بَاب اسْتِحْبَابِ تَحْنِيكِ الْمَوْلُودِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ وَحَمْلِهِ إِلَى صَالِحٍ يُحَنِّكُهُ وَجَوَازِ تَسْمِيَتِهِ يَوْمَ وِلَادَتِهِ
[ 23 ] - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ يَشْتَكِي فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ فَقُبِضَ الصَّبِيُّ فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ : مَا فَعَلَ ابْنِي ؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ : هُوَ أَسْكَنُ مِمَّا كَانَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى ، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ : وَارُوا الصَّبِيَّ فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : أَعْرَسْتُمْ اللَّيْلَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ : احْمِلْهُ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعَثَتْ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَمَعَهُ شَيْءٌ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، تَمَرَاتٌ فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَضَغَهَا ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ ثُمَّ حَنَّكَهُ ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَنَسٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ نَحْوَ حَدِيثِ يَزِيدَ . قَوْلُهُ في الرواية الثانية : ( إِنَّ الصَّبِيَّ لَمَّا مَاتَ فَجَاءَ أَبُوهُ أَبُو طَلْحَةَ سَأَلَ أَمَّ سُلَيْمٍ ، وَهِيَ أُمُّ الصَّبِيِّ ، مَا فَعَلَ الصَّبِيُّ ؟ قَالَتْ : هُوَ أَسْكَنُ مِمَّا كَانَ ، فَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى ، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ : وَارُوا الصَّبِيَّ ) أَيِ ادْفِنُوهُ فَقَدْ مَاتَ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنَاقِبُ لِأُمِّ سُلَيْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْ عَظِيمِ صَبْرِهَا ، وَحُسْنِ رِضَاهَا بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَجَزَالَةِ عَقْلِهَا فِي إِخْفَائِهَا مَوْتَهُ عَلَى أَبِيهِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ لِيَبِيتَ مُسْتَرِيحًا بِلَا حُزْنٍ ، ثُمَّ عَشَّتْهُ وَتَعَشَّتْ ، ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ ، وَعَرَّضَتْ لَهُ بِإِصَابَتِهِ فَأَصَابَهَا . وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْمَعَارِيضِ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِقَوْلِهَا : ( هُوَ أَسْكَنُ مِمَّا كَانَ ) فَإِنَّهُ كَلَامٌ صَحِيحٌ ، مَعَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ هَانَ مَرَضُهُ وَسَهُلَ ، وَهُوَ فِي الْحَيَاةِ . وَشَرْطُ الْمَعَارِيضِ الْمُبَاحَةِ أَنْ لَا يَضِيعَ بِهَا حَقُّ أَحَدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ ) هُوَ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَالْجُمْهُورُ : يُقَالُ أَعْرَسَ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ بِامْرَأَتِهِ . قَالُوا : وَلَا يُقَالُ فِيهِ عَرَّسَ بِالتَّشْدِيدِ ، وَأَرَادَ هُنَا الْوَطْءَ ، وَسَمَّاهُ إِعْرَاسًا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ فِي الْمَقْصُودِ .
قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ : رُوِيَ أَيْضًا ( أَعَرَّسْتُمْ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ قَالَ : وَهِيَ لُغَةٌ ، يُقَالُ : عَرَّسَ بِمَعْنَى أَعْرَسَ . قَالَ : لَكِنْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : أَعْرَسَ ج١٤ / ص٣٠٤أَفْصَحُ مِنْ عَرَّسَ فِي هَذَا . وَهَذَا السُّؤَالُ لِلتَّعَجُّبِ مِنْ صَنِيعِهَا وَصَبْرِهَا ، وَسُرُورًا بِحُسْنِ رِضَاهَا بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، ثُمَّ دَعَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ فِي لَيْلَتِهِمَا ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ الدُّعَاءَ ، وَحَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَجَاءَ مِنْ أَوْلَادِ عَبْدِ اللَّهِ إِسْحَاقُ وَإِخْوَتُهُ التِّسْعَةُ صَالِحِينَ عُلَمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسٍ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِمِ ( ابْنِ سِيرِينَ ) مُهْمَلًا ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ .