بَاب مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
[132] 2473 - حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ الْأَزْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : قَالَ أَبُو ذَرٍّ : خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ ، وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ وَأُمُّنَا ، فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا ، فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا ، وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ ، فَقَالُوا : إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ فَجَاءَ خَالُنَا ، فَنَثَا عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ ، فَقُلْتُ : أَمَّا مَا مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ ، وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ ، فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا ، وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوْبَهُ ، فَجَعَلَ يَبْكِي فَانْطَلَقْنَا حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ ، فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا ، فَأَتَيَا الْكَاهِنَ فَخَيَّرَ أُنَيْسًا ، فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا مَعَهَا . قَالَ : وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثِ سِنِينَ . قُلْتُ : لِمَنْ ؟ قَالَ : لِلَّهِ .
قُلْتُ : فَأَيْنَ تَوَجَّهُ ؟ قَالَ : أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي ، أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ ، فَقَالَ أُنَيْسٌ : إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ ، فَأكْفِنِي . فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَرَاثَ عَلَيَّ ، ثُمَّ جَاءَ ، فَقُلْتُ : مَا صَنَعْتَ ؟ قَالَ : لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ . قُلْتُ : فَمَا يَقُولُ النَّاسُ ؟ قَالَ : يَقُولُونَ : شَاعِرٌ ، كَاهِنٌ ، سَاحِرٌ ، وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ .
قَالَ أُنَيْسٌ : لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . قَالَ : قُلْتُ : فَأكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ . قَالَ : فَأَتَيْتُ مَكَّةَ فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ ، فَقُلْتُ : أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ ، فَأَشَارَ إِلَيَّ ، فَقَالَ : الصَّابِئَ ، فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلٍّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ .
قَالَ : فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ ، كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ . قَالَ : فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ ، وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا ، وَلَقَدْ لَبِثْتُ يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ ، مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي ، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ . قَالَ : فَبَيْنَا أَهْلِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ إِضْحِيَانَ إِذْ ضُرِبَ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ ، وَامْرَأَتَانِ مِنْهُمْ تَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ .
قَالَ : فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا ، فَقُلْتُ : أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الْأُخْرَى . قَالَ : فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا . قَالَ : فَأَتَتَا عَلَيَّ ، فَقُلْتُ : هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي ، فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ وَتَقُولَانِ : لَوْ كَانَ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا .
قَالَ : فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا هَابِطَانِ . قَالَ : مَا لَكُمَا ؟ قَالَتَا : الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا . قَالَ : مَا قَالَ لَكُمَا ؟ قَالَتَا : إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلَأُ الْفَمَ ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ ثُمَّ صَلَّى ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ أَبُو ذَرٍّ : فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ .
قَالَ : فَقُلْتُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : وَعَلَيْكَ وَرَحْمَة اللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : مِنْ غِفَارٍ . قَالَ : فَأَهْوَى بِيَدِهِ ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : كَرِهَ أَنْ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ . فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِهِ ، فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ ، وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ قَالَ : مَتَى كُنْتَ هَاهُنَا ؟ قَالَ : قُلْتُ : قَدْ كُنْتُ هَاهُنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ .
قَالَ : فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي ، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ . قَالَ : إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ . فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا ، فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا ، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا ، ثُمَّ غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ ، وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ ؟ فَأَتَيْتُ أُنَيْسًا ، فَقَالَ : مَا صَنَعْتَ ؟ قُلْتُ : صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ ، وَصَدَّقْتُ .
قَالَ : مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ ، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ ، فَأَتَيْنَا أُمَّنَا ، فَقَالَتْ : مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا ، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ ، وَصَدَّقْتُ . فَاحْتَمَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ ، وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ أَيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ ، وَكَانَ سَيِّدَهُمْ ، وَقَالَ نِصْفُهُمْ : إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ الْبَاقِي ، وَجَاءَتْ أَسْلَمُ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِخْوَتُنَا نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ ، فَأَسْلَمُوا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا وَأسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ .
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ . وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ : قُلْتُ : فَأكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ : قَالَ : نَعَمْ ، وَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ شَنِفُوا لَهُ وَتَجَهَّمُوا . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : قَالَ أَبُو ذَرٍّ : يَا ابْنَ أَخِي ، صَلَّيْتُ سَنَتَيْنِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ : قُلْتُ : فَأَيْنَ كُنْتَ تَوَجَّهُ ؟ قَالَ : حَيْثُ وَجَّهَنِيَ اللَّهُ ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ : فَتَنَافَرَا إِلَى رَجُلٍ مِنْ الْكُهَّانِ . قَالَ : فَلَمْ يَزَلْ أَخِي أُنَيْسٌ يَمْدَحُهُ حَتَّى غَلَبَهُ . قَالَ : فَأَخَذْنَا صِرْمَتَهُ فَضَمَمْنَاهَا إِلَى صِرْمَتِنَا .
وَقَالَ أَيْضًا فِي حَدِيثِهِ : قَالَ : فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ . قَالَ : فَأَتَيْتُهُ فَإِنِّي لَأَوَّلُ النَّاسِ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ . قَالَ : قُلْتُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ، مَنْ أَنْتَ ؟ وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا : فَقَالَ : مُنْذُ كَمْ أَنْتَ هَاهُنَا ؟ قَالَ : قُلْتُ : مُنْذُ خَمْسَ عَشَرَةَ .
وَفِيهِ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَلحِقنِي بِضِيَافَتِهِ اللَّيْلَةَ . ( 28 ) بَاب مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلُهُ : ( فَثَنَا عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ ) هُوَ بِنُونٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ ، أَيْ : أَشَاعَهُ وَأَفْشَاهُ . ج١٦ / ص٢٤قَوْلُهُ : ( فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا ) هِيَ بِكَسْرِ الصَّادِ ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الْإِبِلِ ، وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْقِطْعَةِ مِنَ الْغَنَمِ .
قَوْلُهُ : ( فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا ، فَأَتَيَا الْكَاهِنَ فَخَيَّرَ أُنَيْسًا ، فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا ، أَوَ مِثْلِهَا مَعَهَا ) . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ فِي شَرْحِ هَذَا : الْمُنَافَرَةُ : الْمُفَاخَرَةُ وَالْمُحَاكَمَةُ ، فَيَفْخَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ ، ثُمَّ يَتَحَاكَمَانِ إِلَى رَجُلٍ لِيَحْكُمَ أَيُّهُمَا خَيْرٌ وَأَعَزُّ نَفَرًا ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْمُفَاخَرَةُ فِي الشِّعْرِ أَيُّهُمَا أَشْعَرُ كَمَا بَيَّنَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى . وَقَوْلُهُ : ( نَافَرَ عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا ) مَعْنَاهُ تَرَاهَنَ هُوَ وَآخَرُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ، وَكَانَ الرَّهْنُ صِرْمَةُ ذَا ، وَصِرْمَةُ ذَاكَ ، فَأَيُّهُمَا كَانَ أَفْضَلُ أَخْذَ الصِّرْمَتَيْنِ ، فَتَحَاكَمَا إِلَى الْكَاهِنِ ، فَحَكَمَ بِأَنَّ أُنَيْسًا أَفْضَلُ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَخَيَّرَ أُنَيْسًا ، أَيْ : جَعَلَهُ الْخِيَارَ وَالْأَفْضَلَ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَلْقَيْتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ ) هُوَ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَبِالْمَدِّ ، وَهُوَ الْكِسَاءُ ، وَجَمْعُهُ أَخْفِيَةٌ ، كَكِسَاءٍ وَأَكْسِيَةٍ . قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ مَاهَانَ ( جُفَاءٌ ) بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ ، وَهُوَ غُثَاءُ السَّيْلِ ، وَالصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ ، هُوَ الْأَوَّلُ . قَوْلُهُ : ( فَرَاثَ عَلَيَّ ) أَيْ أَبْطَأَ .
قَوْلُهُ : ( أَقْرَاءُ الشِّعْرِ ) أَيْ طُرُقُهُ وَأَنْوَاعُهُ ، وَهِيَ بِالْقَافِ وَالرَّاءِ وَبِالْمَدِّ . قَوْلُهُ : ( أَتَيْتُ مَكَّةَ فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ ) يَعْنِي : نَظَرْتُ إِلَى أَضْعَفِهِمْ فَسَأَلْتُهُ ، لِأَنَّ الضَّعِيفَ مَأْمُونُ ج١٦ / ص٢٥الْغَائِلَةِ غَالِبًا . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ : ( فَتَضَيَّفْتُ ) بِالْيَاءِ ، وَأَنْكَرَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ .
قَالُوا : لَا وَجْهَ لَهُ هُنَا . قَوْلُهُ : ( كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ ) ، يَعْنِي : مِنْ كَثْرَةِ الدِّمَاءِ الَّتِي سَالَتْ فِي بَصَرِهِمْ ، وَالنُّصُبُ : الصَّنَمُ . وَالْحَجَرُ كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَنْصِبُهُ وَتَذْبَحُ عِنْدَهُ ، فَيَحْمَرُّ بِالدَّمِ ، وَهُوَ بِضَمِّ الصَّادِ وَإِسْكَانِهَا ، وَجَمْعُهُ أَنْصَابٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي ) يَعْنِي انْثَنَتْ لِكَثْرَةِ السِّمَنِ وَانْطَوَتْ .
قَوْلُهُ : ( وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سَخْفَةَ جُوعٍ ) وهِيَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّهَا وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهِيَ رِقَّةُ الْجُوعِ وَضَعْفِهِ وَهُزَالِهِ . ج١٦ / ص٢٦قَوْلُهُ : ( فَبَيْنَا أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ إِضْحِيَانٍ إِذْ ضُرِبَ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ ، فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ ، وَامْرَأَتَيْنِ مِنْهُمْ تَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ ) أَمَّا قَوْلُهُ : ( قَمْرَاءَ ) فَمَعْنَاهُ مُقْمِرَةٌ طَالِعٌ قَمَرُهَا ، وَالْإِضْحِيَانُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ وَإِسْكَانِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ بَيْنَهُمَا وَهِيَ الْمُضِيئَةُ ، وَيُقَالُ : لَيْلَةٌ إِضْحِيَانُ وَإِضْحِيَانَةُ وَضَحْيَاءُ وَيَوْمٌ ضَحْيَانُ . وَقَوْلُهُ : ( عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ، وَهُوَ جَمْعُ صِمَاخٍ ، وَهُوَ الْخَرْقُ الَّذِي فِي الْأُذُنِ يُفْضِي إِلَى الرَّأْسِ ، يُقَالُ : صِمَاخٌ بِالصَّادِ ، وَسِمَاخٌ بِالسِّينِ ، الصَّادِ أَنصَحُ وَأَشْهَرُ ، وَالْمُرَادُ بِأَصْمِخَتِهِمْ هُنَا آذَانُهُمْ ، أَيْ : نَامُوا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ أَيْ : أَنَمْنَاهُمْ .
قَوْلُهُ : ( وَامْرَأَتَيْنِ ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ بِالْيَاءِ ، وَفِي بَعْضِهَا : ( وَامْرَأَتَانِ ) بِالْأَلِفِ ، وَالْأَوَّلُ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ : وَرَأَيْتُ امْرَأَتَيْنِ . قَوْلُهُ : ( فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا ) ، أَيْ : مَا انْتَهَيَا عَنْ قَوْلِهِمَا ، بَلْ دَامَتَا عَلَيْهِ . وَوَقَعَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( فَمَا تَنَاهَتَا عَلَى قَوْلِهِمَا ) وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا ، وَتَقْدِيرُهُ مَا تَنَاهَتَا مِنَ الدَّوَامِ عَلَى قَوْلِهِمَا .
قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ : هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي ) الْهَنُ وَالْهَنَةُ بِتَخْفِيفِ نُونِهِمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ كِنَايَةً عَنِ الْفَرْجِ وَالذَّكَرِ . فَقَالَ لَهُمَا : وَمَثَّلَ الْخَشَبَةَ بِالْفَرْجِ ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ سَبَّ إِسَافَ وَنَائِلَةَ وَغَيْظَ الْكُفَّارِ بِذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ ، وَتَقُولَانِ : لَوْ كَانَ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا ) الْوَلْوَلَةُ : الدُّعَاءُ بِالْوَيْلِ .
وَالْأَنْفَارُ جَمْعُ نَفَرٍ أَوْ نَفِيرٍ ، وَهُوَ الَّذِي يَنْفِرُ عِنْدَ الِاسْتِغَاثَةِ . وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ : أَنْصَارُنَا ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ ، وَتَقْدِيرُهُ : لَوْ كَانَ هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْصَارِنَا لَانْتَصَرَ لَنَا . قَوْلُهُ : ( كَلِمَةٌ تَمْلَأُ الْفَمَ ) ، أَيْ : عَظِيمَةٌ لَا شَيْءَ أَقْبَحَ مِنْهَا كَالشَّيْءِ الَّذِي يَمْلَأُ الشَّيْءَ وَلَا يَسَعُ غَيْرَهُ .
وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا يُمْكِنُ ذِكْرُهَا وَحِكَايَتُهَا ، كَأَنَّهَا تَسُدُّ فَمَ حَاكِيهَا وَتَمْلَؤُهُ لِاسْتِعْظَامِهَا . ج١٦ / ص٢٧قَوْلُهُ : ( فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ : وَعَلَيْكَ رَحْمَة اللَّهِ ) ، هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ : وَعَلَيْكَ يُجْزِئُهُ ; لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ جَوَابًا ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ أَحْوَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْوَالِ السَّلَفِ رَدُّ السَّلَامِ بِكَمَالِهِ ، فَيَقُولُ : وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَة اللَّهِ أَوْ رَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ ، وَسَبَقَ إِيضَاحُهُ فِي بَابِهِ . قَوْلُهُ : ( فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ ) ، أَيْ : كَفَّنِي .
يُقَالُ : قَدَعَهُ وَأَقْدَعَهُ إِذَا كَفَّهُ وَمَنَعَهُ ، وَهُوَ بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زَمْزَمَ : ( إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ ) هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ ، أَيْ : تُشْبِعُ شَارِبَهَا كَمَا يُشْبِعُهُ الطَّعَامُ . قَوْلُهُ : ( غَبَرَتْ مَا غَبَرَتْ ) ، أَيْ : بَقِيَتْ مَا بَقِيَتْ .
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ) ، أَيْ : رَأَيْتُ جِهَتَهَا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ ) ضَبَطُوهُ ( أُرَاهَا ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا ، وَهَذَا كَانَ قَبْلَ تَسْمِيَةِ الْمَدِينَةِ ( طَابَةَ وَطَيْبَةَ ) ، وَقَدْ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ حَدِيثٌ فِي النَّهْيِ عَنْ تَسْمِيَتِهَا ( يَثْرِبَ ) ، أَوْ أَنَّهُ سَمَّاهَا بِاسْمِهَا الْمَعْرُوفِ عِنْدَ النَّاسِ حِينَئِذٍ . قَوْلُهُ : ( مَا بِي رَغْبَةً عَنْ دِينِكُمَا ) ، أَيْ : لَا أَكْرَهُهُ بَلْ أَدْخُلُ فِيهِ .
قَوْلُهُ : ( فَاحْتَمَلْنَا ) ، يَعْنِي : حَمَلْنَا أَنْفُسَنَا وَمَتَاعَنَا عَلَى إِبِلِنَا وَسِرْنَا . قَوْلُهُ : ( إِيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ ) قَوْلُهُ : ( إِيْمَاءُ ) مَمْدُودٌ ، وَالْهَمْزَةُ فِي أَوَّلِهِ مَكْسُورَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحَكَى الْقَاضِي فَتْحَهَا أَيْضًا ، وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِهِ ، وَلَيْسَ بِرَاجِحٍ . وَ ( رَحَضَةَ ) بِرَاءٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَاتٍ .
قَوْلُهُ : ( شَنِفُوا لَهُ وَتَجَهَّمُوا ) هُوَ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ نُونٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ فَاءٍ ، أَيْ : أَبْغَضُوهُ ، وَيُقَالُ : رَجُلٌ شَنِفٌ مِثَالُ حَذِرٍ ، أَيْ : شَانِئٌ مُبْغِضٌ . وَقَوْلُهُ : ( تَجَهَّمُوا ) ، أَيْ : قَابَلُوهُ بِوُجُوهٍ غَلِيظَةٍ كَرِيهَةٍ . قَوْلُهُ : ( فَأَيْنَ كُنْتَ تَوَجَّهَ ) هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْجِيمِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ( تُوَجِّهُ ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ .
ج١٦ / ص٢٨قَوْلُهُ : ( فَتَنَافَرَا إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْكُهَّانِ ) ، أَيْ : تَحَاكَمَا إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( أَتْحِفْنِي بِضِيَافَتِهِ ) ، أَيْ : خُصَّنِي بِهَا ، وَأَكْرِمْنِي بِذَلِكَ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : التُّحْفَةُ بِإِسْكَانِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا هُوَ مَا يُكْرَمُ بِهِ الْإِنْسَانُ ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ أَتْحَفَهُ .