بَاب فِي سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ
[24] 2756 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقِ ابْنِ بِنْتِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ ، وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ ، فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ قَالَ : مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِي الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً أَوْصَى بَنِيهِ أَنْ يُحَرِّقُوهُ وَيَذِرُّوهُ فِي الْبَحْرِ وَالْبَرِّ ، وَقَالَ : فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ : لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ قَالَ : مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ ، فَغَفَرَ لَهُ ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثُ ؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَصِحُّ حَمْلُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ نَفْيَ قُدْرَةِ اللَّهِ ، فَإِنَّ الشَّاكَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَافِرٌ ، وَقَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : ج١٧ / ص٢٢٧إِنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْكَافِرُ لَا يَخْشَى اللَّهَ تَعَالَى ، وَلَا يُغْفَرَ لَهُ ، قَالَ هَؤُلَاءِ : فَيَكُونُ لَهُ تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ مَعْنَاهُ : لَئِنْ قَدَّرَ عَلَيَّ الْعَذَابَ ، أَيْ : قَضَاهُ ، يُقَالُ مِنْهُ : قَدَرَ بِالتَّخْفِيفِ ، وَقَدَّرَ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَالثَّانِي : أنَّ قَدَرَ هُنَا بِمَعْنَى ضَيَّقَ عَلَيَّ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : اللَّفْظُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَلَكِنْ قَالَهُ هَذَا الرَّجُلُ وَهُوَ غَيْرُ ضَابِطٍ لِكَلَامِهِ ، وَلَا قَاصِدٍ لِحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ ، وَمُعْتَقِدٍ لَهَا ، بَلْ قَالَهُ فِي حَالَةٍ غَلَبَ عَلَيْهِ فِيهَا الدَّهْشُ وَالْخَوْفُ وَشِدَّةُ الْجَزَعِ ، بِحَيْثُ ذَهَبَ تَيَقُّظُهُ وَتَدَبُّرُ مَا يَقُولُهُ ، فَصَارَ فِي مَعْنَى الْغَافِلِ وَالنَّاسِي ، وَهَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُؤَاخَذُ فِيهَا ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ الْقَائِلِ الْآخَرِ الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ الْفَرَحُ حِينَ وَجَدَ رَاحِلَتَهُ : أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ ، فَلَمْ يَكْفُرْ بِذَلِكَ الدَّهْشِ وَالْغَلَبَةِ وَالسَّهْوِ .
وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ " فَلَعَلِّي أَضِلُّ اللَّهَ " أَيْ : أَغِيبُ عَنْهُ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : ( لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ ) عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هَذَا مِنْ مَجَازِ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَبَدِيعِ اسْتِعْمَالِهَا ، يُسَمُّونَهُ مَزْجَ الشَّكِّ بِالْيَقِينِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى فَصُورَتُهُ صُورَةُ شَكٍّ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْيَقِينِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هَذَا الرَّجُلُ جَهِلَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَكْفِيرِ جَاهِلِ الصِّفَةِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَمِمَّنْ كَفَّرَهُ بِذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ، وَقَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ أَوَّلًا ، وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَكْفُرُ بِجَهْلِ الصِّفَةِ ، وَلَا يَخْرُجُ بِهِ عَنِ اسْمِ الْإِيمَانِ بِخِلَافِ جَحْدِهَا ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ ، وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ اعْتِقَادًا يَقْطَعُ بِصَوَابِهِ ، وَيَرَاهُ دِينًا وَشَرْعًا ، وَإِنَّمَا يَكْفُرُ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ مَقَالَتَهُ حَقٌّ ، قَالَ هَؤُلَاءِ : وَلَوْ سُئِلَ النَّاسُ عَنِ الصِّفَاتِ لَوُجِدَ الْعَالِمُ بِهَا قَلِيلًا ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : كَانَ هَذَا الرَّجُلُ فِي زَمَنِ فَتْرَةٍ حِينَ يَنْفَعُ مُجَرَّدِ التَّوْحِيدِ ، وَلَا تَكْلِيفَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يَجُوزُ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنٍ شَرْعُهُمْ فِيهِ جَوَازُ الْعَفْوِ عَنِ الْكَافِرِ ، بِخِلَافِ شَرْعِنَا ، وَذَلِكَ مِنْ مُجَوَّزَاتِ الْعُقُولِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَإِنَّمَا مَنَعْنَاهُ فِي شَرْعِنَا بِالشَّرْعِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقِيلَ : إِنَّمَا وَصَّى بِذَلِكَ تَحْقِيرًا لِنَفْسِهِ ، وَعُقُوبَةً لَهَا لِعِصْيَانِهَا ، وَإِسْرَافِهَا ، رَجَاءَ أَنْ يَرْحَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .