بَاب الِاسْتِخْلَافِ وَتَرْكِهِ
[ 11 ] 1823 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : حَضَرْتُ أَبِي حِينَ أُصِيبَ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ ، وَقَالُوا : جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا ، فَقَالَ : رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ ، قَالُوا : اسْتَخْلِفْ ، فَقَالَ : أَتَحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا ؟ لَوَدِدْتُ أَنَّ حَظِّي مِنْهَا الْكَفَافُ ، لَا عَلَيَّ وَلَا لِي ، فَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدْ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي - يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ - وَإِنْ أَتْرُكْكُمْ فَقَدْ تَرَكَكُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي ؛ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَعَرَفْتُ أَنَّهُ حِينَ ذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ . ج١٢ / ص٥٢٣2 - بَاب الِاسْتِخْلَافِ وَتَرْكِهِ قَوْلُهُ : ( رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ ) أَيْ : رَاجِحٌ وَخَائِفٌ ، وَمَعْنَاهُ النَّاسُ صِنْفَانِ : أَحَدُهُمَا يَرْجُو ، وَالثَّانِي يَخَافُ .
أَيْ : رَاغِبٌ فِي حُصُولِ شَيْءٍ مِمَّا عِنْدِي ، أَوْ رَاهِبٌ مِنِّي ، قِيلَ : أَرَادَ أَنِّي رَاغِبٌ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَرَاهِبٌ مِنْ عَذَابِهِ ، فَلَا أُعَوِّلُ عَلَى مَا أَتَيْتُمْ بِهِ عَلَيَّ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ الْخِلَافَةُ ، أَيِ النَّاسُ فِيهَا ضِرْبَانِ : رَاغِبٌ فِيهَا فَلَا أُحِبُّ تَقْدِيمَهُ لِرَغْبَتِهِ ، وَكَارِهٌ لَهَا فَأَخْشَى عَجْزَهُ عَنْهَا . قَوْلُهُ : ( إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي إِلَى آخِرِهِ ) حَاصِلُهُ : أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ إِذَا حَضَرَتْهُ مُقَدِّمَاتُ الْمَوْتِ وَقَبْلَ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ ، وَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ ، فَإِنْ تَرَكَهُ فَقَدِ اقْتَدَى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا ، وَإِلَّا فَقَدِ اقْتَدَى بِأَبِي بَكْرٍ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى انْعِقَادِ الْخِلَافَةِ بِالِاسْتِخْلَافِ ، وَعَلَى انْعِقَادِهَا بِعَقْدِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لِإِنْسَانٍ إِذَا لَمْ يَسْتَخْلِفِ الْخَلِيفَةُ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ جَعْلِ الْخَلِيفَةِ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ جَمَاعَةٍ ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بِالسِّتَّةِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى ج١٢ / ص٥٢٤أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نَصْبُ خَلِيفَةٍ ، وَوُجُوبُهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ ، وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنِ الْأَصَمِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَجِبُ ، وَعَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ يَجِبُ بِالْعَقْلِ لَا بِالشَّرْعِ ، فَبَاطِلَانِ ، أَمَّا الْأَصَمُّ فَمَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي بَقَاءِ الصَّحَابَةِ بِلَا خَلِيفَةٍ فِي مُدَّةِ التَّشَاوُرِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ ، وَأَيَّامَ الشُّورَى بَعْدَ وَفَاةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا تَارِكِينَ لِنَصْبِ الْخَلِيفَةِ ، بَلْ كَانُوا سَاعِينَ فِي النَّظَرِ فِي أَمْرِ مَنْ يُعْقَدُ لَهُ ، وَأَمَّا الْقَائِلُ الْآخَرُ فَفَسَادُ قَوْلِهِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُوجِبُ شَيْئًا وَلَا يُحَسِّنُهُ وَلَا يُقَبِّحُهُ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ لَا بِذَاتِهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى خَلِيفَةٍ ، وَهُوَ إِجْمَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، قَالَ الْقَاضِي : وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَكْرُ ابْنُ أُخْتِ عَبْدِ الْوَاحِدِ فَزَعَمَ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَقَالَ ابْنُ رَاوَنْدِيِّ : نَصَّ عَلَى الْعَبَّاسِ ، وَقَالَتِ الشِّيعَةُ وَالرَّافِضَةُ : عَلَى عَلِيٍّ ، وَهَذِهِ دَعَاوَى بَاطِلَةٌ ، وَجَسَارَةٌ عَلَى الِافْتِرَاءِ ، وَوَقَاحَةٌ فِي مُكَابَرَةِ الْحِسِّ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعُوا عَلَى اخْتِيَارِ أَبِي بَكْرٍ ، وَعَلَى تَنْفِيذِ عَهْدِهِ إِلَى عُمَرَ ، وَعَلَى تَنْفِيذِ عَهْدِ عُمَرَ بِالشُّورَى ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا أَحَدٌ ، وَلَمْ يَدَّعِ عَلِيٌّ وَلَا الْعَبَّاسُ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَصِيَّةً فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ ، وَقَدِ اتَّفَقَ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ عَلَى جَمِيعِ هَذَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مَانِعَةٍ مِنْ ذِكْرِ وَصِيَّةٍ لَوْ كَانَتْ ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَصِيَّةٌ فَقَدْ نَسَبَ الْأُمَّةَ إِلَى اجْتِمَاعِهَا عَلَى الْخَطَأِ ، وَاسْتِمْرَارِهَا عَلَيْهِ ، وَكَيْفَ يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَنْ يَنْسِبَ الصَّحَابَةَ إِلَى الْمُوَاطَأَةِ عَلَى الْبَاطِلِ فِي كُلِّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ ؟ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ لَنُقِلَ ; فَإِنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ .