حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

بَاب الطَّاعُونِ وَالطِّيَرَةِ وَالْكَهَانَةِ وَنَحْوِهَا

[ 93 ] - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا : أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ ، وَنَسَبَهُ ابْنُ قَعْنَبٍ فَقَالَ : ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الطَّاعُونُ آيَةُ الرِّجْزِ ابْتَلَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ نَاسًا مِنْ عِبَادِهِ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَفِرُّوا مِنْهُ هَذَا حَدِيثُ الْقَعْنَبِيِّ وَقُتَيْبَةَ نَحْوُهُ . [ 94 ] - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أُسَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ رِجْزٌ سُلِّطَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، أَوْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ ، وَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا . [ 95 ] - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ الطَّاعُونِ فَقَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ : أَنَا أُخْبِرُكَ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ عَذَابٌ ، أَوْ رِجْزٌ ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، أَوْ نَاسٍ كَانُوا قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا عَلَيْهِ ، وَإِذَا دَخَلَهَا عَلَيْكُمْ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا .

وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - ح . وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِإِسْنَادِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَ حَدِيثِهِ . [ 96 ] - حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ أَوْ السَّقَمَ رِجْزٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ ثُمَّ بَقِيَ بَعْدُ بِالْأَرْضِ فَيَذْهَبُ الْمَرَّةَ ، وَيَأْتِي الْأُخْرَى فَمَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا يَقْدَمَنَّ عَلَيْهِ ، وَمَنْ وَقَعَ بِأَرْضٍ وَهُوَ بِهَا فَلَا يُخْرِجَنَّهُ الْفِرَارُ مِنْهُ .

وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ - يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ - حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِ يُونُسَ نَحْوَ حَدِيثِهِ . [ 97 ] - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ حَبِيبٍ قَالَ : كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فَبَلَغَنِي أَنَّ الطَّاعُونَ قَدْ وَقَعَ بِالْكُوفَةِ ، فَقَالَ لِي عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَغَيْرُهُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ فَوَقَعَ بِهَا فَلَا تَخْرُجْ مِنْهَا ، وَإِذَا بَلَغَكَ أَنَّهُ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلْهَا ، قَالَ : قُلْتُ : عَمَّنْ ؟ قَالُوا : عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ يُحَدِّثُ بِهِ قَالَ : فَأَتَيْتُهُ فَقَالُوا : غَائِبٌ ، قَالَ : فَلَقِيتُ أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : شَهِدْتُ أُسَامَةَ يُحَدِّثُ سَعْدًا ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ أَوْ بَقِيَّةُ عَذَابٍ عُذِّبَ بِهِ أُنَاسٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ، فَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا ، وَإِذَا بَلَغَكُمْ أَنَّهُ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا ، قَالَ حَبِيبٌ : فَقُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ : آنْتَ سَمِعْتَ أُسَامَةَ يُحَدِّثُ سَعْدًا وَهُوَ لَا يُنْكِرُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ .

وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ حَبِيبٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ، وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالُوا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى حَدِيثِ شُعْبَةَ . وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ حَبِيبٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، قَالَ : كَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَسَعْدٌ جَالِسَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ فَقَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ . وَحَدَّثَنِيهِ وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي الطَّحَّانَ - ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ .

[ 98 ] 2219 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أَهْلُ الْأَجْنَادِ : أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ، وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقَالَ عُمَرُ : ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَقَالَ : ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِي الْأَنْصَارِ فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ ، فَقَالَ : ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ فَقَالُوا : نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ ، وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ : إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ : أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ، وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلَافَهُ ، نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ . أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ ، وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ؟ قَالَ : فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ، قَالَ : فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثُمَّ انْصَرَفَ . [ 99 ] وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ : حَدَّثَنَا ، وَقَالَ الْآخَرَانِ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ قَالَ : وَقَالَ لَهُ أَيْضًا : أَرَأَيْتَ أَنَّهُ لَوْ رَعَى الْجَدْبَةَ وَتَرَكَ الْخَصْبَةَ أَكُنْتَ مُعَجِّزَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَسِرْ إِذًا قَالَ : فَسَارَ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ فَقَالَ : هَذَا الْمَحِلُّ أَوْ قَالَ : هَذَا الْمَنْزِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .

وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ ، وَلَمْ يَقُلْ : عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ . أَمَّا ( الْوَبَاءُ ) فَمَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ وَمَمْدُودٌ ، لُغَتَانِ ، الْقَصْرُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ . وَأَمَّا ( الطَّاعُونُ ) فَهُوَ قُرُوحٌ تَخْرُجُ فِي الْجَسَدِ فَتَكُونُ فِي الْمَرَافِقِ أَوِ الْآبَاطِ أَوِ الْأَيْدِي أَوِ الْأَصَابِعِ وَسَائِرِ الْبَدَنِ ، وَيَكُونُ مَعَهُ وَرَمٌ وَأَلَمٌ شَدِيدٌ ، وَتَخْرُجُ تِلْكَ الْقُرُوحُ مَعَ لَهِيبٍ ، وَيَسْوَدُّ مَا حَوَالَيْهِ ، أَوْ يَخْضَرُّ ، أَوْ يَحْمَرُّ حُمْرَةً بَنَفْسَجِيَّةً كَدِرَةً ، وَيَحْصُلُ مَعَهُ خَفَقَانُ الْقَلْبِ وَالْقَيْءُ .

وَأَمَّا ( الْوَبَاءُ ) فَقَالَ الْخَلِيلُ وَغَيْرُهُ : هُوَ الطَّاعُونِ ، وَقَالَ : هُوَ كُلُّ مَرَضٍ عَامٍّ . وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ مَرَضُ الْكَثِيرِينَ مِنَ النَّاسِ فِي جِهَةٍ مِنَ الْأَرْضِ دُونَ سَائِرِ الْجِهَاتِ ، وَيَكُونُ مُخَالِفًا لِلْمُعْتَادِ مِنْ أَمْرَاضٍ فِي الْكَثْرَةِ وَغَيْرِهَا ، وَيَكُونُ مَرَضُهُمْ نَوْعًا وَاحِدًا بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ ، فَإِنَّ أَمْرَاضَهُمْ فِيهَا مُخْتَلِفَةٌ . قَالُوا : وَكُلُّ طَاعُونٍ وَبَاءٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ وَبَاءٍ طَاعُونًا .

وَالْوَبَاءُ الَّذِي وَقَعَ فِي الشَّامِ فِي زَمَنِ عُمَرَ كَانَ طَاعُونًا ، وَهُوَ طَاعُونُ عَمَوَاسَ ، وَهِيَ قَرْيَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالشَّامِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي شَرْحِ مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ فِي ذِكْرِ الضُّعَفَاءِ مِنَ الرُّوَاةِ عِنْدَ ذِكْرِهِ طَاعُونَ الْجَارِفِ بَيَانُ الطَّوَاعِينِ ، وَأَزْمَانِهَا ، وَعَدَدِهَا ، وَأَمَاكِنِهَا ، وَنَفَائِسَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا . وَجَاءَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ عَذَابًا لَهُمْ . هَذَا الْوَصْفُ بِكَوْنِهِ عَذَابًا مُخْتَصٌّ بِمَنْ كَانَ قَبْلنَا ، وَأَمَّا هَذِهِ الْأُمَّةُ فَهُوَ لَهَا رَحْمَةٌ وَشَهَادَةٌ ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ ) .

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ : ( أَنَّ الطَّاعُونَ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ، فَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : ( الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ) . وَإِنَّمَا يَكُونُ شَهَادَةً لِمَنْ صَبَرَ كَمَا بَيَّنَهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَنْعُ الْقُدُومِ عَلَى بَلَدِ الطَّاعُونِ ، وَمَنْعُ الْخُرُوجِ مِنْهُ فِرَارًا مِنْ ذَلِكَ .

أَمَّا الْخُرُوجُ لِعَارِضٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ . قَالَ الْقَاضِي : هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ . قَالَ : حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ : الْفِرَارُ مِنْهُ كَالْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ .

قَالَ : وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْقُدُومَ عَلَيْهِ وَالْخُرُوجَ مِنْهُ فِرَارًا . قَالَ : وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، ج١٤ / ص٣٧١وَأَنَّهُ نَدِمَ عَلَى رُجُوعِهِ مِنْ سَرْغٍ . وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَمَسْرُوقٍ وَالْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ أَنَّهُمْ فَرُّوا مِنَ الطَّاعُونِ ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : فِرُّوا عَنْ هَذَا الرِّجْزِ فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ وَرُءُوسِ الْجِبَالِ ، فَقَالَ مَعَاذٌ : بَلْ هُوَ شَهَادَةٌ وَرَحْمَةٌ .

وَيَتَأَوَّلُ هَؤُلَاءِ النَّهْيَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنِ الدُّخُولِ عَلَيْهِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَهُ غَيْرُ الْمُقَدَّرِ ، لَكِنْ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ عَلَى النَّاسِ ، لِئَلَّا يَظُنُّوا أَنَّ هَلَاكَ الْقَادِمِ إِنَّمَا حَصَلَ بِقُدُومِهِ ، وَسَلَامَةِ الْفَارِّ إِنَّمَا كَانَتْ بِفِرَارِهِ . قَالُوا : وَهُوَ مِنْ نَحْوِ النَّهْيِ عَنِ الطِّيَرَةِ وَالْقُرْبِ مِنَ الْمَجْذُومِ ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : الطَّاعُونُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمُقِيمِ وَالْفَارِّ ، أَمَّا الْفَارُّ فَيَقُولُ : فَرَرْتُ فَنَجَوْتُ ، وَأَمَّا الْمُقِيمُ فَيَقُولُ : أَقَمْتُ فَمُتُّ ، وَإِنَّمَا فَرَّ مَنْ لَمْ يَأْتِ أَجَلُهُ ، وَأَقَامَ مَنْ حَضَرَ أَجَلُهُ . وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْقُدُومِ عَلَيْهِ وَالْفِرَارِ مِنْهُ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ .

قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَهُوَ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا ) وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الِاحْتِرَازُ مِنَ الْمَكَارِهِ وَأَسْبَابِهَا . وَفِيهِ التَّسْلِيمُ لِقَضَاءِ اللَّهِ عِنْدَ حُلُولِ الْآفَاتِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْخُرُوجِ بِشُغْلٍ وَغَرَضٍ غَيْرِ الْفِرَارِ ، وَدَلِيلُهُ صَرِيحُ الْأَحَادِيثِ . قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي النَّضْرِ : ( لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ مِنْهُ ) وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ( فِرَارٌ ) بِالرَّفْعِ ، وَفِي بَعْضِهَا ( فِرَارًا ) بِالنَّصْبِ ، وَكِلَاهُمَا مُشْكِلٌ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ ، وَالْمَعْنَى . قَالَ ج١٤ / ص٣٧٢الْقَاضِي : وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مُفْسِدَةٌ لِلْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهَا الْمَنْعُ مِنَ الْخُرُوجِ لِكُلِّ سَبَبٍ إِلَّا لِلْفِرَارِ ، فَلَا مَنْعَ مِنْهُ ، وَهَذَا ضِدُّ الْمُرَادِ .

وَقَالَ جَمَاعَةٌ : إِنَّ لَفْظَةَ ( إِلَّا ) هُنَا غَلَطٌ مِنَ الرَّاوِي ، وَالصَّوَابُ حَذْفُهَا كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ . قَالَ الْقَاضِي : ج١٤ / ص٣٧٣وَخَرَّجَ بَعْضُ مُحَقِّقِي الْعَرَبِيَّةِ لِرِوَايَةِ النَّصْبِ وَجْهًا فَقَالَ : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ . قَالَ : وَلَفْظَةُ ( إِلَّا ) هُنَا لِلْإِيجَابِ لَا لِلِاسْتِثْنَاءِ ، وَتَقْدِيرُهُ لَا تَخْرُجُوا إِذَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجُكُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ كُلَّهَا مِنْ رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَذَكَرَ فِي الطُّرُقِ الثَّلَاثِ فِي آخِرِ الْبَابِ مَا يُوهِمُ أَوْ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ : هَذَا وَهْمٌ إِنَّمَا هُوَ مِنْ رِوَايَةِ سَعْدٍ ، عَنْ أُسَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغٍ لَقِيَهُ أَهْلُ الْأَجْنَادِ ) أَمَّا ( سَرْغٌ ) فَبِسِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ رَاءٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ، وَحَكَى الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَيْضًا فَتْحَ الرَّاءِ ، وَالْمَشْهُورُ إِسْكَانُهَا ، وَيَجُوزُ صَرْفُهُ وَتَرْكُهُ ، وَهِيَ قَرْيَةٌ فِي طَرَفِ الشَّامِ مِمَّا يَلِي الْحِجَازَ . وَقَوْلُهُ : ( أَهْلُ الْأَجْنَادِ ) وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ : ( أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ ) وَالْمُرَادُ بِالْأَجْنَادِ هُنَا مُدُنُ الشَّامِ الْخَمْسُ ، وَهِيَ فِلَسْطِينُ وَالْأُرْدُنُّ وَدِمَشْقُ وَحِمْصٌ وَقِنِّسْرِينُ ، هَكَذَا فَسَّرُوهُ ، وَاتَّفَقُوا ج١٤ / ص٣٧٤عَلَيْهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِلَسْطِينَ اسْمٌ لِنَاحِيَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَالْأَرْدُنُّ اسْمٌ لِنَاحِيَةِ سِيَّانَ وَطَبَرِيةَ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا ، وَلَا يَضُرُّ إِطْلَاقُ اسْمِ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( ادْعُ لِيَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ، فَدَعَا ، ثُمَّ دَعَا الْأَنْصَارَ ، ثُمَّ مَشْيَخَةَ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ ) إِنَّمَا رَتَّبَهُمْ هَكَذَا عَلَى حَسَبِ فَضَائِلِهِمْ .

قَالَ الْقَاضِي : الْمُرَادُ بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ مَنْ صَلَّى لِلْقِبْلَتَيْنِ ، فَأَمَّا مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ فَلَا يُعَدُّ فِيهِمْ . قَالَ : وَأَمَّا مُهَاجِرَةُ الْفَتْحِ ، فَقِيلَ : هُمُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْفَتْحِ ، فَحَصَلَ لَهُمْ فَضْلٌ بِالْهِجْرَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ ، إِذْ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَقِيلَ : هُمْ مُسْلِمَةُ الْفَتْحِ الَّذِينَ هَاجَرُوا بَعْدَهُ ، فَحَصَلَ لَهُمُ اسْمٌ دُونَ الْفَضِيلَةِ . قَالَ الْقَاضِي : هَذَا أَظْهَرُ ؛ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ مَشْيَخَةُ قُرَيْشٍ .

وَكَانَ رُجُوعُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِرُجْحَانِ طَرَفِ الرُّجُوعِ لِكَثْرَةِ الْقَائِلِينَ بِهِ ، وَأَنَّهُ أَحْوَطُ ، وَلَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ تَقْلِيدٍ لِمُسْلِمَةِ الْفَتْحِ ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَبَعْضَ الْأَنْصَارِ أَشَارُوا بِالرُّجُوعِ ، وَبَعْضَهُمْ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ ، وَانْضَمَّ إِلَى الْمُشِيرِينَ بِالرُّجُوعِ رَأْيُ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ ، فَكَثُرَ الْقَائِلُونَ بِهِ ، مَعَ مَا لَهُمْ مِنَ السِّنِّ وَالْخِبْرَةِ وَكَثْرَةِ التَّجَارِبِ وَسَدَادِ الرَّأْيِ . وَحُجَّةُ الطَّائِفَتَيْنِ وَاضِحَةٌ مُبَيَّنَةٌ فِي الْحَدِيثِ ، وَهُمَا مُسْتَمَدَّانِ مِنْ أَصْلَيْنِ فِي الشَّرْعِ : أَحَدُهُمَا التَّوَكُّلُ وَالتَّسْلِيمُ ج١٤ / ص٣٧٥لِلْقَضَاءِ ، وَالثَّانِي الِاحْتِيَاطُ وَالْحَذَرُ وَمُجَانَبَةُ أَسْبَابِ الْإِلْقَاءِ بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ . قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : إِنَّمَا رَجَعَ عُمَرُ لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَمَا قَالَ مُسْلِمٌ هُنَا فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : إِنَّ عُمَرَ إِنَّمَا انْصَرَفَ بِالنَّاسِ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ .

قَالُوا : وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَرْجِعَ لِرَأْيٍ دُونَ رَأْيٍ حَتَّى يَجِدَ عِلْمًا وَتَأَوَّلَ هَؤُلَاءِ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا ) فَقَالُوا أَيْ مُسَافِرٌ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي قَصَدْنَاهَا أَوَّلًا ، لَا لِلرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ ، وَمَذْهَبٌ ضَعِيفٌ ، بَلِ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَوْ صَرِيحُهُ ، أَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ الرُّجُوعَ أَوَّلًا بِالِاجْتِهَادِ حِينَ رَأَى الْأَكْثَرِينَ عَلَى تَرْكِ الرُّجُوعِ ، مَعَ فَضِيلَةِ الْمُشِيرِينَ بِهِ ، وَمَا فِيهِ مِنَ الِاحْتِيَاطِ ، ثُمَّ بَلَغَهُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَشَكَرَهُ عَلَى مُوَافَقَةِ اجْتِهَادِهِ وَاجْتِهَادِ مُعْظَمِ أَصْحَابِهِ نَصَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا قَوْلُ مُسْلِمٍ : ( إِنَّهُ رَجَعَ لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) فَيُحْتَمَلُ أَنَّ سَالِمًا لَمْ يَبْلُغْهُ مَا كَانَ عُمَرُ عَزَمَ عَلَيْهِ مِنَ الرُّجُوعِ قَبْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ لَمْ يَرْجِعْ إِلَّا بَعْدَ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ج١٤ / ص٣٧٦قَوْلُهُ : ( إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ ) هُوَ بِإِسْكَانِ الصَّادِ فِيهِمَا أَيْ مُسَافِرٌ رَاكِبٌ عَلَى ظَهْرِ الرَّاحِلَةِ ، رَاجِعٌ إِلَى وَطَنِي ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ ، وَتَأَهَّبُوا لَهُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ، وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلَافَهُ نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطْتَ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خَصِيبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصِيبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ) ؟ أَمَّا ( الْعُدْوَةُ ) فَبِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا وَهِيَ جَانِبُ الْوَادِي ، ( وَالْجَدْبَةُ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهِيَ ضِدُّ الْخَصِيبَةِ .

وَقَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ : الْجَدْبَةُ هُنَا بِسُكُونِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا . قَالَ : وَالْخِصْبَةُ كَذَلِكَ . أَمَّا قَوْلُهُ : ( لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ) فَجَوَابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ ، وَفِي تَقْدِيرِهِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ التَّحْرِيرِ وَغَيْرُهُ .

أَحَدُهُمَا لَوْ قَالَهُ غَيْرُكَ لَأَدَّبْتُهُ ، لِاعْتِرَاضِهِ عَلَيَّ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ وَافَقَنِي عَلَيْهَا أَكْثَرُ النَّاسِ ، وَأَهْلُ الْحِلِّ وَالْعَقْدِ فِيهَا . وَالثَّانِي لَوْ قَالَهَا غَيْرُكَ لَمْ أَتَعَجَّبْ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا أَتَعَجَّبُ مِنْ قَوْلِكَ أَنْتَ ذَلِكَ مَعَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ عُمَرُ دَلِيلًا وَاضِحًا مِنَ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ الَّذِي لَا شَكَّ فِي صِحَّتِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ اعْتِقَادًا مِنْهُ أَنَّ الرُّجُوعَ يَرُدُّ الْمَقْدُورَ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْحَزْمِ وَمُجَانَبَةِ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ كَمَا أَمَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالتَّحَصُّنِ مِنْ سِلَاحِ الْعَدُوِّ ، وَتَجَنُّبِ الْمَهَالِكِ ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ وَاقِعٌ فَبِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهُ السَّابِقِ فِي عِلْمِهِ ، وَقَاسَ عُمَرُ عَلَى رَعْيِ الْعُدْوَتَيْنِ لِكَوْنِهِ وَاضِحًا لَا يُنَازِعُ فِيهِ أَحَدٌ مَعَ مُسَاوَاتِهِ لِمَسْأَلَةِ النِّزَاعِ . قَوْلُهُ : ( أَكُنْتَ مُعَجِّزَهُ ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَيْ تَنْسُبُهُ إِلَى الْعَجْزِ ، مَقْصُودُ عُمَرَ أَنَّ النَّاسَ رَعِيَّةٌ لِي اسْتَرْعَانِيهَا اللَّهُ تَعَالَى ، فَيَجِبُ عَلِيَّ الِاحْتِيَاطُ لَهَا ، فَإِنْ تَرَكْتُهُ نُسِبْتُ إِلَى الْعَجْزِ وَاسْتَوْجَبْتُ الْعُقُوبَةَ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( هَذَا الْمَحَلُّ ، أَوْ قَالَ : هَذَا الْمَنْزِلُ ) هُمَا بِمَعْنًى ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا ، وَالْفَتْحُ أَقْيَسُ ، فَإِنَّ مَا كَانَ عَلَى وَزْنِ ( فَعَلَ ) وَمُضَارِعُهُ ( يَفْعُلُ ) بِضَمِّ ثَالِثِهِ كَانَ مَصْدَرُهُ وَاسْمُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ ( مَفْعَلًا ) بِالْفَتْحِ كَقَعَدَ يَقْعُدُ مَقْعَدًا ، وَنَظَائِرُهُ ، إِلَّا أَحْرُفًا شَذَّتْ جَاءَتْ بِالْوَجْهَيْنِ مِنْهَا الْمَحَلُّ . قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ : ( عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ) قَالَ ج١٤ / ص٣٧٧الدَّارَقُطْنِيُّ : كَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَقَالَ مَعْمَرٌ وَيُونُسُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ .

قَالَ : وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ عَلَى اخْتِلَافِهِم . قَالَ : وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَلَمْ يُخَرِّجْهُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ . وَاعْلَمْ أَنَّ فِي حَدِيثِ عُمَرَ هَذَا فَوَائِدَ كَثِيرَةً : مِنْهَا خُرُوجُ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ فِي وِلَايَتِهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِيُشَاهِدَ أَحْوَالَ رَعِيَّتِهِ ، وَيُزِيلَ ظُلْمَ الْمَظْلُومِ ، وَيَكْشِفَ كَرْبَ الْمَكْرُوبِ ، وَيَسُدَّ خَلَّةَ الْمُحْتَاجِ ، وَيَقْمَعَ أَهْلَ الْفَسَادِ ، وَيَخَافَهُ أَهْلُ الْبَطَالَةِ وَالْأَذَى وَالْوُلَاةِ ، وَيَحْذَرُوا تَجَسُّسَهُ عَلَيْهِمْ وَوُصُولَ قَبَائِحِهِمْ إِلَيْهِ ، فَيَنْكُفُوا ، وَيُقِيمَ فِي رَعِيَّتِهِ شَعَائِرَ الْإِسْلَامِ ، وَيُؤَدِّبَ مَنْ رَآهُمْ مُخِلِّينَ بِذَلِكَ ، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ .

وَمِنْهَا تَلَقِّي الْأُمَرَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ الْإِمَامَ عِنْدَ قُدُومِهِ ، وَإِعْلَامُهُمْ إِيَّاهُ بِمَا حَدَثَ فِي بِلَادِهِمْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ، وَوَبَاءٍ ، وَرُخْصٍ ، وَغَلَاءٍ ، وَشِدَّةٍ ، وَرَخَاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَمِنْهَا اسْتِحْبَابُ مُشَاوَرَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالرَّأْيِ فِي الْأُمُورِ الْحَادِثَةِ ، وَتَقْدِيمُ أَهْلِ السَّابِقَةِ فِي ذَلِكَ . وَمِنْهَا تَنْزِيلُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ ، وَتَقْدِيمُ أَهْلِ الْفَضْلِ عَلَى غَيْرِهِمْ ، وَالِابْتِدَاءُ بِهِمْ فِي الْمَكَارِمِ .

وَمِنْهَا جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي الْحُرُوبِ وَنَحْوِهَا كَمَا يَجُوزُ فِي الْأَحْكَامِ . وَمِنْهَا قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ ، فَإِنَّهُمْ قَبِلُوا خَبَرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . وَمِنْهَا صِحَّةُ الْقِيَاسِ ، وَجَوَازُ الْعَمَلِ بِهِ .

وَمِنْهَا ابْتِدَاءُ الْعَالِمِ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ كَمَا فَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ . وَمِنْهَا اجْتِنَابُ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ . وَمِنْهَا مَنْعُ الْقُدُومِ عَلَى الطَّاعُونِ ، وَمَنْعُ الْفِرَارِ مِنْهُ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . [ 100 ] - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَلَمَّا جَاءَ سَرْغَ بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ ، فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ، فَرَجَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ سَرْغَ ، وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا انْصَرَفَ بِالنَّاسِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ16 حديثًا
موقع حَـدِيث