بَاب النَّهْيِ عَنْ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ
[ 6 ] 2163 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ح . وَحَدَّثَنِي إِسْمَعِيلُ بْنُ سَالِمٍ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا : وَعَلَيْكُمْ . ( 4 ) بَاب النَّهْيِ عَنْ ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلَامِ وَكَيْفَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا سَلَّمَ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا : وَعَلَيْكُمْ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْنَا ، فَكَيْفَ نَرُدُّ عَلَيْهِمْ ؟ قَالَ : قُولُوا : وَعَلَيْكُمْ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ يَقُولُ ج١٤ / ص٣٢١أَحَدُهُمْ : السَّامُ عَلَيْكُمْ فَقُلْ : عَلَيْكَ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( فَقُلْ وَعَلَيْكَ ) وَفِي رِوَايَةٍ ( إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ اسْتَأْذَنُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : السَّامُ عَلَيْكُمْ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ قَالَتْ : أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا ؟ قَالَ : قَدْ قُلْتُ : وَعَلَيْكُمْ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( قَدْ قُلْتُ عَلَيْكُمْ ) بِحَذْفِ الْوَاوِ ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ( لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ ) .
اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا سَلَّمُوا ، لَكِنْ لَا يُقَالُ لَهُمْ : وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ ، بَلْ يُقَالُ : عَلَيْكُمْ فَقَطْ ، أَوْ وَعَلَيْكُمْ . وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرَهَا ( مُسْلِمٌ ) ( عَلَيْكُمْ ) ( وَعَلَيْكُمْ ) بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ بِإِثْبَاتِهَا ، وَعَلَى هَذَا فِي مَعْنَاهُ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَقَالُوا : عَلَيْكُمُ الْمَوْتُ ، فَقَالَ : وَعَلَيْكُمْ أَيْضًا أَيْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ، وَكُلُّنَا نَمُوتُ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْوَاوَ هُنَا لِلِاسْتِئْنَافِ لَا لِلْعَطْفِ وَالتَّشْرِيكِ ، وَتَقْدِيرُهُ : وَعَلَيْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الذَّمِّ .
وَأَمَّا حَذْفُ الْوَاوِ فَتَقْدِيرُهُ بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ . قَالَ الْقَاضِي : اخْتَارَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ حَذْفَ الْوَاوِ لِئَلَّا يَقْتَضِيَ التَّشْرِيكَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : بِإِثْبَاتِهَا كَمَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ . قَالَ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَقُولُ : عَلَيْكُمُ السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ أَيِ الْحِجَارَةُ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ .
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : عَامَّةُ الْمُحَدِّثِينَ يَرْوُونَ هَذَا الْحَرْفَ ( وَعَلَيْكُمْ ) بِالْوَاوِ ، وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَرْوِيهِ بِغَيْرِ وَاوٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، لِأَنَّهُ إِذَا حُذِفَ ( الْوَاوُ ) صَارَ كَلَامُهُمْ بِعَيْنِهِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ خَاصَّةً ، وَإِذَا ثَبَتَ ( الْوَاوُ ) اقْتَضَى الْمُشَارَكَةَ مَعَهُمْ فِيمَا قَالُوهُ . هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ .
وَالصَّوَابُ أَنَّ إِثْبَاتَ الْوَاوِ وَحَذْفَهَا جَائِزَانِ كَمَا صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ ، وَأَنَّ الْوَاوَ أَجْوَدُ كَمَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَلَا مَفْسَدَةَ فِيهِ ، لِأَنَّ السَّامَ الْمَوْتُ ، وَهُوَ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ ، وَلَا ضَرَرَ فِي قَوْلِهِ بِالْوَاوِ . ج١٤ / ص٣٢٢وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي رَدِّ السَّلَامِ عَلَى الْكُفَّارِ وَابْتِدَائِهِمْ بِهِ ، فَمَذْهَبُنَا تَحْرِيمُ ابْتِدَائِهِمْ بِهِ ، وَوُجُوبُ رَدِّهِ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَقُولَ : وَعَلَيْكُمْ ، أَوْ عَلَيْكُمْ فَقَطْ ، وَدَلِيلُنَا فِي الِابْتِدَاءِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ ) وَفِي الرَّدِّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَقُولُوا : وَعَلَيْكُمْ ) وَبِهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مَذْهَبِنَا قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَعَامَّةُ السَّلَفِ . وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى جَوَازِ ابْتِدَائِنَا لَهُمْ بِالسَّلَامِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَابْنِ أَبِي مُحَيْرِيزٍ ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، لَكِنَّهُ قَالَ : يَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ ، وَلَا يَقُولُ : عَلَيْكُمْ بِالْجَمْعِ .
وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ ، وَبِإِفْشَاءِ السَّلَامِ ، وَهِيَ حُجَّةٌ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ ( لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ ) وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يُكْرَهُ ابْتِدَاؤُهُمْ بِالسَّلَامِ ، وَلَا يَحْرُمُ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ أَيْضًا ، لِأَنَّ النَّهْيَ . لِلتَّحْرِيمِ . فَالصَّوَابُ تَحْرِيمُ ابْتِدَائِهِمْ .
وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُمْ بِهِ لِلضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ أَوْ سَبَبٍ ، وَهُوَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ وَالنَّخَعِيِّ . وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ سَلَّمْتَ فَقَدْ سَلَّمَ الصَّالِحُونَ ، وَإِنْ تَرَكْتَ فَقَدْ تَرَكَ الصَّالِحُونَ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ : وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ ، وَلَكِنْ لَا يَقُولُ : وَرَحْمَة اللَّهِ .
حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَيَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِالسَّلَامِ عَلَى جَمْعٍ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ وَكُفَّارٌ ، أَوْ مُسْلِمٌ وَكُفَّارٌ ، وَيَقْصِدُ الْمُسْلِمِينَ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَّمَ عَلَى مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ .