بَاب تَحْرِيمِ خَاتَمِ الذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ
[ 62 ] - وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَبَّادُ بْنُ مُوسَى قَالَا : حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى - وَهُوَ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ الزُّرَقِيُّ - ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ كَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ . وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنِي إِسْمَعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى . قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى وَسُلَيْمَانَ بْنَ بِلَالٍ ( عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ ) .
وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ : ( كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ ، وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصَرِ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى ) ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ : ( نَهَانِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَتَخَتَّمَ فِي أُصْبُعِي هَذِهِ أَوْ هَذِهِ ، فَأَوْمَأَ إِلَى الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا ) ، وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ : ( السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ) وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ جَعْلُ خَاتَمِ الرَّجُلِ فِي الْخِنْصَرِ ، وَأَمَّا ج١٤ / ص٢٦٠الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تَتَّخِذُ خَوَاتِيمَ فِي أَصَابِعَ . قَالُوا : وَالْحِكْمَةُ فِي كَوْنِهِ فِي الْخِنْصَرِ أَنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ الِامْتِهَانِ فِيمَا يُتَعَاطَى بِالْيَدِ ، لِكَوْنِهِ طَرَفًا ، وَلِأَنَّهُ لَا يَشْغَلُ الْيَدَ عَمَّا تَتَنَاوَلُهُ مِنْ أَشْغَالِهَا بِخِلَافِ غَيْرِ الْخِنْصَرِ ، وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ جَعْلُهُ فِي الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ . وَأَمَّا التَّخَتُّمُ فِي الْيَدِ الْيُمْنَى أَوِ الْيُسْرَى فَقَدْ جَاءَ فِيهِ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ ، وَهُمَا صَحِيحَانِ .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَمْ يُتَابَعْ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : ( فِي يَمِينِهِ ) . قَالَ : وَخَالَفَهُ الْحَافِظُ عَنْ يُونُسَ ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ ، مَعَ تَضْعِيفِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ رُوَاتُهَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، وَقَدْ ضَعَّفَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي أُوَيْسٍ أَيْضًا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ ، وَلَكِنْ وَثَّقَهُ الْأَكْثَرُونَ ، وَاحْتَجُّوا بِهِ ، وَاحْتَجَّ بِهِ ج١٤ / ص٢٦١الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى مِثْلَ رِوَايَةِ سُلَيْمَانِ بْنِ بِلَالٍ ، فَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، فَقَدِ اتَّفَقَ طَلْحَةُ وَسُلَيْمَانُ عَلَيْهَا . وَكَوْنُ الْأَكْثَرِينَ لَمْ يَذْكُرُوهَا لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا ، فَإِنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ التَّخَتُّمِ فِي الْيَمِينِ ، وَعَلَى جَوَازِهِ فِي الْيَسَارِ ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، واخْتَلَفُوا أَيَّتُهُمَا أَفْضَلُ ؟ فَتَخَتَّمَ كَثِيرُونَ مِنَ السَّلَفِ فِي الْيَمِينِ ، وَكَثِيرُونَ فِي الْيَسَارِ ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ الْيَسَارَ ، وَكَرِهَ الْيَمِينَ . وَفِي مَذْهَبِنَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا : الصَّحِيحُ أَنَّ الْيَمِينَ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ زِينَةٌ ، وَالْيَمِينُ أَشْرَفُ ، وَأَحَقُّ بِالزِّينَةِ وَالْإِكْرَامِ .