حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

بَاب الْمُسَاقَاةِ وَالْمُعَامَلَةِ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ

[3] وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا خَرَجَ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فَكَانَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ مِمَّنْ اخْتَارَتَا الْأَرْضَ وَالْمَاءَ وَقَالَ : خَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ الْأَرْضَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَاءَ . قَوْلُهُ : ( بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ) فِي بَيَانِ الْجُزْءِ الْمُسَاقَى عَلَيْهِ مِنْ نِصْفٍ أَوْ رُبُعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَجْزَاءِ الْمَعْلُومَةِ ، فَلَا يَجُوزُ عَلَى مَجْهُولٍ كَقَوْلِهِ : عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَعْضُ الثَّمَرِ . وَاتَّفَقَ الْمُجَوِّزُونَ لِلْمُسَاقَاةِ عَلَى جَوَازِهَا بِمَا اتَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ .

قَوْلُهُ : ( مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ ) يَحْتَجُّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ فِي جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ ، وَإِنْ كَانَتِ الْمُزَارَعَةُ عِنْدَهُمْ لَا تَجُوزُ مُنْفَرِدَةً ، فَتَجُوزُ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ ، فَيُسَاقِيهِ عَلَى النَّخْلِ ، وَيُزَارِعُهُ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا جَرَى فِي خَيْبَرَ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ لَا مُنْفَرِدَةً وَلَا تَبَعًا إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْأَرْضِ بَيْنَ الشَّجَرِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ : الْمُزَارَعَةُ وَالْمُسَاقَاةُ فَاسِدَتَانِ سَوَاءٌ جَمَعَهُمَا أَوْ فَرَّقَهُمَا .

وَلَوْ عُقِدَتَا فُسِخَتَا . وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ ، وَفُقَهَاءُ الْمُحَدِّثِينَ ، وَأَحْمَدُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ شُرَيْحٍ وَآخَرُونَ : تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ مُجْتَمِعَتَيْنِ ، وَتَجُوزُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً . وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ لِحَدِيثِ خَيْبَرَ .

وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَى كَوْنِ الْمُزَارَعَةِ فِي خَيْبَرَ إِنَّمَا جَازَتْ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ ، بَلْ جَازَتْ مُسْتَقِلَّةً ، وَلِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزَ لِلْمُسَاقَاةِ مَوْجُودٌ فِي الْمُزَارَعَةِ قِيَاسًا عَلَى الْقِرَاضِ ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَهُوَ كَالْمُزَارَعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ مُسْتَمِرُّونَ عَلَى الْعَمَلِ بِالْمُزَارَعَةِ . وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُخَابَرَةِ فَسَبَقَ الْجَوَابُ عَنْهَا ، وَأَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إِذَا شَرَطَا لِكُلِّ وَاحِدٍ قِطْعَةً مُعَيَّنَةً مِنَ الْأَرْضِ . وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ خُزَيْمَةَ كِتَابًا فِي جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ ، وَاسْتَقْصَى فِيهِ وَأَجَادَ ، وَأَجَابَ عَنِ الْأَحَادِيثِ بِالنَّهْيِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . [4] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : لَمَّا افْتُتِحَتْ خَيْبَرُ سَأَلَتْ يَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقِرَّهُمْ فِيهَا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا عَلَى نِصْفِ مَا خَرَجَ مِنْهَا مِنْ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُقِرُّكُمْ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، وَابْنِ مُسْهِرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَزَادَ فِيهِ : وَكَانَ الثَّمَرُ يُقْسَمُ عَلَى السُّهْمَانِ مِنْ نِصْفِ خَيْبَرَ فَيَأْخُذُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُمْسَ . ج١٠ / ص١٦٣قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُقِرُّكُمْ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا ) .

وَفِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ : ( أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ ) ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَهُوَ عَائِدٌ إِلَى مُدَّةِ الْعَهْدِ ، وَالْمُرَادُ إِنَّمَا نُمَكِّنُكُمْ مِنَ الْمُقَامِ فِي خَيْبَرَ مَا شِئْنَا ، ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ إِذَا شِئْنَا ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَازِمًا عَلَى إِخْرَاجِ الْكُفَّارِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كَمَا أَمَرَ بِهِ فِي آخِرِ عُمْرِهِ ، وَكَمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَغَيْرُهُ . وَاحْتَجَّ أَهْلُ الظَّاهِرِ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ مُدَّةً مَجْهُولَةً . وَقَالَ الْجُمْهُورُ : لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إِلَّا إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ كَالْإِجَارَةِ ، وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .

جَازَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ خَاصَّةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ لَنَا إِخْرَاجَكُمْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الْمُسَمَّاةِ ، وَكَانَتْ سُمِّيَتْ مُدَّةً ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بَيَانُ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ لَيْسَتْ بِعَقْدٍ دَائِمٍ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ ، بَلْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ تَنْقَضِي الْمُسَاقَاةُ . فَإِنْ شِئْنَا عَقَدْنَا عَقْدًا آخَرَ ، وَإِنْ شِئْنَا أَخْرَجْنَاكُمْ .

وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِذَا أَطْلَقَا الْمُسَاقَاةَ اقْتَضَى ذَلِكَ سَنَةً وَاحِدَةً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث