بَاب جَوَازِ اسْتِتْبَاعِهِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ بِرِضَاهُ بِذَلِكَ وَبِتَحَقُّقِهِ تَحَقُّقًا تَامًّا وَاسْتِحْبَابِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الطَّعَامِ
[140] ( 2038 ) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَقَالَ : مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ قَالَا : الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا ، قُومُوا . فَقَامُوا مَعَهُ ، فَأَتَى رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ فُلَانٌ ؟ قَالَتْ : ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنْ الْمَاءِ ، إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي . قَالَ : فَانْطَلَقَ ، فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ ، فَقَالَ : كُلُوا مِنْ هَذِهِ ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ .
فَذَبَحَ لَهُمْ ، فَأَكَلُوا مِنْ الشَّاةِ ، وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ ، وَشَرِبُوا ، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ الْجُوعُ ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ . وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو هِشَامٍ - يَعْنِي المُغِيرَةَ بْنَ سَلَمَةَ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : بَيْنَا أَبُو بَكْرٍ قَاعِدٌ وَعُمَرُ مَعَهُ إِذْ أَتَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا أَقْعَدَكُمَا هَاهُنَا ؟ قَالَا : أَخْرَجَنَا الْجُوعُ مِنْ بُيُوتِنَا ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ . ( 20 ) بَاب جَوَازِ اسْتِتْبَاعِهِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ بِرِضَاهُ بِذَلِكَ وَبِتَحَقُّقِهِ تَحَقُّقًا تَامًّا وَاسْتِحْبَابِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الطَّعَامِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ : الْأَوَّلُ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ مِنَ الْجُوعِ ، وَذَهَابِهِمْ إِلَى بَيْتِ الْأَنْصَارِيِّ ، وَإِدْخَالِ امْرَأَتِهِ إِيَّاهُمْ ، وَمَجِيءِ الْأَنْصَارِيِّ وَفَرَحِهِ بِهِمْ ، وَإِكْرَامِهِ لَهُمْ .
وَهَذَا الْأَنْصَارِيُّ هُوَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ ، وَاسْمُ أَبِي الْهَيْثَمِ : مَالِكٌ . هَذَا الْحَدِيثُ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْفَوَائِدِ : مِنْهَا قَوْلُهُ : ( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَقَالَ : مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا ؟ قَالَا : الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَأَنَا - وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا قُومُوا ، فَقَامُوا مَعَهُ فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ . إِلَى آخِرِهِ ) هَذَا فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكِبَارُ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مِنَ التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا ، وَمَا ابْتُلُوا بِهِ مِنَ الْجُوعِ وَضِيقِ الْعَيْشِ فِي أَوْقَاتٍ ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ فَتْحِ الْفُتُوحِ وَالْقُرَى عَلَيْهِمْ ، وَهَذَا زَعْمٌ بَاطِلٌ ، فَإِنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ فَإِنْ قِيلَ : لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ رَوَاهُ أَنْ يَكُونَ أَدْرَكَ الْقَضِيَّةَ ، فَلَعَلَّهُ سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَيْرِهِ ، فَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ وَلَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ ، بَلِ الصَّوَابُ خِلَافُهُ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ يَتَقَلَّبُ فِي الْيَسَارِ وَالْقِلَّةِ حَتَّى تُوُفِّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَارَةً يُوسَرُ ، وَتَارَةً يَنْفَدُ مَا عِنْدَهُ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : " وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ " وَعَنْ عَائِشَةَ : " مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ " وَتُوُفِّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عَلَى شَعِيرٍ اسْتَدَانَهُ لِأَهْلِهِ " وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ .
فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَقْتٍ يُوسَرُ ، ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ يَنْفَدُ مَا عِنْدَهُ لِإِخْرَاجِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ ، وَإِيثَارِ الْمُحْتَاجِينَ ، وَضِيَافَةِ الطَّارِقِينَ ، وَتَجْهِيزِ السَّرَايَا ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَهَكَذَا كَانَ خُلُقُ صَاحِبَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بَلْ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ، وَكَانَ أَهْلُ الْيَسَارِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَعَ بِرِّهِمْ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِكْرَامِهِمْ إِيَّاهُ وَإِتْحَافِهِ بِالطُّرَفِ وَغَيْرِهَا ، رُبَّمَا لَمْ يَعْرِفُوا حَاجَتَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ ؛ لِكَوْنِهِمْ لَا يَعْرِفُونَ فَرَاغَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْقُوتِ بِإِيثَارِهِ بِهِ ، وَمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ رُبَّمَا كَانَ ضَيِّقَ الْحَالِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا جَرَى لِصَاحِبَيْهِ ، ج١٣ / ص١٨٣وَلَا يُعْلَمُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلِمَ حَاجَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إِزَالَتِهَا ، إِلَّا بَادَرَ إِلَى إِزَالَتِهَا ، لَكِنْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْتُمُهَا عَنْهُمْ إِيثَارًا لِتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ ، وَحَمْلًا عَنْهُمْ ، وَقَدْ بَادَرَ أَبُو طَلْحَةَ - حِينَ قَالَ : سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ - إِلَى إِزَالَةِ تِلْكَ الْحَاجَةِ ، وَكَذَا حَدِيثُ جَابِرٍ ، وَسَنَذْكُرُهُمَا بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي شُعَيْبٍ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي سَبَقَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَنَّهُ عَرَفَ فِي وَجْهِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُوعَ ، فَبَادَرَ بِصَنِيعِ الطَّعَامِ ، وَأَشْبَاهُ هَذَا كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ مَشْهُورَةٌ . وَكَذَلِكَ كَانُوا يُؤْثِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْهُمْ ضَرُورَةَ صَاحِبِهِ إِلَّا سَعَى فِي إِزَالَتِهَا ، وَقَدْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَقَالَ تَعَالَى : رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ وَأَمَّا قَوْلُهُمَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : ( أَخْرَجَنَا الْجُوعُ ) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا ) فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُمَا لِمَا كَانَا عَلَيْهِ مِنْ مُرَاقَبَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلُزُومِ طَاعَتِهِ ، وَالِاشْتِغَالِ بِهِ ، فَعَرَضَ لَهُمَا هَذَا الْجُوعُ الَّذِي يُزْعِجُهُمَا ، وَيُقْلِقُهُمَا ، وَيَمْنَعُهُمَا مِنْ كَمَالِ النَّشَاطِ لِلْعِبَادَةِ ، وَتَمَامِ التَّلَذُّذِ بِهَا سَعَيَا فِي إِزَالَتِهِ بِالْخُرُوجِ فِي طَلَبِ سَبَبٍ مُبَاحٍ يَدْفَعَانِهِ بِهِ ، وَهَذَا مِنْ أَكْمَلِ الطَّاعَاتِ ، وَأَبْلَغِ أَنْوَاعِ الْمُرَاقَبَاتِ ، وَقَدْ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ مَعَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ ، وَبِحَضْرَةِ طَعَامٍ تَتُوقُ النَّفْسُ إِلَيْهِ ، وَفِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ ، وَبِحَضْرَةِ الْمُتَحَدِّثِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَلُ قَلْبَهُ .
وَنَهَى الْقَاضِي عَنِ الْقَضَاءِ فِي حَالِ غَضَبِهِ ، وَجُوعِهِ ، وَهَمِّهِ ، وَشِدَّةِ فَرَحِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَلُ قَلْبَهُ ، وَيَمْنَعُهُ كَمَالَ الْفِكْرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : ( بُيُوتُكُمَا ) هُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا ، لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَنَا - وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا ) فِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ مَا يَنَالُهُ مِنْ أَلَمٍ وَنَحْوِهِ ، لَا عَلَى سَبِيلِ التَّشَكِّي وَعَدَمِ الرِّضَا ، بَلْ لِلتَّسْلِيَةِ وَالتَّصَبُّرِ ، كَفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَا ، وَلِلْتِمَاسِ دُعَاءٍ أَوْ مُسَاعَدَةٍ عَلَى التَّسَبُّبِ فِي إِزَالَةِ ذَلِكَ الْعَارِضِ ، فَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ ، إِنَّمَا يُذَمُّ مَا كَانَ تَشَكِّيًا وَتَسَخُّطًا وَتَجَزُّعًا .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَنَا ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ( فَأَنَا ) بِالْفَاءِ وَفِي بَعْضِهَا بِالْوَاوِ ، وَفِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا بَسْطُ الْكَلَامِ فِيهِ ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قُومُوا ، فَقَامُوا ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ ، وَهُوَ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ يَقُولُونَ : إِطْلَاقُهُ عَلَى الِاثْنَيْنِ مَجَازٌ ، وَآخَرُونَ يَقُولُونَ : حَقِيقَةٌ . ج١٣ / ص١٨٤وَقَوْلُهُ : ( فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ ) هُوَ أَبُو الْهَيْثَمِ مَالِكُ بْنُ التَّيْهَانِ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَتَشْدِيدٍ تَحْتُ مَعَ كَسْرِهَا .
وَفِيهِ جَوَازُ الْإِدْلَالِ عَلَى الصَّاحِبِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ كَمَا تَرْجَمْنَا لَهُ ، وَاسْتِتْبَاعِ جَمَاعَةٍ إِلَى بَيْتِهِ ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِأَبِي الْهَيْثَمِ إِذْ جَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلًا لِذَلِكَ ، وَكَفَى بِهِ شَرَفًا ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : ( فَقَالَتْ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا ) كَلِمَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ لِلْعَرَبِ ، وَمَعْنَاهُ : صَادَفْتَ رَحْبًا وَسَعَةً وَأَهْلًا تَأْنَسُ بِهِمْ ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ بِهَذَا الْقَوْلِ وَشِبْهِهِ ، وَإِظْهَارِ السُّرُورِ بِقُدُومِهِ ، وَجَعْلِهِ أَهْلًا لِذَلِكَ ، كُلُّ هَذَا وَشِبْهُهُ إِكْرَامٌ لِلضَّيْفِ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهَ " وَفِيهِ جَوَازُ سَمَاعِ كَلَامِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَمُرَاجَعَتِهَا الْكَلَامَ لِلْحَاجَةِ ، وَجَوَازُ إِذْنِ الْمَرْأَةِ فِي دُخُولِ مَنْزِلِ زَوْجِهَا لِمَنْ عَلِمَتْ مُحَقَّقًا أَنَّهُ لَا يَكْرَهُهُ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو بِهَا الْخَلْوَةَ الْمُحَرَّمَةَ . وَقَوْلُهَا : ( ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ ) أَيْ يَأْتِينَا بِمَاءٍ عَذْبٍ ، وَهُوَ الطَّيِّبُ ، وَفِيهِ : جَوَازُ اسْتِعْذَابِهِ وَتَطْيِيبِهِ .
قَوْلُهُ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ ضَيْفًا مِنِّي ) فِيهِ فَوَائِدُ ، مِنْهَا : اسْتِحْبَابُ حَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ حُصُولِ نِعْمَةٍ ظَاهِرَةٍ ، وَكَذَا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ كَانَتْ مُتَوَقَّعَةً ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ ، وَقَدْ جَمَعْتُ فِي ذَلِكَ قِطْعَةً صَالِحَةً فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ . وَمِنْهَا : اسْتِحْبَابُ إِظْهَارِ الْبِشْرِ ، وَالْفَرَحِ بِالضَّيْفِ فِي وَجْهِهِ وَحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ يَسْمَعُ عَلَى حُصُولِ هَذِهِ النِّعْمَةِ ، وَالثَّنَاءِ عَلَى ضَيْفِهِ إِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ فِتْنَةً ، فَإِنْ خَافَ لَمْ يُثْنِ عَلَيْهِ فِي وَجْهِهِ ، وَهَذَا طَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِجَوَازِ ذَلِكَ وَمَنْعِهِ ، وَقَدْ جَمَعْتُهَا مَعَ بَسْطِ الْكَلَامِ فِيهَا فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ . وَفِيهِ : دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ هَذَا الْأَنْصَارِيِّ وَبَلَاغَتِهِ وَعَظِيمِ مَعْرِفَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِكَلَامٍ مُخْتَصَرٍ بَدِيعٍ فِي الْحُسْنِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ فَقَالَ : كُلُوا مِنْ هَذِهِ ) الْعِذْقُ هُنَا بِكَسْرِ الْعَيْنِ ، وَهِيَ الْكِبَاسَةُ ، وَهِيَ الْغُصْنُ مِنَ النَّخْلِ ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهَذَا الْعِذْقِ الْمُلَوَّنِ لِيَكُونَ أَطْرَفَ ، وَلْيَجْمَعُوا بَيْنَ أَكْلِ الْأَنْوَاعِ فَقَدْ يَطِيبُ لِبَعْضِهِمْ هَذَا ، وَلِبَعْضِهِمْ هَذَا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ الْفَاكِهَةِ عَلَى الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَغَيْرِهِمَا ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الضَّيْفِ بِمَا تَيَسَّرَ ، وَإِكْرَامِهِ بَعْدَهُ بِطَعَامٍ يَصْنَعُهُ لَهُ لَا سِيَّمَا إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حَاجَتُهُ فِي الْحَالِ إِلَى الطَّعَامِ ، وَقَدْ يَكُونُ شَدِيدَ الْحَاجَةِ إِلَى التَّعْجِيلِ ، وَقَدْ يَشُقُّ عَلَيْهِ انْتِظَارُ مَا يُصْنَعُ لَهُ لِاسْتِعْجَالِهِ لِلِانْصِرَافِ . وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ من ج١٣ / ص١٨٥السَّلَفِ التَّكَلُّفَ لِلضَّيْفِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَشُقُّ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ مَشَقَّةً ظَاهِرَةً ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَكَمَالِ السُّرُورِ بِالضَّيْفِ ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَيَتَأَذَّى بِهِ الضَّيْفُ ، وَقَدْ يُحْضِرُ شَيْئًا يَعْرِفُ الضَّيْفُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ يَتَكَلَّفُهُ لَهُ فَيَتَأَذَّى لِشَفَقَتِهِ عَلَيْهِ ، وَكُلُّ هَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ " لِأَنَّ أَكْمَلَ إِكْرَامِهِ إِرَاحَةُ خَاطِرِهِ ، وَإِظْهَارُ السُّرُورِ بِهِ .
وَأَمَّا فِعْلُ الْأَنْصَارِيِّ ، وَذَبْحُهُ الشَّاةَ فَلَيْسَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ ، بَلْ لَوْ ذَبَحَ أَغْنَامًا بَلْ جِمَالًا وَأَنْفَقَ أَمْوَالًا فِي ضِيَافَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ مَسْرُورًا بِذَلِكَ ، مَغْبُوطًا فِيهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ ) الْمُدْيَةُ : بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا هِيَ السِّكِّينُ ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهَا مَرَّاتٍ ، وَالْحَلُوبُ : ذَاتُ اللَّبَنِ ، فَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَرَكُوبٍ وَنَظَائِرِهِ .
قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) فِيهِ : دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الشِّبَعِ ، وَمَا جَاءَ فِي كَرَاهَةِ الشِّبَعِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يُقَسِّي الْقَلْبَ وَيُنْسِي أَمْرَ الْمُحْتَاجِينَ . وَأَمَّا السُّؤَالُ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : الْمُرَادُ السُّؤَالُ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّ شُكْرِهِ ، وَالَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ السُّؤَالَ هُنَا سُؤَالُ تَعْدَادِ النِّعَمِ ، وَإِعْلَامٍ بِالِامْتِنَانِ بِهَا ، وَإِظْهَارِ الْكَرَامَةِ بِإِسْبَاغِهَا ، لَا سُؤَالُ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ وَمُحَاسَبَةٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ فِي إِسْنَادِ الطَّرِيقِ الثَّانِي : ( وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَنْبَأَنَا أَبُو هِشَامٍ " يَعْنِي الْمُغِيرَةَ بْنَ سَلَمَةَ " أَنْبَأَنَا يَزِيدُ ، أَنْبَأَنَا أَبُو حَازِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْإِسْنَادُ فِي النُّسَخِ بِبِلَادِنَا ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ وَقَعَ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ ، وَفِي رِوَايَةِ الرَّازِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْجُلُودِيِّ ، وَأَنَّهُ وَقَعَ مِنْ رِوَايَةِ السَّنْجَرِيِّ ، عَنِ الْجُلُودِيِّ بِزِيَادَةِ رَجُلٍ بَيْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ سَلَمَةَ وَيَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ ، هُوَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ : وَلَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، وَلَا يَتَّصِلُ الْحَدِيثُ إِلَّا بِهِ . قَالَ : وَكَذَلِكَ خَرَّجَهُ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ فِي الْأَطْرَافِ عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي كَيْسَانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ الْجَيَّانِيُّ : وَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ إِسْقَاطِهِ خَطَأٌ بَيِّنٌ .
قُلْتُ : وَنَقَلَهُ خَلَفٌ الْوَاسِطِيُّ فِي الْأَطْرَافِ بِإِسْقَاطِ ج١٣ / ص١٨٦عَبْدِ الْوَاحِدِ ، وَالظَّاهِرُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَالُ مُغِيرَةَ وَيَزِيدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، كَمَا قَالَهُ الْجَيَّانِيُّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ .