حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

بَاب غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا

[ 132 ] 1807 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، كِلَاهُمَا عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ - وَهَذَا حَدِيثُهُ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ - حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً ، وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً لَا تُرْوِيهَا ، قَالَ : فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ ، فَإِمَّا دَعَا ، وَإِمَّا بَصَقَ فِيهَا ، قَالَ : فَجَاشَتْ فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا ، قَالَ : ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَانَا لِلْبَيْعَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ ، قَالَ : فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ ، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ مِنْ النَّاسِ قَالَ : بَايِعْ يَا سَلَمَةُ ، قَالَ : قُلْتُ : قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ ، قَالَ : وَأَيْضًا ، قَالَ : وَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَزِلًا - يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ - قَالَ : فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَفَةً أَوْ دَرَقَةً ، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ : أَلَا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ وَفِي أَوْسَطِ النَّاسِ ، قَالَ : وَأَيْضًا ، قَالَ : فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ ، ثُمَّ قَالَ لِي : يَا سَلَمَةُ ، أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرٌ عَزِلًا ، فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا ، قَالَ : فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الْأَوَّلُ : اللَّهُمَّ أَبْغِنِي حَبِيبًا ، هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي . ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ ، حَتَّى مَشَى بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ وَاصْطَلَحْنَا ، قَالَ : وَكُنْتُ تَبِيعًا لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَسْقِي فَرَسَهُ وَأَحُسُّهُ وَأَخْدِمُهُ وَآكُلُ مِنْ طَعَامِهِ ، وَتَرَكْتُ أَهْلِي وَمَالِي مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ أَتَيْتُ شَجَرَةً فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا ، فَاضْطَجَعْتُ فِي أَصْلِهَا ، قَالَ : فَأَتَانِي أَرْبَعَةٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَبْغَضْتُهُمْ ، فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى ، وَعَلَّقُوا سِلَاحَهُمْ وَاضْطَجَعُوا ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي : يَا لِلْمُهَاجِرِينَ قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ ، قَالَ : فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَى أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ وَهُمْ رُقُودٌ ، فَأَخَذْتُ سِلَاحَهُمْ فَجَعَلْتُهُ ضِغْثًا فِي يَدِي ، قَالَ : ثُمَّ قُلْتُ : وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ، لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأْسَهُ إِلَّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ ، قَالَ : ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ بِرَجُلٍ مِنْ الْعَبَلَاتِ ، يُقَالُ لَهُ : مِكْرَزٌ ، يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَرَسٍ مُجَفَّفٍ فِي سَبْعِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : دَعُوهُمْ يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وَثِنَاهُ ، فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ الْآيَةَ كُلَّهَا ، قَالَ : ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي لَحْيَانَ جَبَلٌ ، وَهُمْ الْمُشْرِكُونَ ، فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ رَقِيَ هَذَا الْجَبَلَ اللَّيْلَةَ ، كَأَنَّهُ طَلِيعَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، قَالَ سَلَمَةُ : فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَعَهُ ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ أُنَدِّيهِ مَعَ الظَّهْرِ ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ ، وَقَتَلَ رَاعِيَهُ ، قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رَبَاحُ ، خُذْ هَذَا الْفَرَسَ ، فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِ ، قَالَ : ثُمَّ قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ ، فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ ، فَنَادَيْتُ ثَلَاثًا : يَا صَبَاحَاهْ ، ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ ، وَأَرْتَجِزُ أَقُولُ :

أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ ، فَأَصُكُّ سَهْمًا فِي رَحْلِهِ حَتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إِلَى كَتِفِهِ ، قَالَ : قُلْتُ : خُذْهَا
وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ ، وَأَعْقِرُ بِهِمْ ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ أَتَيْتُ شَجَرَةً ، فَجَلَسْتُ فِي أَصْلِهَا ، ثُمَّ رَمَيْتُهُ فَعَقَرْتُ بِهِ حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الْجَبَلُ ، فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِهِ ، عَلَوْتُ الْجَبَلَ فَجَعَلْتُ أُرَدِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ ، قَالَ : فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ أَتْبَعُهُمْ حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي ، وَخَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً وَثَلَاثِينَ رُمْحًا يَسْتَخِفُّونَ ، وَلَا يَطْرَحُونَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا مِنْ الْحِجَارَةِ ، يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ، حَتَّى أَتَوْا مُتَضَايِقًا مِنْ ثَنِيَّةٍ ، فَإِذَا هُمْ قَدْ أَتَاهُمْ فُلَانُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ ، فَجَلَسُوا يَتَضَحَّوْنَ - يَعْنِي يَتَغَدَّوْنَ - وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ ، قَالَ الْفَزَارِيُّ : مَا هَذَا الَّذِي أَرَى ؟ قَالُوا : لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحَ ، وَاللَّهِ مَا فَارَقَنَا ، مُنْذُ غَلَسٍ يَرْمِينَا حَتَّى انْتَزَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا ، قَالَ : فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ أَرْبَعَةٌ ، قَالَ : فَصَعِدَ إِلَيَّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فِي الْجَبَلِ ، قَالَ : فَلَمَّا أَمْكَنُونِي مِنْ الْكَلَامِ ، قَالَ : قُلْتُ : هَلْ تَعْرِفُونِي ؟ قَالُوا : لَا ، وَمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ ، وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ ، وَلَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكَنِي ، قَالَ أَحَدُهُمْ : أَنَا أَظُنُّ ، قَالَ : فَرَجَعُوا ، فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ ، قَالَ : فَإِذَا أَوَّلُهُمْ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ ، عَلَى إِثْرِهِ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَعَلَى إِثْرِهِ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ ، قَالَ : فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الْأَخْرَمِ ، قَالَ : فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ ، قُلْتُ : يَا أَخْرَمُ ، احْذَرْهُمْ لَا يَقْتَطِعُوكَ حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ، قَالَ : يَا سَلَمَةُ ، إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ ، فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ ، قَالَ : فَخَلَّيْتُهُ ، فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : فَعَقَرَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ وَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِهِ ، وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ ، فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتَبِعْتُهُمْ أَعْدُو عَلَى رِجْلَيَّ ، حَتَّى مَا أَرَى وَرَائِي مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا غُبَارِهِمْ شَيْئًا ، حَتَّى يَعْدِلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ ، يُقَالُ لَهُ : ذَو قَرَدٍ ؛ لِيَشْرَبُوا مِنْهُ وَهُمْ عِطَاشٌ ، قَالَ : فَنَظَرُوا إِلَيَّ أَعْدُو وَرَاءَهُمْ فَخَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ - يَعْنِي أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ - فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً ، قَالَ : وَيَخْرُجُونَ فَيَشْتَدُّونَ فِي ثَنِيَّةٍ ، قَالَ : فَأَعْدُو فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ ، فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ ، قَالَ : قُلْتُ : خُذْهَا
وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
قَالَ : يَا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ ، أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ ، يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ ، أَكْوَعُكَ بُكْرَةَ ، قَالَ : وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنِ عَلَى ثَنِيَّةٍ ، قَالَ : فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ ، وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ ، فَتَوَضَّأْتُ وَشَرِبْتُ ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حليتهم عَنْهُ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الْإِبِلَ ، وَكُلَّ شَيْءٍ اسْتَنْقَذْتُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَكُلَّ رُمْحٍ وَبُرْدَةٍ ، وَإِذَا بِلَالٌ نَحَرَ نَاقَةً مِنْ الْإِبِلِ الَّذِي اسْتَنْقَذْتُ مِنْ الْقَوْمِ ، وَإِذَا هُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ خَلِّنِي فَأَنْتَخِبُ مِنْ الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ ، فَأَتَّبِعُ الْقَوْمَ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ إِلَّا قَتَلْتُهُ ، قَالَ : فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فِي ضَوْءِ النَّارِ ، فَقَالَ : يَا سَلَمَةُ أَتُرَاكَ كُنْتَ فَاعِلًا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ ، فَقَالَ : إِنَّهُمْ الْآنَ لَيُقْرَوْنَ فِي أَرْضِ غَطَفَانَ ، قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ ، فَقَالَ : نَحَرَ لَهُمْ فُلَانٌ جَزُورًا ، فَلَمَّا كَشَفُوا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا ، فَقَالُوا : أَتَاكُمْ الْقَوْمُ فَخَرَجُوا هَارِبِينَ ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ ، وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمَيْنِ سَهْمَ الْفَارِسِ وَسَهْمَ الرَّاجِلِ فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعًا ، ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، قَالَ : فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ ، قَالَ : وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا ، قَالَ : فَجَعَلَ يَقُولُ : أَلَا مُسَابِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ ؟ هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ ، قَالَ : فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهُ قُلْتُ : أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا ، وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا ؟ قَالَ : لَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي وَأُمِّي ، ذَرْنِي فَلِأُسَابِقَ الرَّجُلَ ، قَالَ : إِنْ شِئْتَ ، قَالَ : قُلْتُ : اذْهَبْ إِلَيْكَ ، وَثَنَيْتُ رِجْلَيَّ ، فَطَفَرْتُ فَعَدَوْتُ ، قَالَ : فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ ، أَسْتَبْقِي نَفَسِي ، ثُمَّ عَدَوْتُ فِي إِثْرِهِ ، فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ ، ثُمَّ إِنِّي رَفَعْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ ، قَالَ : فَأَصُكُّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ، قَالَ : قُلْتُ : قَدْ سُبِقْتَ وَاللَّهِ ، قَالَ : أَنَا أَظُنُّ ، قَالَ : فَسَبَقْتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ ، قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا لَبِثْنَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ :
تَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا فَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : أَنَا عَامِرٌ ، قَالَ : غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ ، قَالَ : وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ إِلَّا اسْتُشْهِدَ ، قَالَ : فَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، لَوْلَا مَا مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ ، قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ قَالَ : خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ ، وَيَقُولُ :
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
قَالَ : وَبَرَزَ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ ، فَقَالَ :
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ
قَالَ : فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ ، وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ ، فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ ، قَالَ سَلَمَةُ : فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ ، قَتَلَ نَفْسَهُ ، قَالَ : فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ قَالَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ ، قَالَ : كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ، بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ ، وَهُوَ أَرْمَدُ ، فَقَالَ : لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، أَوْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، قَالَ : فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ وَهُوَ أَرْمَدُ ، حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَسَقَ فِي عَيْنَيْهِ ، فَبَرَأَ ، وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ فَقَالَ :
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
فَقَالَ عَلِيٌّ :
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ
أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ
قَالَ : فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ فَقَتَلَهُ ، ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ . قَالَ إِبْرَاهِيمُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، بِهَذَا الْحَدِيثِ بِطُولِهِ .

وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ السُّلَمِيُّ ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، بِهَذَا . قَوْلُهُ : ( قَدِمْنَا المدينة وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ ) هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( ثَلَاثَ عَشْرَةَ مِائَةٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ ) . قَوْلُهُ : ( فَقَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ ) الْجَبَا بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَقْصُورٌ ، وَهِيَ مَا حَوْلَ الْبِئْرِ ، وَأَمَّا الرَّكِيُّ : فَهُوَ الْبِئْرُ ، وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ : رَكِيٌّ بِغَيْرِ هَاءٍ ، وَوَقَعَ هُنَا الرَّكِيَّةُ بِالْهَاءِ ، وَهِيَ لُغَةٌ حَكَاهَا الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ .

قَوْلُهُ : ( فَإِمَّا دَعَا وَإِمَّا بَصَقَ فِيهَا فَجَاشَتْ فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ ( بَسَقَ ) بِالسِّينِ ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ يُقَالُ : ( بَزَقَ وَبَصَقَ وَبَسَقَ ) ثَلَاثُ لُغَاتٍ بِمَعْنًى ، وَالسِّينُ قَلِيلَةُ الِاسْتِعْمَالِ ، وَ: ( جَاشَتْ ) أَيِ ارْتَفَعَتْ وَفَاضَتْ ، يُقَالُ : جَاشَ الشَّيْءُ يَجِيشُ جَيَشَانًا إِذَا ارْتَفَعَ ، وَفِي هَذَا مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ سَبَقَ مِرَارًا كَثِيرَةً التَّنْبِيهِ عَلَى نَظَائِرِهَا . قَوْلُهُ : ( وَرَآنِي عَزِلًا ) ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : فَتْحُ الْعَيْنِ مَعَ كَسْرِ الزَّايِ ، وَالثَّانِي : ضَمُّهُمَا ، وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْكِتَابِ بِالَّذِي لَا سِلَاحَ مَعَهُ ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا : أَعْزَلَ ، وَهُوَ أَشْهَرُ اسْتِعْمَالًا . ج١٢ / ص٥٠١قَوْلُهُ : ( حَجَفَةٌ أَوْ دَرَقَةٌ ) هُمَا شَبِيهَتَانِ بِالتُّرْسِ .

قَوْلُهُ : ( اللَّهُمَّ ابْغِنِي حَبِيبًا ) أَيْ أَعْطِنِي . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( رَاسَلُونَا ) مِنَ الْمُرَاسَلَةِ ، وَفِي بَعْضِهَا : ( رَاسُّونَا ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ ، وَحَكَى الْقَاضِي فَتْحَهَا أَيْضًا وَهُمَا بِمَعْنَى ( رَاسَلُونَا ) مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : رَسَّ الْحَدِيثَ يَرُسُّهُ : إِذَا ابْتَدَأَهُ ، وَقِيلَ : مِنْ رَسَّ بَيْنَهُمْ ، أَيْ : أَصْلَحَ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : فَاتَحُونَا ، مِنْ قَوْلِهِمْ : بَلَغَنِي رَسَّ مِنَ الْخَبَرِ ، أَيْ أَوَّلَهُ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ : ( وَاسَوْنَا ) بِالْوَاوِ ، أَيِ : اتَّفَقْنَا نَحْنُ وَهُمْ عَلَى الصُّلْحِ ، وَالْوَاوُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ ، وَهُوَ مِنَ الْأُسْوَةِ . قَوْلُهُ : ( كُنْتُ تَبَعًا لِطَلْحَةَ ) أَيْ خَادِمًا أَتْبَعُهُ .

قَوْلُهُ : ( أَسْقِي فَرَسَهُ وَأَحُسُّهُ ) أَيْ أَحُكُّ ظَهْرَهُ بِالْمِحَسَّةِ لِأُزِيلَ عَنْهُ الْغُبَارَ وَنَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( أَتَيْتُ شَجَرَةً فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا ) أَيْ : كَنَسْتُ مَا تَحْتَهَا مِنَ الشَّوْكِ . قَوْلُهُ : ( قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ ) هُوَ بِضَمِّ الزَّايِ وَفَتْحِ النُّونِ .

قَوْلُهُ : ( فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي ) أَيْ سَلَلْتُهُ . قَوْلُهُ : ( وَأَخَذْتُ سِلَاحَهُمْ فَجَعَلْتُهُ ضِغْثًا فِي يَدِي ) الضِّغْثُ : الْحُزْمَةُ . ج١٢ / ص٥٠٢قَوْلُهُ : ( جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْعَبَلَاتِ يُقَالُ لَهُ : مِكْرِزٌ ) هُوَ بِمِيمٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ كَافٍ ثُمَّ رَاءٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ زَايٍ .

وَالْعَبَلَاتُ : بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ : الْعَبَلَاتُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْبَاءِ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَهُمْ أُمَيَّةُ الصُّغْرَى ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِمْ ( عَبَلِيٌّ ) تَرُدُّهُ إِلَى الْوَاحِدِ ، قَالَ : لِأَنَّ اسْمَ أُمِّهِمْ عَبْلَةٌ ، قَالَ الْقَاضِي : أُمَيَّةُ الْأَصْغَرُ وَأَخَوَاهُ نَوْفَلٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ نُسِبُوا إِلَى أُمٍّ لَهُمْ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ، اسْمُهَا : عَبْلَةُ بِنْتُ عُبَيْدٍ . قَوْلُهُ : ( عَلَى فَرَسٍ مُجَفَّفٍ ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ الْأُولَى الْمُشَدَّدَةِ ، أَيْ عَلَيْهِ تِجْفَافٌ بِكَسْرِ التَّاءِ ، وَهُوَ ثَوْبٌ كَالْجُلِّ يَلْبَسُهُ الْفَرَسُ لِيَقِيَهُ مِنَ السِّلَاحِ ، وَجَمْعُهُ : تَجَافِيفُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دَعُوهُمْ يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وَثِنَاهُ ) أَمَّا الْبَدْءُ فَبِفَتْحِ الْبَاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ وَبِالْهَمْزِ ، أَيِ ابْتِدَاؤُهُ ، وَأَمَّا ( ثِنَاهُ ) فَوَقَعَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( ثِنَاهُ ) مُثَلَّثَةٌ مَكْسُورَةٌ ، وَفِي بَعْضِهَا : ( ثُنْيَاهُ ) بِضَمِّ الثَّاءِ وَبِيَاءٍ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ بَعْدَ النُّونِ ، وَرَوَاهُمَا جَمِيعًا الْقَاضِي ، وَذَكَرَ الثَّانِيَ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ وَالْأَوَّلُ عَنْ غَيْرِهِ قَالَ : وَهُوَ الصَّوَابُ أَيْ عَوْدَةٌ ثَانِيَةٌ .

قَوْلُهُ : ( بَنِي لِحْيَانَ ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ . قَوْلُهُ : ( لِمَنْ رَقِيَ الْجَبَلَ ) وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ ( فَرَقِيتُ ) كِلَاهُمَا بِكَسْرِ الْقَافِ . قَوْلُهُ : ( فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي لِحْيَانَ جَبَلٌ ، وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ ضَبَطُوهَا بِوَجْهَيْنِ ، ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ : أَحَدُهُمَا ( وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ ) بِضَمِّ الْهَاءِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ .

وَالثَّانِي بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ ، أَيْ هَمُّوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ وَخَافُوا غَائِلَتَهُمْ ، يُقَالُ : هَمَّنِي الْأَمْرُ وَأَهَمَّنِي ، وَقِيلَ : هَمَّنِي أَذَابَنِي ، وَأَهَمَّنِي : وَأَغَمَّنِي . قَوْلُهُ : ( وَخَرَجْتُ بِفَرَسٍ لِطَلْحَةَ أُنَدِّيهِ ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ( أُنَدِّيهِ ) بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ نُونٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ ج١٢ / ص٥٠٣دَالٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي فِي الشَّرْحِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ رُوَاةِ مُسْلِمٍ غَيْرَ هَذَا ، وَنَقَلَهُ فِي الْمَشَارِقِ عَنْ جَمَاهِيرِ الرُّوَاةِ ، قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي الْحَذَّاءِ فِي مُسْلِمٍ : ( أُبْدِيهِ ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ النُّونِ ، وَكَذَا قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ، أَيْ أُخْرِجُهُ إِلَى الْبَادِيَةِ ، وَأُبْرِزُهُ إِلَى مَوْضِعِ الْكَلَأِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَظْهَرْتَهُ فَقَدْ أَبْدَيْتَهُ ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ بِالنُّونِ وَهِيَ رِوَايَةُ جَمِيعِ الْمُحَدِّثِينَ ، وَقَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِهِ وَالْأَزْهَرِيِّ وَجَمَاهِيرِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ ، وَمَعْنَاهُ : أَنْ يُورِدَ الْمَاشِيَةَ الْمَاءَ فَتُسْقَى قَلِيلًا ، ثُمَّ تُرْسَلَ فِي الْمَرْعَى ، ثُمَّ تَرِدَ الْمَاءَ فَتَرِدَ قَلِيلًا ، ثُمَّ تُرَدَّ إِلَى الْمَرْعَى ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : أَنْكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ وَالْأَصْمَعِيِّ كَوْنَهُمَا جَعَلَاهُ بِالنُّونِ ، وَزَعَمَ أَنَّ الصَّوَابَ بِالْبَاءِ ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : أَخْطَأَ ابْنُ قُتَيْبَةَ ، وَالصَّوَابُ قَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ . قَوْلُهُ : ( فَأَصُكُّ سَهْمًا فِي رَحْلِهِ حَتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إِلَى كَتِفِهِ ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ ( رَحْلُهُ ) بِالْحَاءِ ، وَ( كَتِفُهُ ) بَعْدَهَا فَاءٌ ، وَكَذَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَالْمَطَالِعِ ، وَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ ، وَفِي بَعْضهَا : ( رِجْلُهُ ) بِالْجِيمِ وَ: ( كَعْبُهُ ) بِالْعَيْنِ ثُمَّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، قَالُوا : وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ ) قَالَ الْقَاضِي فِي الشَّرْحِ : هَذِهِ رِوَايَةُ شُيُوخِنَا ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُصِيبَ أَعْلَى مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَيُصِيبَ حِينَئِذٍ إِذَا أَنْفَذَهُ كَتِفَهُ ، وَمَعْنَى أَصُكُّ : أَضْرِبُ .

قَوْلُهُ : ( فَمَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ ) أَيْ : أَعْقِرُ خَيْلَهُمْ ، وَمَعْنَى أَرْمِيهِمْ أَيْ بِالنَّبْلِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ هُنَا : ( أُرَدِّيهِمْ ) بِالدَّالِ . قَوْلُهُ : ( فَجَعَلْتُ أُرَدِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ ) أَيْ أَرْمِيهِمْ بِالْحِجَارَةِ الَّتِي تُسْقِطُهُمْ وَتُنْزِلُهُمْ . ج١٢ / ص٥٠٤قَوْلُهُ : ( جَعَلْتُ عَلَيْهِمْ آرَامًا مِنَ الْحِجَارَةِ ) هُوَ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ ثُمَّ رَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَهِيَ الْأَعْلَامُ ، وَهِيَ حِجَارَةٌ تُجْمَعُ وَتُنْصَبُ فِي الْمَفَازَةِ ، يُهْتَدَى بِهَا ، وَاحِدُهَا ( إِرَمٌ ) كَعِنَبٍ وَأَعْنَابٍ .

قَوْلُهُ : ( وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ ، وَهُوَ كُلُّ جَبَلٍ صَغِيرٍ مُنْقَطِعٍ عَنِ الْجَبَلِ الْكَبِيرِ . قَوْلُهُ : ( لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ أَيْ : شِدَّةٌ . قَوْلُهُ : ( يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ ) أَيْ : يَدْخُلُونَ مِنْ خِلَالِهَا ، أَيْ : بَيْنَهَا .

قَوْلُهُ : ( مَاءٌ يُقَالُ لَهُ : ذَا قَرَدٍ ) كَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ ( ذَا ) بِأَلِفٍ ، وَفِي بَعْضِهَا : ( ذُو قَرَدٍ ) بِالْوَاوِ ، وَهُوَ الْوَجْهُ . قَوْلُهُ : ( فَحَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ ) هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَلَامٍ مُشَدَّدَةٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ ، أَيْ : طَرَدْتُهُمْ عَنْهُ ، وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ : يَعْنِي : أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ بِالْجِيمِ ، قَالَ الْقَاضِي : كَذَا رِوَايَتُنَا فِيهِ هُنَا غَيْرُ مَهْمُوزٍ ، قَالَ : وَأَصْلُهُ الْهَمْزُ فَسَهَّلَهُ ، وَقَدْ جَاءَ مَهْمُوزًا بَعْدَ هَذَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ ) هُوَ بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ ، وَهُوَ الْعَظْمُ الرَّقِيقُ عَلَى طَرَفِ الْكَتِفِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ تَحَرُّكِهِ ، وَهُوَ النَّاغِضُ أَيْضًا .

ج١٢ / ص٥٠٥قَوْلُهُ : ( يَا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ ، أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ) مَعْنَى ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ : فَقَدَتْهُ ، وَقَوْلُهُ : ( أَكْوَعُهُ ) هُوَ بِرَفْعِ الْعَيْنِ ، أَيْ : أَنْتَ الْأَكْوَعُ الَّذِي كُنْتَ بُكْرَةَ هَذَا النَّهَارِ ، وَلِهَذَا قَالَ : نَعَمْ ، ( وَبُكْرَةَ ) : مَنْصُوبٌ غَيْرُ مَنُونٍ ، قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ : يُقَالُ : أَتَيْتُهُ بُكْرَةً بِالتَّنْوِينِ ، إِذَا أَرَدْتَ أَنَّكَ لَقِيتَهُ بَاكِرًا فِي يَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، قَالُوا : وَإِنْ أَرَدْتَ بُكْرَةَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ قُلْتَ : أَتَيْتُهُ بُكْرَةَ ، غَيْرُ مَصْرُوفٍ ; لِأَنَّهَا مِنَ الظُّرُوفِ غَيْرِ الْمُتَمَكِّنَةِ . قَوْلُهُ : ( وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنِ عَلَى ثَنِيَّةٍ ) قَالَ الْقَاضِي : رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْمُعْجَمَةِ ، قَالَ : وَكِلَاهُمَا مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى ، فَبِالْمُعْجَمَةِ مَعْنَاهُ : خَلَّفُوهُمَا . وَالرَّذِيُّ : الضَّعِيفُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَبِالْمُهْمَلَةِ مَعْنَاهُ : أَهْلَكُوهُمَا وَأَتْعَبُوهُمَا حَتَّى أَسْقَطُوهُمَا وَتَرَكُوهُمَا ، وَمِنْهُ : التَّرْدِيَةُ ، وَأَرْدَتِ الْفَرَسُ الْفَارِسَ : أَسْقَطْتُهُ .

قَوْلُهُ : ( وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطحَيةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ ) السَّطحَيةُ : إِنَاءٌ مِنْ جُلُودٍ سُطِحَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَالْمَذْقَةُ : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، قَلِيلٌ مِنْ لَبَنٍ مَمْزُوجٍ بِمَاءٍ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حَلَأْتُهُمْ عَنْهُ ) كَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( حَلَأْتُهُمْ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ج١٢ / ص٥٠٦وَالْهَمْزِ ، وَفِي بَعْضِهَا ( حَلَّبْتُهُمْ عَنْهُ ) بِلَامٍ مُشَدَّدَةٍ غَيْرِ مَهْمُوزٍ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( نَحَرَ نَاقَةً مِنَ الْإِبِلِ الَّذِي اسْتُنْفِذَتْ مِنَ الْقَوْمِ ) كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( الَّذِي ) وَفِي بَعْضِهَا : ( الَّتِي ) وَهُوَ أَوْجَهُ ; لِأَنَّ الْإِبِلَ مُؤَنَّثَةٌ ، وَكَذَا أَسْمَاءُ الْجُمُوعِ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّينَ ، وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ أَيْضًا ، وَأَعَادَ الضَّمِيرَ إِلَى الْغَنِيمَةِ لَا إِلَى لَفْظِ الْإِبِلِ .

قَوْلُهُ : ( ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَنْيَابُهُ ، وَقِيلَ : أَضْرَاسُهُ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ ، وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ ) هَذَا فِيهِ اسْتِحْبَابُ الثَّنَاءِ عَلَى الشُّجْعَانِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْفَضَائِلِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ صَنِيعِهِمُ الْجَمِيلَ ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ فِي الْإِكْثَارِ مِنْ ذَلِكَ الْجَمِيلِ ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ مَنْ يأْمَنُ الْفِتْنَةُ عَلَيْهِ بِإِعْجَابٍ وَنَحْوِهِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمَيْنِ : سَهْمَ الْفَارِسِ وَسَهْمَ الرَّاجِلِ فَجَمَعَهُمَا لِي ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى سَهْمِ الرَّاجِلِ كَانَ نَفْلًا ، وَهُوَ حَقِيقٌ بِاسْتِحْقَاقِ النَّفْلِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِبَدِيعِ صُنْعِهِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ .

( وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا ) يَعْنِي عَدْوًا عَلَى الرِّجْلَيْنِ . قَوْلُهُ : ( فَطَفَرْتُ ) أَيْ وَثَبْتُ وَقَفَزْتُ . قَوْلُهُ : ( فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ أَسْتَبْقِي نَفَسِي ) مَعْنَى رَبَطْتُ حَبَسْتُ نَفْسِي عَنِ الْجَرْيِ الشَّدِيدِ ، وَالشَّرَفُ : مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ .

وَقَوْلُهُ : ( أَسْتَبْقِي نَفَسِي ) بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ لِئَلَّا يَقْطَعَنِي ج١٢ / ص٥٠٧الْبَهْرُ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِجَوَازِ الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَقْدَامِ ، وَهُوَ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ إِذَا تَسَابَقَا بِلَا عِوَضٍ ، فَإِنْ تَسَابَقَا عَلَى عِوَضٍ فَفِي صِحَّتِهَا خِلَافٌ ، الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا : لَا تَصِحُّ . قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ ) هَكَذَا قَالَ هُنَا : ( عَمِّي ) وَقَدْ سَبَقَ فِي حَدِيثِ أَبِي الطَّاهِرِ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ : ( أَخِي ) فَلَعَلَّهُ كَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَكَانَ عَمَّهُ مِنَ النَّسَبِ . قَوْلُهُ : ( يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ ) هُوَ بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ : يَرْفَعُهُ مَرَّةً وَيَضَعُهُ أُخْرَى ، وَمِثْلُهُ خَطَرَ الْبَعِيرُ بِذَنَبِهِ يَخْطِرُ بِالْكَسْرِ : إِذَا رَفَعَهُ مَرَّةً وَوَضَعَهُ مَرَّةً .

قَوْلُهُ : ( شَاكِ السِّلَاحِ ) أَيْ : تَامُّ السِّلَاحِ ، يُقَالُ : رَجُلٌ شَاكِي السِّلَاحِ ، وَشَاكِ السِّلَاحِ وَشَاكٍ فِي السِّلَاحِ مِنَ الشَّوْكَةِ ، وَهِيَ الْقُوَّةُ ، وَالشَّوْكَةُ أَيْضًا : السِّلَاحُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ قَوْلُهُ : ( بَطَلٌ مُجَرَّبٌ ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ : مُجَرَّبٌ بِالشَّجَاعَةِ وَقَهْرِ الْفُرْسَانِ ، وَالْبَطَلُ : الشُّجَاعُ ، وَيُقَالُ : بَطُلَ الرَّجُلُ بِضَمِّ الطَّاءِ يَبْطُلُ بَطَالَةً وَبُطُولَةً أَيْ : صَارَ شُجَاعًا . ج١٢ / ص٥٠٨قَوْلُهُ : ( بَطَلٌ مُغَامِرٌ ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ : يَرْكَبُ غَمَرَاتِ الْحَرْبِ وَشَدَائِدَهَا وَيُلْقِي نَفْسَهُ فِيهَا . قَوْلُهُ : ( وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ ) أَيْ : يَضْرِبُهُ مِنْ أَسْفَلِهِ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ السِّينِ وَضَمِّ الْفَاءِ .

قَوْلُهُ : ( وَهُوَ أَرْمَدُ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ : رَمِدَ الْإِنْسَانُ بِكَسْرِ الْمِيمِ يَرْمَدُ بِفَتْحِهَا رَمَدًا فَهُوَ رَمِدٌ وَأَرْمَدُ إِذْ هَاجَتْ عَيْنُهُ . قَوْلُهُ : (

أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ
) حَيْدَرَةُ اسْمٌ لِلْأَسَدِ ، وَكَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ سُمِّيَ أَسَدًا فِي أَوَّلِ وِلَادَتِهِ ، وَكَانَ ( مَرْحَبٌ ) قَدْ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ أَسَدًا يَقْتُلُهُ ، فَذَكَّرَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَلِكَ لِيُخِيفَهُ وَيُضْعِفَ نَفْسَهُ ، قَالُوا : وَكَانَتْ أُمُّ عَلِيٍّ سَمَّتْهُ أَوَّلَ وِلَادَتِهِ أَسَدًا بِاسْمِ جَدِّهِ لِأُمِّهِ أَسَدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ غَائِبًا فَلَمَّا قَدِمَ سَمَّاهُ عَلِيًّا . وَسُمِّيَ الْأَسَدُ حَيْدَرَةَ لِغِلَظِهِ ، وَالْحَادِرُ : الْغَلِيظُ الْقَوِيُّ ، وَمُرَادُهُ أَنَا الْأَسَدُ عَلَى جُرْأَتِهِ وَإِقْدَامِهِ وَقُوَّتِهِ .

قَوْلُهُ : (

أُوفِيهِمْ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ
) مَعْنَاهُ : أَقْتُلُ الْأَعْدَاءَ قَتْلًا وَاسِعًا ذَرِيعًا ، وَالسَّنْدَرَةُ : مِكْيَالٌ وَاسِعٌ ، وَقِيلَ : هِيَ الْعَجَلَةُ ، أَيْ أَقْتُلُهُمْ عَاجِلًا ، وَقِيلَ : مَأْخُوذٌ مِنَ السَّنْدَرَةِ ، وَهِيَ شَجَرَةُ الصَّنَوْبَرِ يُعْمَلُ مِنْهَا النَّبْلُ وَالْقِسِيُّ . قَوْلُهُ : ( فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ ) يَعْنِي عَلِيًّا فَقَتَلَهُ ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ عَلِيًّا هُوَ قَاتِلُ مَرْحَبٍ ، ج١٢ / ص٥٠٩وَقِيلَ : إِنَّ قَاتِلَ مَرْحَبٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِهِ الدُّرَرُ فِي مُخْتَصَرِ السِّيَرِ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ هُوَ قَاتِلُهُ . قَالَ : وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنَّمَا كَانَ قَاتِلُهُ عَلِيًّا ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا ، ثُمَّ رَوَى ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَلَمَةَ وَبُرَيْدَةَ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ عَلِيًّا هُوَ قَاتِلُهُ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْوَاعًا مِنَ الْعِلْمِ سِوَى مَا سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ : مِنْهَا : أَرْبَعُ مُعْجِزَاتٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِحْدَاهَا : تَكْثِيرُ مَاءِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَالثَّانِيَةُ : إِبْرَاءُ عَيْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالثَّالِثَةُ : الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ ، وَقَدْ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ مُسْلِمٍ هَذِهِ ، وَالرَّابِعَةُ : إِخْبَارُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُمْ يَقِرُّونَ فِي غَطَفَانَ ، وَكَانَ كَذَلِكَ . وَمِنْهَا : جَوَازُ الصُّلْحِ مَعَ الْعَدُوِّ .

وَمِنْهَا : بَعْثُ الطَّلَائِعِ ، وَجَوَازُ الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَرْجُلِ بِلَا عِوَضٍ ، وَفَضِيلَةُ الشَّجَاعَةِ وَالْقُوَّةِ . وَمِنْهَا : مَنَاقِبُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، وَأَبِي قَتَادَةَ ، وَالْأَحْزَمِ الْأَسْعَدِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَمِنْهَا : جَوَازُ الثَّنَاءِ عَلَى مَنْ فَعَلَ جَمِيلًا ، وَاسْتِحْبَابُ ذَلِكَ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ قَرِيبًا .

وَمِنْهَا : جَوَازُ عَقْرِ خَيْلِ الْعَدُوِّ فِي الْقِتَالِ ، وَاسْتِحْبَابُ الرَّجَزِ فِي الْحَرْبِ ، وَجَوَازُ قَوْلِ الرَّامِي وَالطَّاعِنِ وَالضَّارِبِ : خُذْهَا وَأَنَا فُلَانٌ أَوِ ابْنُ فُلَانٍ . وَمِنْهَا : جَوَازُ الْأَكْلِ مِنَ الْغَنِيمَةِ ، وَاسْتِحْبَابُ التَّنْفِيلِ مِنْهَا لِمَنْ صَنَعَ صَنِيعًا جَمِيلًا فِي الْحَرْبِ ، وَجَوَازُ الْإِرْدَافِ عَلَى الدَّابَّةِ الْمُطِيقَةِ ، وَجَوَازُ الْمُبَارَزَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ كَمَا بَارَزَ عَامِرٌ . وَمِنْهَا : مَا كَانَتِ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَيْهِ مِنْ حُبِّ الشَّهَادَةِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا .

وَمِنْهَا : إِلْقَاءُ النَّفْسِ فِي غَمَرَاتِ الْقِتَالِ ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ التَّغْرِيرِ بِالنَّفْسِ فِي الْجِهَادِ فِي الْمُبَارَزَةِ وَنَحْوِهَا . وَمِنْهَا : أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِ الْقِتَالِ يَكُونُ شَهِيدًا سَوَاءٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِمْ أَوْ رَمَتْهُ دَابَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا ، أَوْ عَادَ عَلَيْهِ سِلَاحُهُ كَمَا جَرَى لِعَامِرٍ . وَمِنْهَا : تَفَقُّدُ الْإِمَامِ الْجَيْشَ وَمَنْ رَآهُ بِلَا سِلَاحٍ أَعْطَاهُ سِلَاحًا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ3 أحاديث
موقع حَـدِيث