ، كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي مَعْنَى السِّرِّ . وَقِيلَ : بَلْ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ مَارِيَةَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ .