بَاب فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ
[ 78 ] 1776 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ : يَا أَبَا عُمَارَةَ ، أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ ، مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ ، أَوْ كَثِيرُ سِلَاحٍ ، فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً ، لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ ، فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُ بِهِ ، فَنَزَلَ فَاسْتَنْصَرَ ، وَقَالَ :
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( حُسَّرًا ) فَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمَفْتُوحَةِ ، أَيْ بِغَيْرِ دُرُوعٍ ، وَقَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ : ( لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ ) ، وَالْحَاسِرُ : مَنْ لَا دِرْعَ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ مَصْدَرٌ . وَأَمَّا ( الرِّشْقُ ) بِالْكَسْرِ فَهُوَ اسْمٌ لِلسِّهَامِ الَّتِي تَرْمِيهَا الْجَمَاعَةُ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَضَبَطَ الْقَاضِي الرِّوَايَةَ هُنَا بِالْكَسْرِ ، وَضَبَطَهُ غَيْرُهُ بِالْفَتْحِ ، كَمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا ، وَهُوَ الْأَجْوَدُ ، وَإِنْ كَانَا جَيِّدَيْنِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ : ( فَرَمَوْهُ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلٍ ) فَهُوَ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ : رَشَقَهُ يَرْشُقُهُ أَرْشَقَهُ ثُلَاثِيٌّ وَرُبَاعِيٌّ ، وَالثُّلَاثِيُّ أَشْهَرُ وَأَفْصَحُ . قَوْلُهُ : ( فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ ) أَيْ دَعَا ، فَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ قِيَامِ الْحَرْبِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قَالَ ج١٢ / ص٤٥٩الْمَازِرِيُّ : أَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ كَوْنَ الرَّجَزِ شِعْرًا ؛ لِوُقُوعِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَخْفَشِ ، وَاحْتُجَّ بِهِ عَلَى فَسَادِ مَذْهَبِ الْخَلِيلِ فِي أَنَّهُ شِعْرٌ ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّ الشِّعْرَ هُوَ مَا قُصِدَ إِلَيْهِ ، وَاعْتَمَدَ الْإِنْسَانُ أَنْ يُوقِعَهُ مَوْزُونًا مُقَفًّى يَقْصِدُهُ إِلَى الْقَافِيَةِ ، وَيَقَعُ فِي أَلْفَاظِ الْعَامَّةِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَوْزُونَةِ ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ إِنَّهَا شِعْرٌ ، وَلَا صَاحِبُهَا شَاعِرٌ ، وَهَكَذَا الْجَوَابُ عَمَّا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمَوْزُونِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى : نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَا يُسَمِّيهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ شِعْرًا ، لِأَنَّهُ لَمْ تُقْصَدْ تَقْفِيَتُهُ وَجَعْلُهُ شِعْرًا .
قَالَ : وَقَدْ غَفَلَ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ ، فَأَوْقَعَهُ ذَلِكَ فِي أَنْ قَالَ : الرِّوَايَةُ ( أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ ) بِفَتْحِ الْبَاءِ حِرْصًا مِنْهُ عَلَى أَنْ يُفْسِدَ الرَّوِيَّ ، فَيَسْتَغْنِيَ عَنِ الِاعْتِذَارِ ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَةُ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي عَنِ الْمَازِرِيِّ ، قُلْتُ : وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ السَّعْدِيُّ الصَّقَلِّيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْقَطَّاعِ فِي كِتَابِهِ ( الشَّافِي فِي عِلْمِ الْقَوَافِي ) : قَدَّرَ ـ أَيْ قَوْمٌ مِنْهُمُ الْأَخْفَشُ وَهُوَ شَيْخُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ بَعْدَ الْخَلِيلِ ـ أَنَّ مَشْطُورَ الرَّجَزِ وَمَنْهُوكَهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ " وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَلْ أَنْتِ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ " وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ " وَأَشْبَاهِ هَذَا ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ : وَهَذَا الَّذِي زَعَمَهُ الْأَخْفَشُ وَغَيْرُهُ غَلَطٌ بَيِّنٌ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّاعِرَ إِنَّمَا سُمِّيَ شَاعِرًا لِوُجُوهٍ ، مِنْهَا أَنَّهُ شَعَرَ الْقَوْلَ وَقَصَدَهُ ، وَأَرَادَهُ وَاهْتَدَى إِلَيْهِ ، وَأَتَى بِهِ كَلَامًا مَوْزُونًا عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ مُقَفًّى ، فَإِنْ خَلَا مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ أَوْ بَعْضِهَا لَمْ يَكُنْ شِعْرًا ، وَلَا يَكُونُ قَائِلُهُ شَاعِرًا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ كَلَامًا مَوْزُونًا عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ ، وَقَصَدَ الشِّعْرَ أَوْ أَرَادَهُ وَلَمْ يُقَفِّهِ لَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ الْكَلَامُ شِعْرًا ، وَلَا قَائِلُهُ شَاعِرًا بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَالشُّعَرَاءِ ، وَكَذَا لَوْ قَفَّاهُ وَقَصَدَ بِهِ الشِّعْرَ ، وَلَكِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ مَوْزُونًا لَمْ يَكُنْ شِعْرًا ، وَكَذَا لَوْ أَتَى بِهِ مَوْزُونًا مُقَفًّى لَكِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الشِّعْرَ لَا يَكُونُ شِعْرًا ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَأْتُونَ بِكَلَامٍ مَوْزُونٍ مُقَفًّى غَيْرَ أَنَّهُمْ مَا قَصَدُوهُ وَلَا أَرَادُوهُ ، وَلَا يُسَمَّى شِعْرًا ، وَإِذَا تُفُقِّدَ ذَلِكَ وُجِدَ كَثِيرًا فِي كَلَامِ النَّاسِ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السُّؤَّالِ : اخْتِمُوا صَلَاتَكُمْ بِالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ ، وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرَةٌ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْمَوْزُونَ لَا يَكُونُ شِعْرًا إِلَّا بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهِيَ الْقَصْدُ وَغَيْرُهُ مِمَّا سَبَقَ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْصِدْ بِكَلَامِهِ ذَلِكَ الشِّعْرَ ، وَلَا أَرَادَهُ ، فَلَا يُعَدُّ شِعْرًا وَإِنْ كَانَ مَوْزُونًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ " ؟ فَانْتَسَبَ إِلَى جَدِّهِ دُونَ أَبِيهِ ، وَافْتَخَرَ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ الِافْتِخَارَ فِي حَقِّ أَكْثَرِ النَّاسِ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ شُهْرَتُهُ بِجَدِّهِ أَكْثَرَ ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ تُوُفِّيَ شَابًّا فِي حَيَاةِ أَبِيهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَبْلَ اشْتِهَارِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَشْهُورًا شُهْرَةً ، ( ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ) يَنْسُبُونَهُ إِلَى جَدِّهِ لِشُهْرَتِهِ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ هَمَّامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فِي قَوْلِهِ : أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ وَقَدْ كَانَ مُشْتَهِرًا عِنْدَهُمْ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بُشِّرَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُ سَيَظْهَرُ وَسَيَكُونُ شَأْنُهُ عَظِيمًا ، وَكَانَ قَدْ أَخْبَرَهَ بِذِلْكَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ ، وَقِيلَ : إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ رَأَى رُؤْيَا تَدُلُّ عَلَى ظُهُورِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ ذَلِكَ ج١٢ / ص٤٦٠مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْكِيرَهُمْ بِذَلِكَ ، وَتَنْبِيهَهُمْ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهِ عَلَى الْأَعْدَاءِ ، وَأَنَّ الْعَاقِبَةَ لَهُ ؛ لِتَقْوَى نُفُوسُهُمْ ، وَأَعْلَمَهُمْ أَيْضًا بِأَنَّهُ ثَابِتٌ مُلَازِمٌ لِلْحَرْبِ ، لَمْ يُوَلِّ مَعَ مَنْ وَلَّى ، وَعَرَّفَهُمْ مَوْضِعَهُ لِيَرْجِعَ إِلَيْهِ الرَّاجِعُونَ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ) أَيْ أَنَا النَّبِيُّ حَقًّا ، فَلَا أَفِرُّ وَلَا أَزُولُ ، وَفِي هَذَا ج١٢ / ص٤٦١دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ الْإِنْسَانِ فِي الْحَرْبِ : أَنَا فُلَانٌ ، وَأَنَا ابْنُ فُلَانٍ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ سَلَمَةَ : أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ ، وَقَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِجَوَازِهِ عُلَمَاءُ السَّلَفِ ، وَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، قَالُوا : وَإِنَّمَا يُكْرَهُ قَوْلُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِافْتِخَارِ كَفِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .