بَاب النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ
[ 2 ] - وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ - قَالَ إِسْحَاقُ : أَخْبَرَنَا وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : حَدَّثَنَا - سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ ، وَأَنَا الدَّهْرُ ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ . [ 3 ] - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ ، يَقُولُ : يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ ، فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ ؛ فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ ، فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا [ 4 ] - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ [ 5 ] - وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْب ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ . أما قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ ) فَمَعْنَاهُ يُعَامِلُنِي مُعَامَلَةً تُوجِبُ الْأَذَى فِي حَقِّكُمْ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَأَنَا الدَّهْرُ ) فَإِنَّهُ بِرَفْعِ الرَّاءِ ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَجَمَاهِيرُ ج١٥ / ص٤٠٦الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْأَصْبَهَانِيُّ الطَّاهِرِيُّ : إِنَّمَا هُوَ الدَّهْرُ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِ ، أَيْ أَنَا مُدَّةُ الدَّهْرِ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَقَالَ النَّحَّاسُ : يَجُوزُ النَّصْبُ أَيْ فَإِنَّ اللَّهَ بَاقٍ مُقِيمٌ أَبَدًا لَا يَزُولُ .
قَالَ الْقَاضِي : قَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّخْصِيصِ . قَالَ : وَالظَّرْفُ أَصَحُّ وَأَصْوَبُ . أَمَّا رِوَايَةُ الرَّفْعِ ، وَهِيَ الصَّوَابُ ، فَمُوَافِقَةٌ لِقَوْلِهِ " فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ .
قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَهُوَ مَجَازٌ ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَ شَأْنُهَا أَنْ تَسُبَّ الدَّهْرَ عِنْدَ النَّوَازِلِ وَالْحَوَادِثِ وَالْمَصَائِبِ النَّازِلَةِ بِهَا مِنْ مَوْتٍ أَوْ هَرَمٍ أَوْ تَلَفِ مَالٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَيَقُولُونَ : يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ ، وَنَحْوُ هَذَا مِنْ أَلْفَاظِ سَبِّ الدَّهْرِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ " أَيْ لَا تَسُبُّوا فَاعِلَ النَّوَازِلِ ، فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمْ فَاعِلَهَا وَقَعَ السَّبُّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ هُوَ فَاعِلُهَا وَمُنْزِلُهَا . وَأَمَّا الدَّهْرُ الَّذِي هُوَ الزَّمَانُ فَلَا فِعْلَ لَهُ ، بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ جُمْلَةِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى . وَمَعْنَى " فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ " أَيْ فَاعِلُ النَّوَازِلِ وَالْحَوَادِثِ ، وَخَالِقُ الْكَائِنَاتِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .