بَاب النَّهْيِ عَنْ اتِّبَاعِ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَّبِعِيهِ وَالنَّهْيِ عَنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْقُرْآنِ
[47] كِتَاب الْعِلْمِ [1] 2665 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ الَّذِي أَنْـزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ . ج١٦ / ص١٦٥كتاب العلم ( 1-4 ) بَاب النَّهْيِ عَنْ اتِّبَاعِ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَّبِعِيهِ وَالنَّهْيِ عَنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ ) هُوَ بِضَمِّ التَّاءِ الْأُولَى . وَأَمَّا التَّاءُ الثَّانِيَةُ فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ فَتْحُهَا ، وَلَمْ يَذْكُرِ السَّمْعَانِيُّ فِي كِتَابِهِ ( الْأَنْسَابِ ) ، وَالْحَازِمِيُّ فِي ( الْمُؤْتَلِفِ ) ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُحَقِّقِينَ ، وَالْأَكْثَرُونَ غَيْرَهُ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي ( الْمَشَارِقِ ) أَنَّهَا مَضْمُومَةٌ كَالْأُولَى . قَالَ : وَضَبَطَهَا الْبَاجِيُّ بِالْفَتْحِ . قَالَ السَّمْعَانِيُّ : هِيَ بَلْدَةٌ مِنْ كُوَرِ الْأَهْوَازِ مِنْ بِلَادِ خُورِسْتَانَ ، يَقُولُ لَهَا النَّاسُ : ( شَتَرُ ) ، بِهَا قَبْرُ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الصَّحَابِيِّ أَخِي أَنَسٍ .
قَوْلُهَا : ( تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ الَّذِي أَنْـزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ج١٦ / ص١٦٦إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ ، فَاحْذَرُوهُمْ . قَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ وَالْأُصُولِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا . قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى : إِذَا لَمْ يَرِدْ تَوْقِيفٌ فِي تَفْسِيرِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ بِمَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ .
وَتَنَاسُبُ اللَّفْظُ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعِ . وَلَا يُنَاسِبُهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ : الْمُتَشَابِهُ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ ، وَالْمُحْكَمُ مَا سِوَاهُ . وَلَا قَوْلُهُمْ : الْمُحْكَمُ مَا يَعْرِفُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، وَالْمُتَشَابِهُ مَا انْفَرَدَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ .
وَلَا قَوْلُهُمْ : الْمُحْكَمُ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ ، وَالْحَلَالُ وَالْحَرَامُ ، وَالْمُتَشَابِهُ الْقَصَصُ وَالْأَمْثَالُ . فَهَذَا أَبْعَدُ الْأَقْوَالِ . قَالَ : بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّ الْمُحْكَمَ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا الْمَكْشُوفُ الْمَعْنَى الَّذِي يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ إِشْكَالٌ وَاحْتِمَالٌ ، وَالْمُتَشَابِهُ مَا يَتَعَارَضُ فِيهِ الِاحْتِمَالِ .
وَالثَّانِي أَنَّ الْمُحْكَمَ مَا انْتَظَمَ تَرْتِيبُهُ مُفِيدًا إِمَّا ظَاهِرًا وَإِمَّا بِتَأْوِيلٍ ، وَأَمَّا الْتَشَابِهِ فَالْأَسْمَاءُ الْمُشْتَرَكَةُ كَاَلْقُرْءِ وَكَاَلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةِ النِّكَاحِ ، وَكَالْلمَسِّ . فَالْأَوَّلُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ ، وَالثَّانِي بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالزَّوْجِ ، وَالثَّالِثُ : بَيْنَ الْوَطْءِ وَالْمَسِّ بِالْيَدِ ، وَنَحْوِهَا . قَالَ : وَيُطْلَقُ عَلَى مَا وَرَدَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا يُوهِمُ ظَاهِرُهُ الْجِهَةَ وَالتَّشْبِيهَ ، وَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ : هَلْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ ؟ وَتَكُونُ الْوَاوُ فِي وَالرَّاسِخُونَ عَاطِفَةً أَمْ لَا ؟ وَيَكُونُ الْوَقْفُ عَلَى : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ ثُمَّ يَبْتَدِئُ قَوْلَهُ تَعَالَى : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ مُحْتَمَلٌ ، وَاخْتَارَهُ طَوَائِفُ ، وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ ، وَأَنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَهُ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يُخَاطِبَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِمَا لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ ، وَقَدْ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا لَا يُفِيدُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّحْذِيرُ مِنْ مُخَالَطَةِ أَهْلِ الزَّيْغِ ، وَأَهْلِ الْبِدَعِ ، وَمَنْ يَتَّبِعُ الْمُشْكِلَاتِ لِلْفِتْنَةِ .
فَأَمَّا مَنْ سَأَلَ عَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِ مِنْهَا لِلِاسْتِرْشَادِ ، وَتَلَطَّفَ فِي ذَلِكَ ، فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ ، وَجَوَابُهُ وَاجِبٌ . وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يُجَابُ ، بَلْ يُزْجَرُ ، وَيُعَزَّرُ كَمَا عَزَّرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَبِيع بْنَ عُسَلٍ حِينَ كَانَ يَتْبَعُ الْمُتَشَابِهَ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .